مروان حبش. كاتب سوري
ليس الخوف مجرد حالة نفسية طارئة يعيشها الأفراد أو الجماعات، بل هو في التحليل السياسي العميق، بنية حكم، وأحيانًا يصبح هو الأساس الأكثر صلابة الذي تقوم عليه شرعية الأنظمة السلطوية. وإذا كانت بعض السلطات في العالم تبني نفوذها على القانون أو المؤسسات أو الإنجاز الاقتصادي، فإن الأنظمة السُلطوية غالبًا ما تُشيّد سلطانها على الهشاشة المنظمة واليقين الخائف اللذين يجعلان المجتمع في حالة تبعية دائمة لها
منذ أن بدأ علم السياسة الحديث يفكّك أدوات السيطرة في الأنظمة السثلطوية، تبيّن أنّ الخوف ليس مجرد نتيجة لسياسات القمع، بل هو أداة حكم قائمة بذاتها. فالسلطة التي تؤسس شرعيتها على الذعر لا تتلاشى بغيابه، بل تعمل، على العكس، على تنظيمه وتدويره وتصنيعه بما يضمن ديمومتها. هذه الفرضية هي المحور الذي يدور حوله كتاب “ملكية الخوف” للمفكّر الأمريكي مارتانوس سوم، حيث يرى أن الأنظمة السلطوية الاستبدادية تتحوّل إلى (جهة تحتكر تعريف الخطر وتتحكم بإيقاع التهديد وإدارة النجاة.(
وبذلك، تصبح الدولة نفسها، في هذه النماذج، ليست حاميةً للمجتمع من الأخطار، بل منتِجاً لها. فالخطر ليس حقيقة موضوعية بقدر ما هو سردية تبنيها السلطة وتعيد إنتاجها، ثم تُقدّم نفسها باعتبارها الجهة الوحيدة القادرة على إدارة هذا الخطر أو احتواء تداعياته.
من هنا نفهم لماذا تتحوّل الدولة في بعض السياقات إلى مصنعٍ ضخم للتهديدات: (تهديد خارجي، تهديد طائفي داخلي، تهديد اقتصادي، تهديد فوضى، تهديد إرهاب)، وكلّها عناصر تُصاغ كـ “ضرورات أمنية” لتبرير استمرار السلطة وتوسيع قبضتها.
هذه الفكرة تتقاطع بعمق مع ما طرحه الفيلسوف والروائي الإيطالي أمبرتو إيكو حول «العدو المضاد»، حيث تؤسّس السلطة عدواً ثابتاً أو متخيلًاً يلازم خطابها طوال الزمن، ليصبح وجودها ذاته متوقّفاً على استمرار هذا العدو. فالخوف يحتاج إلى مادة، والعدو الدائم هو مادته الخام.
تتلاقى هذه المقاربات مع نظرية “تصنيع الإجماع” لنعوم تشومسكي وإدوارد هيرمان، فيقدّمان في كتابهما “صناعة الرأي العام”، قراءة نقدية للإعلام والخطاب السياسي اللذين يصنعان حالة قبول شعبي لسياسات غير عادلة عبر الهندسة الشعورية وتكرار الرسائل المحمّلة بالخطر. فالسلطة لا تفرض القمع من الخارج فقط، بل تدفع الناس داخليًا إلى قبول ما كانوا سيرفضونه لو كانوا خارج دائرة الخوف.
في كتابها “صعود رأسمالية الكوارث” تشرح الكاتبة الكندية ناعومي كلاين، ” عقيدة الصدمة” التي تُمكِّن السلطة، سواء كانت دولةً أو منظومة اقتصادية، خلق صدمات أمنية أو اقتصادية ثم استغلال حالة الذعر العام لفرض سياسات يرفضها الناس في الظروف الطبيعية. فحين تضرب “الصدمة”، تتعطّل القدرة الجماعية على الرفض، وتتراجع الإرادة الشعبية أمام خطاب “الضرورة” و”الحماية” و”الأمن”، ليتحوّل المجتمع تدريجياً إلى قابلية أعلى للطاعة والانقياد، أي إلى ما تسميه “كلاين” إدارة الصدمات.
هكذا يتكوّن نسق كامل يقوم على الثلاثي الآتي :خلق الخطر أو تضخيمه، تعميم الخوف وتحويله إلى شعور عام، واحتكار الحل بحيث تصبح السلطة هي الجهة الوحيدة القادرة، أو تدّعي القدرة، على النجاة بالمجتمع.
هذا النسق نفسه نراه اليوم يتكرّر، وإن بتمظهرات مختلفة، في حالات بعض السُلط الراهنة بإعادة تدوير الخوف إذْ تستدعي هذه السُلط عناصر الماضي بوصفها أشباحاً سياسية): ذاكرة الحرب الأهلية، خطوط التماس بين مكونات المجتمع، والخوف المزروع في وجدان الشعب من عودة الفوضى). وتُرفَع دولة ما كعدو خارجي من جهة، بينما تُلوَّح بالعصبيات الداخلية كعدو داخلي من جهة أخرى، ليتحوّل المجتمع ذاته إلى ساحة تهديد متبادل.
بهذا، تغدو البنية ما قبل الوطنية نفسها أداة ابتزاز سياسي، تُستعمل لدفع الشعب نحو قبول مشروع سُلطوي تحت شعار “الحماية من الآخر”. فالخوف هنا لا يأتي من العدو الخارجي فقط، بل من الجار المختلف، من “لآخر” الذي تصنعه السلطة عبر خطابها وإعلامها وأجهزتها.
ولتعزيز هذا الإخضاع الداخلي، تُستثمر المجموعات المسلحة، سواء من جماعات أو عصابات أو ميليشيات رديفة كجزء من ماكينة التخويف، وليس كأداة حماية.
فالسلطة، في مثل هذا النموذج، لا تقوم بتحصين المجتمع من الخطر؛ بل تنتجه عبر هذه الأذرع، ثم تظهر لاحقاً في صورة المنقذ الذي “يضبط الفوضى” التي كانت هي ذاتها جزءاً من صناعتها. إنها المعادلة ذاتها التي شرحها “مارتانوس سوم”: (السلطة تصنع الخطر ثم تسوّق ذاتها كحارسٍ منه). وبالتالي، يصبح الخوف مورداً سياسياً تتغذّى منه السلطة، لا أداةً عابرةً أو نتيجةً جانبية لسلوكياتها.
عندما تُفتعَل الأزمة، كما يحدث مراراً، تُوجَّه القواعد الشعبية المؤيدة مباشرة نحو خطاب “ما قبل المواطنة” جاهز ومعلّب. ثم يُعاد تقديم السلطة على أنها “السدّ الوحيد” في وجه الانفجار، وبهذا تُستعاد شرعيتها كلما فقدتها. إنها لعبة السمّ والترياق: تضع السلطة السمّ في الطعام ثم تبيع نفسها بوصفها الدواء المنقذ. والمفارقة أن السلطة تنفي أي “إثباتات موضوعية” لا يمكن توفيرها لأنها تخفي أدواتها وآثارها. لكن السياسة لا تُدرَك فقط بالأدلة المادية، بل بقرائن السلوك المتكرر. والتكرار هنا ليس مصادفةً، بل منهجاً. وما يبدو في الظاهر خطوة مسؤولة، كمصادرة مؤقتة للحرية مقابل وعدٍ بالأمان المستدام، يتحوّل في سياق السلطة إلى أداة ابتزاز: “تكريس الخوف، تمهيد نفسي لسياسات أمنية جديدة، إعادة تشكيل العلاقة بين المواطن والدولة على قاعدة الطاعة”. ففي كل مرة تُفرض حالة طوارئ موضعية، تُمهَّد الأرضية العامة لقبول حالة طوارئ دائمة.
الهدف الأساسي للإرهاب، أياً كان مصدره، هو زراعة الخوف.وتاريخ سُلط الخوف بما يحمله من قمعٍ منهجي وصراعاتٍ مصنّعة، يكفي لوضعها في دائرة الاشتباه السياسي المشروع في كل أزمة جديدة.
لا يحتاج المواطن إلى وثائق سرّية ليقرأ نمطاً يتكرر أمامه على الدوام: افتعال أزمة أمنية أو السماح لها بالتوسع، إضفاء صبغة “ما قبل مواطنة” عليها، تقديم السلطة نفسها كمنقذ، رسملة الخوف سياسيًا وتمرير إجراءات أمنية جديدة”.
بهذه الآلية تتحوّل مجتمعات هذه السُلط تدريجيًا إلى مملكة للخوف، حيث يصبح الذعر ليس حالة طارئة بل بنية يومية، وتتحول السلطة إلى شركة أمنية كبرى تبيع “الحماية” مقابل الطاعة.
إن تحليل بنية هذه السُلط، يكشف أن الخوف ليس مجرّد شعور نفسي فردي، بل اقتصاد سياسي كامل: يُنتج، يُدار، يُعاد تدويره، ويُحوَّل إلى شرعية. و مادامت هذه السُلط قادرة على التحكم بدرجة التهديد، فإنها تبقى قادرة على فرض الطاعة.
إن أي مجتمع يعيش على الخوف لن يبني استقراراً حقيقياً، بل هشاشة شاملة. فالخوف يضمن البقاء المؤقت للسلطة، لكنه لا يضمن بقاء الدولة نفسه. والسلطة التي تحكم بالخوف تحكم من خارج المجتمع، لا من داخله. فهي لا تنتمي إليه، بل تراقبه، وتضبط حركته، وتبقيه دائماً على حافة القلق.
لكن الخوف، مهما طال، لا يبني دولة. إنه يبني فراغاً يتّسع شيئاً فشيئاً تحت أقدام الجميع، حتى تلك السلطة ذاتها التي تعتاش عليه.
إن التحرر من هذا النسق يبدأ من تفكيك رواية الخوف، وإعادة تعريف الأمن بوصفه ملكاً للمجتمع لا للسلاح، وحقاً لا منحةً، واستحقاقاً لا فزّاعةً. فمن يعيش في مملكة الخوف، لا يعيش حياة كاملة، بل يعيش على هامش الحياة، فيما تستمر السلطة في لعبتها الأبدية: تصنع الخطر… ثم تبيع النجاة.
مروان حبش