
لم يكن سقوط نظام الأسد وانهياره العام الماضي الحدث الأبرز في تاريخ سوريا وحسب؛ بل وعلى الصعيد العالمي أيضاً. ففي يوم واحد انكسرت جدران الخوف التي شُيّدت على مدى عقود، وانهارت منظومة القمع الوحشية، التي كبّلت المجتمع وحوّلت الدولة إلى سجن كبير. بدا المشهد وكأن سوريا تفتح أبوابها على فصل جديد من تاريخها، فصل يَعِد بالحرية والعدالة والكرامة، ويمنح شعبها فرصة طال انتظارها لاستعادة معنى الوطن. غير أن هذه اللحظة، بكل ما حملته من رمزية وأمل، لم تكن سوى بداية طريق طويل محفوف بالتحديات. فالسؤال الذي يفرض نفسه اليوم: هل تستطيع سوريا أن تعبر من لحظة السقوط إلى بناء دولة مستقرة؟ وهل تنجح السلطة الجديدة في تقديم نموذج حكم يُطمئن الناس ويعيد الثقة؟ أم أن البلاد ستظل معلّقة بين ماضٍ لم يُحاسب وحاضر لم يُبْنَ بعد؟
هذا الأفق المفتوح على الأمل سرعان ما اصطدم بواقع بالغ التعقيد، وبإرث ثقيل من الخراب البنيوي الذي خلّفه النظام السابق في مؤسسات الدولة والمجتمع معاً. فبعد أيام من الفرح والاحتفال بسقوط نظام القمع والاستبداد، وجد السوريون أنفسهم أمام دولة منهارة، بلا مؤسسات قادرة على إدارة المرحلة، وبلا كوادر مؤهلة تملك الخبرة في إعادة البناء. الخراب لم يكن سياسياً وأمنياً فقط، بل امتد إلى الثقافة والاقتصاد والوعي العام، حيث ترك النظام وراءه فراغاً هائلاً في الخبرة والمعرفة، ونسف أي تقاليد للعمل المدني أو السياسي المستقل. في هذا السياق، بدت السلطة الجديدة كأنها تواجه مهمة شبه مستحيلة، إدارة بلد خرج للتو من قبضة الاستبداد، لكنه مثقل بأزمات متراكمة، ومحاصر بعقوبات دولية، يتربص به خصوم داخليون وخارجيون. لذلك لم يكن الإنجاز الحقيقي في العام الأول هو بناء مؤسسات أو إطلاق مشاريع كبرى، بل مجرد القدرة على الصمود، والحفاظ على الحد الأدنى من التماسك، وفتح مسارات تدريجية نحو التغيير، بعيداً عن أوهام الحلول السريعة أو المعجزات.
المشهد السياسي الذي تلا سقوط نظام الأسد لم يتشكل نتيجة توافق وطني أو انتخابات حرة، بل جاء محكوماً بميزان القوة على الأرض. فالمجموعات المسلحة، وفي مقدمتها هيئة تحرير الشام، سارعت إلى ملء الفراغ السياسي والأمني، وفرضت أمراً واقعاً بتعيين أحمد الشرع رئيساً للمرحلة الانتقالية. هذه الخطوة، التي رُوّج لها كتحول سياسي، لم تمر عبر صناديق الاقتراع أو نقاش شعبي؛ بل جاءت من خارج الأطر المدنية، وكرّست منطق الغلبة لا الشراكة. الحكومة التي شُكّلت لاحقاً لم تنبثق من انتخابات حرة، بل من ترتيبات داخلية بين الفصائل، في حين صدر إعلان دستوري يحكم المرحلة الانتقالية من دون أن يُعرض على السوريين أو يُناقش علناً. وحتى “انتخابات” مجلس الشعب التي أُجريت لاحقاً لم تكن سوى عملية تعيين مقنّعة، افتقرت إلى الشفافية والمنافسة. وهكذا بدا أن الثورة نجحت في إسقاط النظام، لكنها لم تنجح بعد في تأسيس بديل ديمقراطي، يعكس تطلعات السوريين ويمنحهم حق تقرير مصيرهم.
والوضع الاقتصادي لم يكن أقل قسوة من المشهد السياسي، بل ربما كان أكثر إلحاحاً على حياة الناس اليومية. فمع انهيار مؤسسات الدولة ، وجد السوريون أنفسهم أمام اقتصاد مشلول وأسواق مضطربة. ورغم بعض الإجراءات التي اتخذتها الحكومة الجديدة، مثل رفع الرواتب وتحسّن نسبي في توفر المواد الأساسية وتحسن التغذية الكهربائية، فإن هذه الخطوات لم تُترجم إلى تحسّن فعلي في حياة الناس؛ إذ سرعان ما التهمتها موجات الغلاء، نتيجة رفع أسعار الكهرباء والإنترنت، وهذا ما جعل الفاتورة المعيشية أكثر قسوة على الفئات الفقيرة والمتوسطة.
خلف هذه التفاصيل اليومية يكمن مأزق أعمق: لا خطة اقتصادية واضحة المعالم طُرحت، ولا رؤية لإعادة الإعمار، ولا حتى إجراءات إسعافية لوقف التدهور المعيشي. فالحكومة بدت عاجزة عن التعامل مع التحديات الاقتصادية، سواء بسبب ضعف الخبرة أو غياب أدوات التنفيذ. والعقوبات الدولية ما زالت تخنق الاقتصاد وتمنع تدفق الاستثمارات وتُقيّد حركة التجارة، يضاف إليها استمرار شبكات الفساد في العمل، وهو ما عمّق شعور المواطنين بأن شيئاً لم يتغير فعلياً. فالاقتصاد السوري، الذي كان يحتضر تحت حكم الأسد، دخل مرحلة جديدة من الجمود تُهدد بانفجار اجتماعي إذا لم تُبادر السلطة إلى معالجة الأسباب البنيوية للأزمة، وتقديم حلول واقعية تُعيد الثقة وتفتح باب التعافي.
أما ملف العدالة الانتقالية الذي فتح رسمياً بتشكيل الهيئة الوطنية للعدالة الانتقالية والمفقودين قبل نحو سبعة أشهر، في خطوة اعتُبرت ضرورية لمعالجة إرث الانتهاكات التي ارتكبها النظام السابق، وكذلك تلك التي وقعت في عهد السلطة الجديدة. غير أن هذا المسار، الذي أثار في بدايته بعض الآمال، لم يُقدّم حتى الآن شيئاً ملموساً يطمئن الضحايا أو يعيد الثقة للمجتمع. صحيح أن السجون والفروع الأمنية فُتحت، لكن ملفاتها بقيت طي الكتمان، بعد أن جرى العبث بها والمتاجرة بها من قبل بعض الجهات، ما أفقدها مصداقيتها وأثار شكوكاً حول نوايا السلطة في كشف الحقيقة كاملة.
هذا البطء في مسار العدالة لا يهدد فقط السلم الأهلي، بل يُبقي الجرح مفتوحاً ويزرع بذور نقمة قد تنفجر في أي لحظة، خصوصاً في ظل استمرار التهميش والتجاهل. فالعدالة الانتقالية ليست ترفاً سياسياً، بل شرطاً أساسياً لأي استقرار مستدام. وإذا لم تُعالج آثار المرحلة السابقة بشجاعة وشفافية، فإن سوريا الجديدة ستظل معلقة بين ماضٍ لم يُحاسب وحاضر لا يُبنى.
وعلى مستوى المجتمع والوعي العام، فلم يُترجم سقوط نظام الأسد إلى ولادة ثقافة سياسية جديدة أو إلى انفتاح مدني واسع. فالإرث الثقيل من الاستبداد ترك فراغاً هائلاً في الخبرة والمعرفة، ونسف أي تقاليد للعمل المدني أو السياسي المستقل. ومع غياب مؤسسات قادرة على تأطير المشاركة الشعبية، ظلّ المجتمع يتأرجح بين الحماسة الثورية والخيبة اليومية، وبين الرغبة في التغيير والخوف من الفوضى. والإعلام بقي أسيراً للاستقطاب، والتعليم لم يُحدث نقلة نوعية، فيما استمرت أنماط التفكير التي كرّسها النظام في السيطرة على الوعي العام. وهكذا وجد السوريون أنفسهم أمام مهمة مضاعفة: ليس فقط إعادة بناء الدولة والاقتصاد، بل أيضاً إعادة بناء الإنسان، وإحياء قيم المواطنة والحرية والعدالة، التي من دونها لن يكون لأي مشروع سياسي أو اقتصادي معنى.
وبالرغم من مرور عام على سقوط النظام السابق، لا تزال البلاد تواجه تحديات وجودية تهدد وحدة الدولة ومشروعها الوطني. فالمشهد الأمني مازال هشاً، حيث تستمر عمليات القتل والخطف، في حين ترفض بعض المناطق، مثل السويداء وشمال شرق سوريا، الانضمام إلى الدولة وتتمسك بإدارات محلية، وهذا ما يجعل معضلة توحيد سوريا أكثر تعقيداً. وفي ظل هذه الانقسامات، تبدو البلاد كأنها تقف على مفترق طرق: لا هي عادت إلى الاستبداد، ولا دخلت فعلياً في مرحلة بناء ديمقراطي مستقر. ومع ذلك، يبقى الأمل قائماً، فالثورات تُقاس بقدرتها على تغيير الوعي وفتح مسارات جديدة للتاريخ.
وسوريا، بالرغم من الجراح، بدأت تكتب فصلاً جديداً يحمل إمكانية النهوض إذا توفرت الإرادة وتوحدت الرؤية وصدقت النوايا، خصوصاً أن مستوى الحرية في الكلام والنقد بدا مرتفعاً مقارنة بالماضي، وهو مؤشر على أن جدار الخوف قد كُسر بالفعل وأن الطريق نحو التغيير بات مفتوحاً.
المدن