كتابة فريق التحرير البياني
مرحبا بقرّاء نشرة الفراتس،
في أول تجربةٍ خارج حدود القرية الصغيرة، زرتُ مكة المكرمة مطلع التسعينيات وأنا غلامٌ حدث السنّ، فكان كلُّ شيءٍ مبهراً. المسجد الحرام بأبوابه وأروقته، والكعبة المشرفة وبئر زمزم ومقام إبراهيم وحِجر إسماعيل والحجر الأسود وسوق الليل والشامية ومحبس الجنّ. وكان ممّا يبهر أيضاً ذلك المنظر العجيب لأخلاطٍ من الناس والأجناس والألوان واللغات، كلٌّ قد علم صلاتَه وتسبيحَه.
مواضيع مطوّلات الفراتس هذا الأسبوع تسبح في بحرٍ من التنوّع والتقابل والتجانس. فبين ثنائية الريف والمركز، كتب لنا ناصر رمضان عن بطل الريف المغربي محمد بن عبدالكريم الخطابي. إذ قاوم الخطابيُّ الاستعمارَين الإسباني ثم الفرنسي لاحقاً، وأسّس سنة 1923 جمهورية الريف التي لم تدم طويلاً، لكنها تعدّ من طلائع المحاولات السياسية في بلاد المغرب التي جمعت بين تحريرٍ عسكريٍّ وآخَر فكريٍّ ثقافي. فاقت سمعةُ الخطابي ودولتِه المغربَ إقليماً وبلداً، وإفريقيا قارةً، فوصل صداه وتأثيره أمريكا اللاتينية وآسيا التي تبنّى بعض ثوّارها منهج الخطابي وأسلوبه في المقاومة. عاش الخطابي مقاوماً ومناضلاً ثم منفياً، لكنه لم يتنازل عن مبادئه وأفكاره الرافضة الاستعمارَ بكلّ صوره وتمثلاته. وقد ظلّ الخطابي يقاوِم جهتين، عدوّاً خارجياً مستعمِراً، ومنافساً داخلياً يخشى امتدادَ نفوذ الخطابي وشرعيته. ولعلّ أصول الخطابي الريفية الأمازيغية أسهمت في خمود ذكره فيما دوّن من تاريخٍ يكتبه المنتصرون عادة.
في مطوّلتنا الثانية، كتب الزميل طارق حجي عن ثنائية الدين والعلم وتمثلاتها في أعمال نجيب محفوظ. شرع المفكرون العرب يحاولون صياغة العلاقة بين الدين والعلم منذ أواخر القرن التاسع عشر. فكانوا إما فريقاً يعلي قيمة النص الديني ويغيّب العلم التجريبي ليتبنّى الإعجاز العلمي، أو فريقاً يتبنّى الحداثة وحصر الدين في المساحة الفردية. ثم ظهر طيفٌ ثالثٌ يمثله طه حسين، يحاول التوفيق بين العلم والدين بإيجاد مساحةٍ للتأملات الوجدانية للدين داخل العلم دون تعارضٍ بينهما. كانت الروايات العربية مساحةً لإبراز محاولات التوفيق هذه، لكن أعمال نجيب محفوظ الروائية تميّزت عن غيرها بصيغتها التطورية شكلاً ومضموناً. فقد كانت أعماله المتتابعة راصدةً لطبيعة هذه العلاقة التوافقية بين الدين والعلم، مبرزةً تطور الفكر العربي في وصف هذه العلاقة وتكييفها. كان محفوظ نفسه يتطور فكرياً وفلسفياً بدءاً من محاولاته في الثلاثية، إلى نضجٍ أكبر في مسألة التوفيق في عملٍ مثل “أولاد حارتنا”.
ثالث المطوّلات كانت عن ثنائية الدين والفن، وكتبها محمد تايشينت. فن الروايس، أو فن تيرويسا الأمازيغي المنتشر في جنوب المغرب، حيث يجتمع الوعظ الديني ومكانة الأولياء الصالحين بالغناء والرقص. والروايس كلمةٌ عربيةٌ مأخوذةٌ من “رئيس”، وهو قائد الفرقة الإنشادية التي تغنّي وترقص وتتنقل بين الديار لتجني المال مقابل فنّها. يمتاز الرايس بمَلكةٍ شعريةٍ وموهبةٍ في قيادة المجموعة، إذ يتعلم في الكتّاب بالمسجد فيحفظ القرآن والمتون الشرعية. ثم إذا برع في الشعر، انطلق إلى الأولياء والصالحين وطلب معونتهم في إلهامه. تكمن أهمية الروايس في المخيال الشعبي في ارتباطهم بالأولياء والصالحين، إذ يذكرونهم في مقدمات أشعارهم. ولذلك لا يقف دور الرايس على الإنشاد والوعظ فحسب، بل يطلب منه الجمهور الدعاء لهم، حتى فاق إمامَ المسجد في هذه المكانة. لا ينحصر فن تيرويسا على الرجال وحدهم، بل كانت هناك رايساتٌ مشهوراتٌ أثرَيْن هذا الفن وأسهمن في انتشاره. وقد نُظر إلى فن تيرويسا بلا تحفظٍ، فلَم يحرّم طلبةُ العلم أغاني الروايس ولا مناسباتهم.
أما المطوّلة الرابعة، فقد سطّرها زميلنا محمد النعاس عن اللغة أداةً بيد الزعيم الليبي السابق معمر القذّافي. يرى الكاتبُ أن القذّافي كان يطوّع اللغة بوعيٍ لتمرير أفكاره وتصوراته شكلَ دولته التي قاد ثورتها في 1969. فتعبير “الأخ القائد” الذي ارتبط حصراً بالقذّافي يعطي الانطباع الشعبي والأفكار الاشتراكية ومعاني الأخوّة والمساواة التي يريد الزعيم الليبي إيصالها إلى شعبه. فمنذ خطاب ثورة الفاتح من سبتمبر، ظلّ القذّافي ملازماً لنوعٍ من اللغة يؤدي رسالته قائداً عربياً بدوياً، حريصاً على انتقاء ألفاظٍ وعباراتٍ ذات مضامين دلاليةٍ صريحةٍ لا مواربة فيها ولا دبلوماسية. نقل الصحفي المصري محمد حسنين هيكل قصة “قمة الرباط” سنة 1969 وكيف خاطب القذّافيُ بعضَ الملوك العرب بأسمائهم الأولى وبلا ألفاظٍ تشريفيةٍ، ما يوحي بإيمان الرجل في أثر اللغة في تشكيل الوعي. وحتى لحظاته الأخيرة قبيل مقتله سنة 2011، وصف القذّافي الثوارَ بالجرذان. وكان قبل ذلك وصف المعارضين بالكلاب الضالة والزنادقة، في اتساقٍ ظلَّ القذّافي وفيّاً فيه لمعجمه الخاص.
ثم ختمنا المطوّلات بـمطوّلة مهدي حبشي عن الهجرة الإفريقية إلى المغرب، وارتباطها بتاريخ الدولة السعدية في القرن السادس عشر وجلبهم الرقيقَ من مناطق جنوب الصحراء ونهر السنغال والنيجر. قصة استرقاق الأفارقة السود وجلبهم إلى المغرب تعود إلى حروب الدولة السعدية مع إمبراطورية سونغاي للسيطرة على طرق التجارة والملح والذهب. كان لهذا الاسترقاق ودخول العنصر الإفريقي تأثيراتٌ كبيرةٌ في المغرب، سياسياً واجتماعياً وعسكرياً وثقافياً. إذ عمل الوافدون الجدد ابتداءً خدماً في البيوت والمصانع وغيرها. ثم بعد أفول الدولة السعدية وبزوغ شمس الدولة العلوية بالمغرب، شكّل الحاكم العلوي السلطان إسماعيل جيشاً قوامه الأفارقة السود رقيقاً وأحراراً على طريقة الجيش الإنكشاري في الدولة العثمانية. امتد تأثير العنصر الإفريقي إلى الثقافة المغربية، إذ أدخل الوافدون الجددُ بعضَ العادات والمعتقدات والروحانيات التي كانت معروفةً في ديارهم جنوب الصحراء قبل الإسلام. ولعل أبرز مثالٍ على هذا التمازج فن “كناوة” بمعازفه ورقصاته وروحانياته.
ثم انقضت تلك السنون وأهلها *** فكأنها وكأنهم أحلامُ
وختمنا مطوّلاتنا الفراتسية هذا الأسبوع. أرجو أن تكون فيها فائدةٌ وتنوّع. أذكّر أيضاً أن بعضاً مما ورد في صدر النشرة هنا من معالم مكة لم يعُد موجوداً. فلا تستطيع دخول بئر زمزم من داخل الحرم كما كان الحال حينئذ. وقد لا يمنحك الزحام فرصة تقبيل الحجر الأسود أو الصلاة خلف مقام إبراهيم. حتى خارج الحرم، لم يعُد هناك مكانٌ اسمه الشامية، إذ أكلها التطور العمراني، ومثلها سوق الليل. لكن مكة ظلّت موئلاً لشعوبٍ وقبائل يأتون من كلّ فجٍّ عميق، أكرمُهم عند الله أتقاهم.
أسبوع سعيد للجميع،
المصدر مجلة الفراتس