
يقفُ لبنانُ اليومَ أمامَ لحظةٍ مصيريّةٍ تعيدُ طرحَ السّؤالِ الأساسيّ حولَ معنى قيامِ الدّولةِ وحدودِ الشّرعيّةِ فيها. فالدّولةُ لا تقومُ بوجودِ سلطاتٍ موازيةٍ تنازعُها القرارَ، ولا يمكنُ أن تستقرَّ في ظلِّ سلاحٍ خارجَ إطارِ مؤسّساتِها الدّستوريّة. إنَّ احتكارَ السّلطةِ والسّلاحِ ضمنَ الإطارِ الشّرعيّ ليسَ تفصيلًا إداريًّا أو خيارًا سياسيًّا بينَ خياراتٍ عدّة، بل هو القاعدةُ التأسيسيّةُ التي يقومُ عليها الكيانُ السّياسيّ الحديث.
ومن دونِ هذه القاعدةِ، تتحوّلُ الدّولةُ إلى مساحةٍ هشّةٍ مفتوحةٍ على الاحتمالاتِ الأخطر. فحينَ تتعدّدُ مراكزُ القرارِ الأمنيّ والعسكريّ، يفقدُ الوطنُ القدرةَ على تحديدِ مسارِه السّياديّ، ويصبحُ عرضةً لتجاذباتِ الخارجِ وصراعاتِ الإقليم.
إنَّ التمرّدَ على الشّرعيّةِ الدّستوريّة ليسَ مجرّدَ موقفٍ سياسيٍّ معارضٍ لسياساتِ الحكومةِ أو خياراتِها، بل هو اعتداءٌ مباشرٌ على فكرةِ الدّولةِ نفسِها. فالدّولةُ الدّستوريّةُ تقومُ على قواعدَ تنظّمُ توزيعَ السّلطاتِ وتحدّدُ مرجعيّةَ القرار. وعندما يُستبدَلُ هذا النّظامُ بمنطقِ القوّةِ أو الأمرِ الواقعِ، يدخلُ الوطنُ في مسارٍ انحداريٍّ يهدّدُ استقرارَهُ ووحدتَهُ ومستقبلَهُ.
لقد دفعَ لبنانُ خلالَ العقودِ الأربعةِ الماضيةِ أثمانًا باهظةً نتيجةَ مغامراتٍ سياسيّةٍ وعسكريّةٍ لم تكنْ منسجمةً مع منطقِ الدّولةِ ولا مع مصالحِ الشّعبِ اللّبنانيّ. فمنذُ ثمانينيّاتِ القرنِ الماضي، دخلَ البلدُ في سلسلةٍ طويلةٍ من التّجاربِ التي جعلتْ أرضَهُ ساحةً لتصفيةِ الصّراعاتِ الإقليميّةِ والدّوليّة. وفي كلِّ مرّةٍ كانَ اللّبنانيّونَ يدفعونَ الثّمنَ من أمنِهم واقتصادِهم واستقرارِهم الاجتماعيّ.
لقد تكرّرَ المشهدُ أكثرَ من مرّةٍ. تصعيدٌ عسكريٌّ يُقدَّمُ بوصفِه خيارًا استراتيجيًّا، ثمّ مواجهاتٌ مدمّرةٌ تُنهكُ البلدَ، ثمّ مفاوضاتٌ دوليّةٌ تُعادُ فيها صياغةُ التّوازناتِ الإقليميّة. وبينَ هذه المراحلِ كلِّها كانَ لبنانُ يتحمّلُ الخسائرَ الأكبر، في حين تبقى القوى الدّوليّةُ والإقليميّةُ قادرةً على إعادةِ ترتيبِ مصالحِها خارجَ حدودِه.
إنَّ أخطرَ ما في هذه المغامراتِ أنّها لم تكنْ فقط مغامراتٍ سياسيّةً خاطئة، بل كانتْ في كثيرٍ من الأحيانِ مغامراتٍ انتحاريّةً بالمعنى الكاملِ للكلمة. فالوطنُ الذي يُستخدَمُ ساحةً لحروبِ الآخرينَ يفقدُ تدريجيًّا سيادتَهُ واستقرارَهُ واقتصادَهُ ومكانتَهُ في العالم. وهذا ما شهدهُ لبنانُ بوضوحٍ خلالَ السنواتِ الأخيرةِ حيثُ ترافقتِ الأزماتُ الأمنيّةُ مع انهيارٍ اقتصاديٍّ غيرِ مسبوقٍ ومع تراجعٍ حادٍّ في ثقةِ المجتمعِ الدّوليّ بمؤسّساتِ الدّولة.
ومع ذلكَ، فإنَّ الدّرسَ الأهمَّ الذي ينبغي استخلاصُهُ من هذه التّجربةِ الطّويلةِ هو أنّ الارتهانَ للخارجِ لا يحمي أيَّ طرفٍ لبنانيّ، بل يدمّرُهُ قبلَ أن يدمّرَ الوطن. فالقوى الإقليميّةُ والدّوليّةُ تتعاملُ دائمًا وفقَ منطقِ مصالحِها الاستراتيجيّة، وعندما تتغيّرُ هذه المصالحُ يصبحُ الحلفاءُ الظّرفيّونَ مجرّدَ أوراقٍ يمكنُ التّخلّي عنها بسهولة.
أثبتَ تاريخُ لبنانَ الحديثُ أنّ الاستقواءَ بالخارجِ لا ينتجُ توازنًا مستدامًا، بل يخلقُ اختلالاتٍ جديدةً تُعمِّقُ الانقساماتِ الدّاخليّةَ وتُضعفُ الدّولة. كما أثبتَ أنّ تحويلَ لبنانَ إلى منصّةٍ للصّراعاتِ الإقليميّةِ يعرّضُهُ دائمًا لخطرِ الاستباحةِ ولخطرِ الاحتلالِ المباشرِ أو غيرِ المباشر.
ومن هنا تبرزُ أهمّيّةُ العودةِ إلى منطقِ الدّولةِ الجديّةِ بوصفِه المسارَ الوحيدَ القادرَ على حمايةِ لبنان. فالدّولةُ الجديّةُ هي الدّولةُ التي تحتكرُ قرارَ الحربِ والسِّلم، وتفرضُ سيادةَ القانونِ على كاملِ أراضيها، وتبني مؤسّساتٍ قادرةً على حمايةِ المجتمعِ من الانهيارِ ومن التّلاعبِ الخارجيّ.
إنَّ بناءَ هذه الدّولةِ ليسَ مهمّةً سهلة، لأنَّه يتطلّبُ انتقالًا تدريجيًّا من ثقافةِ المغامرةِ إلى ثقافةِ المؤسّسات. كما يتطلّبُ إعادةَ الاعتبارِ للدّستورِ بوصفِه المرجعيّةَ العليا التي تنظّمُ الحياةَ السّياسيّةَ وتحدّدُ حدودَ السّلطةِ ومجالاتِها.
وفي هذا الإطارِ يصبحُ العملُ السّياسيّ الحقيقيُّ عملًا تراكميًّا طويلَ النَّفَسِ يقومُ على ثلاثِ ركائزَ أساسيّة. صبرٌ وطنيٌّ يحفظُ الاستقرارَ الدّاخليّ ويمنعُ الانزلاقَ إلى الفوضى. حزمٌ سياديٌّ يضعُ حدًّا لأيِّ سلاحٍ خارجَ الشّرعيّةِ ويعيدُ القرارَ الوطنيَّ إلى مؤسّساتِ الدّولة. وإصلاحٌ مؤسّسيٌّ يعيدُ بناءَ الإدارةِ العامّةِ والاقتصادِ على أسسِ الشّفافيّةِ والكفاءة.
إنَّ الحقيقةَ الواضحةَ اليومَ هي أنّ نهاياتِ الانقضاضِ على الشّرعيّةِ الدّستوريّةِ بدأتْ تتّضحُ معالمُها. فالتّجاربُ أثبتتْ أنّ منطقَ السّاحاتِ المفتوحةِ لا يمكنُ أن يستمرَّ إلى ما لا نهاية، وأنَّ المجتمعاتِ التي تريدُ البقاءَ لا بدَّ أن تعودَ في النّهايةِ إلى منطقِ الدّولةِ والقانون.
لبنانُ يحتاجُ اليومَ إلى هذه العودةِ الواعيةِ إلى فكرةِ الدّولة. يحتاجُ إلى قناعةٍ وطنيّةٍ واسعةٍ بأنَّ المغامراتِ الانتحاريّةَ لم تنتجْ إلّا الخرابَ، وأنَّ المستقبلَ لا يمكنُ أن يُبنى إلّا على قاعدةِ سيادةِ الدّولةِ ووحدةِ القرار. عندما تتشكّلُ هذه القناعةُ، يصبحُ الأفقُ أكثرَ وضوحًا. لبنانٌ سيّدٌ على أرضِه. دولةٌ تطبّقُ دستورَها. مجتمعٌ يحمي تنوّعَهُ ويستعيدُ ثقتَهُ بالمستقبل. عندها فقط يمكنُ القولُ إنَّ لبنانَ بدأَ فعلاً الخروجَ من زمنِ المغامراتِ إلى زمنِ الدّولة.