هل وقع ترامب في حب سوريا؟ ذلك ما يبدو على الرئيس الأميركي، الذي بات يؤلف المدائح في سوريا ورئيسها أحمد الشرع. وهو أمر يدعو للتفاؤل بالطبع، ومن الواضح أنه سمح حتى الآن بقطع أشواط مهمة نحو رفع العقوبات، والاعتراف بشرعية القيادة السورية بعد سقوط النظام السابق في المجتمع الدولي.
وفي الوقت الذي يحتفل فيه السوريون بالذكرى الأولى لسقوط النظام وانتصار الثورة، يبدو أن العلاقة الخاصة مع الولايات المتحدة وسائر دول العالم وغالبية دول الإقليم، هو إنجاز الثورة الأهم، الذي سمح بالاستقرار النسبي، والبدء بإجراءات رفع العقوبات وبناء شبكة العلاقات عبر العالم، وكذلك الانخراط في قوات التحالف الدولي لمحاربة الإرهاب، وغيرها من عناصر القوة والتمكين للدولة بعد الانتصار.
غير أن اهتمام ترامب بالشأن السوري، كما أعلن مرات عدة، سيكون قليل الأهمية ما لم يدفع ذلك نحو الضغط على إسرائيل لوقف اعتداءاتها على سوريا، والمشاركة في إنهاء الوضع الشاذ في شمال شرق سوريا، وإدماج عناصر قسد في الجيش السوري، وسيطرة الحكومة على جميع الأراضي هناك، وهو أمر ينبغي أن يتحقق قبل نهاية هذا العام، فضلا بالطبع عن إنهاء الوضع الانفصالي في السويداء، والضغط على إسرائيل لوقف دعم المتمردين على الدولة هناك.
تحقيق مثل هذه الأهداف في واقع الأمر، سيكون خطوة هائلة نحو الاستقرار والتنمية، ووضع البلاد على طريق التعافي من آثار أكثر من نصف قرن من الحكم الاستبدادي، ونحو 14 عاماً من الحرب ضد الشعب السوري. لكن مساعدة الولايات المتحدة في تحقيق كل ذلك، قد يجري بآليات بطيئة، وربما غير متناسبة مع تطلعات الشعب السوري، وقد تكون الحلول المطروحة هشة ووقتية، والأدهى أن تكون محكومة بمطالب واشتراطات تتعلق بالقرارات الاستراتيجية لسوريا، داخلياً وخارجياً.
وفي واقع الأمر، يمكن تفهم السياسات الواقعية التي مارستها الحكومة السورية بعد سقوط النظام قبل نحو عام، ولا نشك بأن هذه الواقعية أسهمت في إخماد الثورة المضادة، ومنعت تقسيم سوريا، وهي تقترب من تحقيق هدف النمو الاقتصادي، وهي ذاتها السياسات التي ألهبت اهتمام ترامب بسوريا ورئيسها، وحرمت نتنياهو من ذرائع للتمادي في اعتداءاته نحو ما كان مهتماً بفعله، وهو خلق كيان درزي انفصالي يمتد من السويداء إلى لبنان يعزل فيه درعا، ويهدد دمشق، ويخلق أسباباً تدعو سكان الساحل أيضاً إلى التمرد وبناء كيان خاص على أساس طائفي. أي بمعنىً آخر، تقسيم سوريا بحكم الأمر الواقع، وذلك سيكون مصدر تعزيز أمن الكيان على الجبهة السورية لعشرات السنوات المقبلة.
مجرد تجنيب سوريا وقوع هذا السيناريو، هو بحد ذاته إنجاز كبير، لكنه إنجاز غير مرئي، وقد يفوت أمره على البعض في غمرة تقييم منجزات القيادة السورية بعد عام واحد من انتزاعها للسلطة. وهي بالطبع منجزات تتضمن ما تحقق، وما أوقف تدهوره، ومنعه من أن يكون سبباً في فشل الثورة.
وبالعودة إلى الويات المتحدة، فإن إدارتها الحالية بدأت علاقاتها بالفعل مع القيادة السورية بوساطة وتدخل من قبل كل من ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان، والرئيس التركي رجب طيب أردوغان. لكن ما تحقق منذ اللقاء الأول بين ترامب والشرع في الرياض في أيار/ مايو الماضي، كان نتيجة لجهد واضح واختيارات كان بعضها صعب، لكنه ناجح، بما ذلك ضبط النفس الذي مورس بصبر شديد، سواء في مواجهة الاعتداءات الإسرائيلية، أو في مواجهة الحملات الانفصالية، أو أعمال الشغب من قبل فلول النظام المخلوع أو ممن كان مستفيداً من وجوده.
مضت القيادة السورية بشكل ثابت نحو أهداف واضحة، وما ميز جهودها خلال العام الأول بعد فتح دمشق، أنها لم تسمح للحوادث الجانبية والاستفزازات المتكررة داخلياً وخارجياً، بتشتيت الانتباه والجهد عن الأهداف المركزية، أو الدخول الاضطراري في معارك خاسرة. وهذا بحد ذاته وصفة سحرية للنجاح حققتها سوريا، رغم أنها تتطلب سلوكاً صعباً ومعقداً، فشل فيه الكثيرون.
هذا النمط غير المألوف عموماً في الشرق الأوسط، حقق ما لم يكن في الأفق المتخيل، وهو أحد الأسباب الرئيسة التي جعلت ترامب يحب سوريا، ويدافع عن رئيسها، ويقابله ثلاث مرات خلال بضعة أشهر، ويخطط لزيارة دمشق، وربما يخطط لشراكة معها في المستقبل، بعد أن تحقق وجودها كدولة عربية مركزية لها كلمة مسموعة في سائر قضايا المنطقة.
المصدر المدن