
- صحيفة الثورة السورية
تحقق الحلم البعيد والصبر الطويل أخيراً بالحرية، ولم يكن الطريق مفروشاً بالورود، بل بالزنازين والقيود، لكن الكاتب محمود عيسى ظلّ مؤمناً أن الحلم لا يموت، والحرية لا تُطفأ مهما اشتد القمع والظلم.
وفي قلب التجربة قال الكاتب محمود عيسى لصحيفة “الثورة السورية”: “منذ كنت شابّاً جعلت الحرية بوصلتي، فاخترت أن أكون صوتاً لها، مشاركاً في العمل السياسي السلمي ضد الاستبداد، ودفعت ثمن ذلك باعتقالات متكرّرة، فكتبت داخل السجن كتابي (مطر الغياب) ليكون شهادة على حقبة القمع في ثمانينات القرن الماضي، وعلى واقع المعتقلات ومنها سجن تدمر العسكري.
ورغم القمع، بقي توقي وتوق السوريين إلى الحرية أقوى من كل محاولات الطمس”.
وأضاف: تحوّل الألم إلى شهادة، والشّهادة إلى كتاب، والكتاب إلى أفق حرية، والنص أصبح نغماً يواجه الصمت ويحوّل القيود إلى موسيقا حرية.
الاعتقالات والكتب
أوضح عيسى أن الاعتقال لم يكن حادثة عابرة، بل هو مسار متكرّر عاشه خمس مرات، بين الملاحقة والتخفي والسجون، وفي الزنازين الضيّقة واجه أقسى أشكال القمع، ودوّن تجربته في كتابه الأول “مطر الغياب”، ثم في “صفحات من طوفان حمص” حيث أشار إلى محطات مؤلمة من الاعتقالات ومعاناة السجون، ورفاق رحلوا تاركين خلفهم وجعاً لا يُنسى.
بيّن عيسى أن اعتصام الساعة في حمص عام 2011 كان محطة فارقة، حيث دعا عبر شبكة BBC إلى حماية الحراك من الانزلاق الطائفي، وفي تلك الليلة لم تنم حمص، إذ اختلطت زخّات الرصاص بدعوات الحرية، لتبدأ دورة جديدة من الاعتقال والملاحقة، لكنها لم تُطفئ جذوة الحرية.
النصر والحرية الفكرية
وأشار عيسى إلى أننا اليوم نعيش عاماً حمل سقوط الديكتاتورية والاستبداد ونعيش مخاضاً على كل المستويات، من أجل غد أفضل وعدالة وكرامة، وشهد السوريون تحرراً فكرياً وأدبياً حقيقياً، وبعد التحرير انفتح الفضاء الثقافي بعيداً عن الخوف، وعادت الكلمة لتأخذ مكانها الطبيعي، وعادت الكتب المحجوبة عن النشر والطباعة للواجهة، فأصبحت اليوم تُقرأ وتُناقش علناً، لتؤكد أن ما نعيشه اليوم مختلف تماماً عن الأمس، وزمن القمع وجميع محاولاته لطمس الحلم، فشلت أمام إرادة النصر ووعي السوريين، واليوم نكتب بلا خوف، ونقرأ بلا قيود.
محمود عيسى، مواليد 1963 في بانياس – قرية دردارة، مترجم وكاتب ومحامٍ متمرّن، ترك خلفه أكثر من خمسة وعشرين كتاباً مترجماً، ورحلة مليئة بالاعتقالات والكتب والشهادات.
بدأ اهتمامه بالأدب باكراً، حيث كان الفضل الأوّل لشقيقه الدكتور يوسف عيسى، الذي تُوفّي خلال إكماله الدكتوراه في الطب الوقائي عام 1988، وتمّ اعتقال مجموعة من أفراد الأسرة والأصدقاء ومُنع إقامة ذكرى الأربعين.