إبراهيم الحامد.
لازال شرق الأوسط يعاني تبعات “سايكس بيكو” التي توافقت عليها القوى العالمية البارزة عام 1916 والتي انتصرت في نهاية الحرب العالمية الإولى بتاريخ 11شباط 1918،وأسست دول قومية شديدة المركزية وذات بنى مأزومة منذ التأسيس،وظلت تعاني من أزمات مركبة عميقة فتكت بمجتمعاتها المتعددة الثقافات،إضافة لصراعات وحروب بينية فتكت باقتصاداتها،ولا يمكن تحميل مسؤلية ذلك على السياسات الاستعمارية فقط،بل يتحملها أيضاً السلطات المحلية وخاصة العسكرية منها.
واليوم نقف أمام تحولات دقيقة محتملة في إعادة رسم خارطة جديدة لشرق الأوسط على يد نفس اللاعبين الذين انهارت على أيديهم الإمبراطورية العثمانية،إلا إنها تكاد تكون الأكثر عمقاً من حدود توازنات اتفاقية (سايكس–بيكو) التي شكّلتأقاليم شرق الأوسط آنذاك،وارتكزت على دول مركزية شمولية بُنيت لأداء مهام وظيفية محددة-سياسياً وأمنياً واقتصادياً-وهي آخذة بالتفكك اليوم،فيما تتبلور ملامح شرق أوسط جديد يختلف جذرياً عن النموذج الذي حكم المنطقة طوال القرن العشرين.
هذه التحولات ليست مجرد تغيّرات ظرفية،بل انتقال بنيوي يمسّ أساس الدولة القومية البرجوازية وخاصةً تلك التي فشلت في بناء نموذج نظام “التقدم الاجتماعي والتحول الى الاشتراكية “الذي تبنتها ما بعد منتصف الخمسينات من قرن العشرين،والتي دُجِنت في ظلها منظومة حركة التحرر الوطنية وتراجعت دورها كلياً بعد انهيار المعسكر الاشتراكي وتفرد الإمبريالية العالمية بزعامة الولايات المتحدة الأمريكية على العالم كقطب الأوحد،وبات الانتقال البنيوي للتحولات الرجعيةفي تلك الدول تمس هوية المجتمع القبلي والقومي المتعصب،وذلك لتعيد ترتيب سلطاتها المستقبلية على أسس لامركزيةاجتماعية وتخدم مشروعها الإمبريالي،ومن ثم انتاج اقطاعات سياسية بنماذج “طائفية دينية ،قبلية ،قومية “ تغيب فيها مفهوم الدولة الوطنية ودولة المواطنة.
ويمكن أن نفصل هذه التحولات إلى ما يلي :
أولاً:الدولة القومية إلى الدولة المتعددة الهويات:
عندما أُنشئت الدول الحديثة في الشرق الأوسط، لم تعتمد على عقد اجتماعي حر،ولا على توافقات داخلية،بل على معادلات خارجية فرضتها القوى المنتصرة في الحرب العالمية الأولى ،لترسم حدود الدولة القومية الوظيفية،مهمتها خدمة توازن إقليمي ودولي آنذاك وليس تمثيل شعوبها الفعلية، ولتمكين هذا النموذج تم اعتماد ثلاثة مرتكزات:
1-قومية مركزية مهيمنة تُعرّف الدولة بهوية واحدة،بالرغم من إنها كانت متعددة القوميات.
2-جهاز أمني شديد المركزية يمنع أي تنوع حقيقي أو مطالب بالاعتراف.
3-إقصاء و صهر القوميات والأقليات داخل “بوتقةالقوميةالسائدة”مُصطنعة،غالباً باستخدام
–أدوات قانونية وإداريةوتعليمية وحتى عسكرية،ويبدو أن هذا النموذج وصل اليوم إلى نهاية صلاحيته لثلاثة أسباب رئيسية:
–تغيّر أولويات القوى الدولية وصعود أدوار جديدة لفاعلين دون الدولة.
–الأزمات الداخلية التي أثبتت محدودية الدولة الشمولية في حل مشكلات الاقتصاد والمجتمع والهوية.
–تطور الوعي القومي والثقافي لدى الشعوب التي لم تعد تقبل فكرة الذوبان القسري.
بهذا التوجه يدخل شرق الأوسط في مرحلة إعادة هندسة دولها المستقبلية،وليس مجرد إعادة رسم تحالفات أو نفوذ.
ما الذي يدفع المنطقة لهذه التحولات ؟
توجد مجموعة من العوامل المتراكمة التي تدفع إلى نهاية الدولة الوظيفية التقليدية:
1-الضغط الديمغرافي والاقتصادي:الشعوب باتت أصغر سناً وأكثر وعياً وانفتاحاً،وهو ما يجعل نموذج الحكم الشمولي عاجز عن الاستمرار .
2-الأزمات الممتدة في دول مركزية:
والتي كشفت هشاشة المركزية الشديدة وعدم قدرتها على إدارة مجتمع متنوع الثقافات والديانات.
3-عسكرة الهويات :إن الصراعات المسلحة خلال العقد الماضي أظهرت أن الهويات المتجاهَلة لا تختفي،بل تعود بأشكال أكثر صلابة عند غياب الحلول السياسية.
4- تبدل موازين القوى العالمية :
إن القوى العالمية اليوم والتي ذات نفوذ في شرق الأوسط،الولايات المتحدة الأميركية،أوروبا، ،وفاعلون إقليميون كإسرائيل وتركيا و وهامش خليجي،جميعهم باتوا يعترفون بأن النموذج القديم لم يعد قابلاً للإدامة.
ثالثاً:دخول القوميات المُهمَّشة على خط المواجهة الكرد نموذجاً:
من بين جميع الشعوب الأصيلة في المنطقة التي تأثرت بالنموذج القديم كالأمازيغ والكلدو آسوري والسرياني …، يبقى الشعب الكردي الأكثر حضوراً اليوم في خط المواجهة للمرحلة الجديدة .
حيث شَهِدَ القرن الماضي محاولات متواصلة لـ:
لكن مع انهيار مركزيات الدول في العراق وسوريا وتحوّلات تركيا وإيران، عاد الكرد إلى الواجهة ليس كقضية أمينة فيما سبق،بل كفاعل سياسي وشريك محتمل في إعادة بناء الدولة.
1- في العراق :
إقليم كردستان رسّخ نموذجاً فيدرالياً يُعد اليوم من أهم النماذج في المنطقة. ورغم التحديات، فإن فكرة الشراكة أصبحت جزءاً من المعادلة العراقية الجديدة.
2–في سوريا:
تكرّس وقائع ميدانية وإدارية تشير إلى أن سوريا ما بعد الحرب ستكون أقرب إلى صيغة لامركزية واسعة،يصبح فيها الوجود الكردي جزءاً من النظام السياسي الجديد.
3-في تركيا:
على الرغم من التعقيدات، هناك إدراك متزايد بأن الحل الأمني وحده لم يعد ممكناً،وأن الاعتراف بالهوية الكردية في إطار دستور جديد سيكون حتمياً في مرحلة ما،والحراك السياسي وإن عملية السلام الجارية اليوم ينحو بهذا المنحى ما بين الحكومة التركية وحزب العمال الكردستاني بعد ما يقارب نصف قرن من القتال ،وإعلان الأخير تخليه عن السلاح
4-في إيران:
ارتفاع مستوى الوعي القومي لدى مختلف المكوّنات–ليس الكرد وحدهم–يعطي مؤشراً على أن البلاد تتجه أيضاً إلى مراجعات داخلية تطال شكل العلاقة بين المركز والأطراف.
رابعاً: ما الذي يعنيه الشرق الأوسط الجديد للكرد ولغيرهم؟
التحول لا يعني تقسيم الدول ولا إنشاء حدود جديدة بالضرورة، بل يعني:
1-إعادة الاعتبار للهويات المتعددة داخل الدولة الواحدة.
2-تقليص سلطة المركز مقابل توسّع الحكم المحلي والإقليمي.
3-صياغة دساتير جديدة تضمن التمثيل الثقافي واللغوي والسياسي.
4-أما بالنسبة للكرد،قد تكون المرحلة القادمة الأكثر استراتيجية منذ قرن،فهم اليوم لاعب أساسي في ملفات الطاقة والحدود ومكافحة الإرهاب والاستقرار الإقليمي،ولأول مرة تبدو التحولات الكبرى في المنطقة متقاطعة مع مطالبهم التاريخية،لا مناقضة لها.
الشرق الأوسط الجديد ليس مشروع قوة واحدة ولا نتيجة اتفاق سري،بل هو حصيلة تراكمات فتحت الباب أمام:
وإذا كان القرن الماضي هو قرن الدولة المركزية، فإن القرن الجديد سيكون قرن اللامركزية والتعددية السياسية .
فماالعمل أمام هذه التحولات في الشأن السوري ؟
في سياق هذه القراءة المحتملة الحدوث وإسقاطها على وضع الدولة السورية كنموذج من تلك الدول المأزومة،والتي لم تتمكن بعد من البلوغ للإستقرار المجتمعي والتوازن السياسي اللذين لا غنى عنهما في إعادة بناء سوريا الحديثة ذات الفضاء الديمقراطي والعلماني المفتوح على تنوعها الثقافي وسائر مكوناتها و مواطنيها،يشارك الجميع في صنع القرار من خلال تفعيل مؤسسات الدولة الديمقراطية والأحزاب السياسية ومنظمات المجتمع المدني،وفصل القضاء والاعلام والجيش وقوى الأمن الداخلي عن سطوة أي حزب سياسي، وجعلها مؤسسات وطنية مدنية محايدة لا تخضع إلا للدستور كسلطة العليا لا يعلو عليها أية جهة. وهنا يقفز سؤال في ذهن كل من يشك وما أكثرهم!
هل السلطة الانتقالية اليوم في دمشق قادرة ولديها رغبة الاستثمار بالتنوع الاجتماعي والفكري والسياسي والاقتصادي التي تضج بها سوريا،وبما يخدم الشعب السوري موحداً بدون تمييز ؟؟؟
وفي الختام :
الشرق الأوسط الجديد يشهد إعادة ترتيبه و توزيع الأدوار لإدارته،وللمرة الأولى يمكن القول بأن شعوبه قد بلغت مستوىً من الوعي،يُمكنها من اللعب والتأثير في إعادة صياغة العلاقة بين الدولة وهويات شعوبها قومياً و طبقياً من منظور المشاركة بدلاً من الصهر والتهميش .
وفي قلب هذا التحول يجب عدم النظر للأديان و القوميات كأطراف مهددة وخاصة تلك التي أضطهدت وتعرضت للصهر على مدى قرن من الزمن،بل جعلها كجزء متنور ومكمل لثقافة المجتمع لأنها جزء أساسي من الإرث الاجتماعي لشعوب المنطقة،وشريك محتمل في بناء منظومة سياسية أكثر عدلاً واستقراراً.
وأن لا نتباكى ونرى في نهاية الدولة الوظيفية كنهاية للدول القائمة،بل يمكن جعلها كبداية لدول جديدة بطبيعة جديدة،–دول تعترف بتنوع شعوبها وتبني استقرارها على أسس قانونية حقوقية تقر بحقوق الجميع لا تقوم على الاستبداد و الإقصاء.
وهذا التحول،رغم تعقيداته،هو الفرصة التاريخية التي طال انتظارها لتوحيد الشعوب المضطهدة طبقياً،والتي شرذمها من استغل صراع وحروب العصبيات الدينية والطائفية والقومية والقبلية تبعاً للمصالح الضيقة وأجندات خارجية،لأن الجديد دائماً ينمو في أحشاء القديم لنفيه،وهنا يبرزأهمية تفعيل دور القوى اليسارية الأممية لتقف في مركز صناعة القرار والمشاوكة في إعادة االبناء على أسس ديمقراطية وتضيق الهوة بين طبقة الأغنياء والفقراء وتحقق العدالة الاجتماعيةوصولاً لبناء الاشتراكية التي لا بديل لها في خلق التوازن الاجتماعي والاستقرار العالمي وبناء عالم خالي من الحروب وأسلحة التدمير الشامل .
ڤيينا- 5/12/2025 .