دلسوز يوسف – الحسكة
بمرور عام على سقوط النظام السوري السابق، تبدو العلاقة بين الحكومة الانتقالية في دمشق والادارة الذاتية في شمال شرقي البلاد، في حالة جمود وسط تباين في المواقف السياسية للطرفين.
ويأمل الشارع السوري أن تفضي اتفاقية 10 آذار / مارس الماضي، بأن تدخل البلاد مرحلة جديدة عنوانها تفاهمات تلبي تطلعات الطرفين.
ومرت العلاقة بين الطرفين بمراحل متقلبة رغم جولات تفاوض عديدة بينهما، يرى مراقبون أن التداخلات الإقليمية جعل من هذه العلاقة أكثر تعقيدا وسط غياب تفاؤل في تنفيذ الاتفاقية قبل نهاية العام الجاري.
كيف تنظر دمشق إلى القامشلي؟
يتبادل الطرفان الاتهامات بتعطيل الاتفاقية، وترتفع حدة الخطاب الإعلامي في ظل مناوشات عسكرية ميدانية بين الحين والآخر. ويقول عبدالوهاب خليل، عضو لجنة العلاقات في مجلس سوريا الديمقراطية (مسد) بدمشق، إن العلاقة بين دمشق والإدارة الذاتية ما تزال محكومة بـ”الحذر والريبة”، مرجعاً ذلك إلى مجموعة من العوامل الداخلية والخارجية، أبرزها “تصاعد خطاب الكراهية من جانب بعض ممثلي الحكومة الانتقالية، والذي أسهم في زيادة التوتر وتعميق الانقسامات بدل فتح قنوات للحوار”، بحسب قوله.
ويوضح خليل في تصريح كتابي لنورث برس، أن اتفاقية آذار تواجه تحديات كبيرة تعيق تنفيذها، من بينها التدخلات الإقليمية والأحداث الداخلية، إضافة إلى مشكلة انعدام الثقة بين الطرفين، معتبراً أن هذه العوامل مجتمعة أثرت بشكل مباشر على مسار الاتفاق.
ويؤكد أن بناء الثقة بين الطرفين يحتاج إلى خطوات عملية، تبدأ بوقف التصعيد الإعلامي والسياسي، والتخلي عن لغة التخوين والتركيز على القضايا المشتركة مثل مكافحة الإرهاب والحفاظ على وحدة البلاد.
كما يشدد خليل على ضرورة “إطلاق حوار مباشر بين القيادات السياسية والإدارية في دمشق والقامشلي، بهدف الوصول إلى تفاهمات واضحة حول ملفات جوهرية بينها اللامركزية، الحقوق الثقافية، ومسائل الأمن”.
ويشير إلى أن توفير ضمانات متبادلة يمثل عنصراً أساسياً لإنجاح الاتفاقية، بما يشمل بنود الإدارة المشتركة والانتخابات المحلية والحقوق الاقتصادية للمناطق الخاضعة للإدارة الذاتية.
وبحسب خليل، فإن الأوساط السياسية في دمشق “غير متفائلة” في ظل التداخلات الإقليمية والضغوط القادمة من تركيا، إضافة إلى التجاذبات بين الفاعلين الإقليميين مثل إيران وروسيا، والنفوذ الأميركي، ما يجعل أي تقدم في العلاقة “مواجهاً بتحديات كبرى”.
وكانت إلهام أحمد، مسؤولة العلاقات الخارجية في الإدارة الذاتية لشمال وشرق سوريا، أوضحت في تصريحات صحفية سابقة، أن “التدخل التركي يمثل إحدى العقبات الرئيسية التي تواجههم في حوارهم مع حكومة دمشق”.
وحول اتفاقية 10 آذار، اعتبر خليل أنها تعد “خطوة مهمة نحو حل سياسي، لكنها ستظل حبراً على ورق ما لم تتوفر إرادة سياسية حقيقية لتطبيقها، ورغم ضيق الوقت المتبقي حتى نهاية العام، إلا أن إمكانية إحراز تقدم ما تزال قائمة إذا توفرت الإرادة السياسية لدى دمشق، وتم فتح قنوات جديدة للحوار تضع المصلحة الوطنية فوق كل اعتبار”.
هواجس وخلافات
وبينما تتمسك الحكومة الانتقالية بالنظام المركزي كشكل للحكم في البلاد، يؤكد مسؤولي الإدارة الذاتية إن سوريا بحاجة إلى دستور جديد يعكس التنوع السوري بعيداً عن المركزية.
ومن جانبه، يؤكد ثابت الجوهر، الأمين العام لحزب الوطن السوري، لنورث برس أن اتفاق العاشر من آذار بين الشرع وعبدي، شكل محطة مفصلية في مسار القضية السورية، نظراً لكونه جاء في لحظة ترتفع فيها المطالب الشعبية بإنهاء المظلومية ووضع حد لحالة الانقسام التي تعيشها البلاد.
ويشير الجوهر إلى أن هناك “هواجس وخلافات” بين الأطراف حول شكل الحكم في المرحلة المقبلة، إلا أنهم كحزب يدعمون بشكل كامل تنفيذ بنود الاتفاق باعتباره الطريق الوحيد لحل المسألة السورية عبر الحوار بين السوريين أنفسهم، ورسم مستقبل يضمن حقوق كل المكونات ويعيد إعمار البلاد بدور وطني مشترك.
ويشدد الأمين العام لحزب الوطن أيضاً، على أن المصالح الدولية والإقليمية تلعب دوراً بارزاً في عرقلة الاتفاق، بينما تدفع دول أخرى باتجاه إنجاحه وتشجيع الأطراف على الجلوس إلى طاولة واحدة.
ويؤكد الجوهر أن فشل اتفاق العاشر من آذار سيكون “خسارة كبيرة لكل السوريين، بينما نجاحه سيجنب البلاد مخاطر الانزلاق نحو صراعات جديدة، ويمهّد الطريق أمام مرحلة وطنية تحقق الأمن والحقوق والواجبات لجميع أبناء سوريا”.
“مخاوف من الفدرالية”
بدوره، قال المحلل السياسي من دمشق حسام طالب لنورث برس، إن الإدارة السورية تنظر إلى “قسد” باعتبارها جزءاً أصيلاً من الشعب السوري ومكوناً أساسياً في مشروع بناء الدولة السورية، مؤكداً أن هذه النظرة الإيجابية تقابلها في الوقت نفسه مخاوف رسمية من توجهات فيدرالية أو لامركزية سياسية شاملة قد تقود، في ظل الظروف الحالية، إلى تقسيم البلاد.
وأوضح طالب أن دمشق تتعامل مع “قسد” بنظرة شاملة وإيجابية، لكنها ترى في المقابل أن الأخيرة لا تزال تنظر إلى الحكومة السورية بعين مختلفة ولا تتعاطى معها بمرونة كافية، مشيراً إلى أن هذا الواقع ينعكس في حالة من انعدام الثقة والريبة المتبادلة بين الطرفين، بحسب رأيه.
وأضاف أن الاتهامات المتبادلة لا تزال قائمة وبقوة، وهناك من يسهم في تغذيتها وتعميقها، ما يعرقل تنفيذ الاتفاق المبرم بين الحكومة السورية و”قسد”، مؤكداً أن تطبيق اتفاق 10 آذار، وفق تقديره، يحتاج إلى تدخل أميركي مباشر وضمانات واضحة، في ظل اعتبار واشنطن جهة موثوقة من الطرفين وقادرة على توفير مظلة تنفيذ فعلية للاتفاق.
وأشار طالب إلى أن منسوب التفاؤل في دمشق لا يزال محدوداً، رغم استمرار اللقاءات والمشاورات والمفاوضات مع “قسد”، لافتاً إلى أن بعض التصريحات الصادرة بين الحين والآخر تعيد المفاوضات إلى نقطة الصفر، وتضعف فرص التقدم.
وبيّن أن المهل السياسية المطروحة ليست نهائية وقابلة للتمديد، مستبعداً سيناريو التصعيد الشامل عند انتهاء أي مهلة زمنية، معتبراً أن “قسد” تلجأ، عند احتدام الضغط، إلى إطلاق مبادرات إيجابية تجاه دمشق لتهدئة الأجواء، قبل العودة إلى سياسة المماطلة، وهو ما يطيل أمد المفاوضات، بحسب وجهة نظره.
وختم طالب بالتأكيد على أن استمرار التفاوض، مهما طال، يبقى خياراً أفضل من الانزلاق إلى مواجهة عسكرية قد تكون كلفتها باهظة على جميع الأطراف.
إلى وين وصلت المفاوضات؟
تقول مريم إبراهيم، المتحدثة باسم الوفد التفاوضي لشمال وشرق سوريا، لنورث برس إن ما جرى بين الإدارة الذاتية وحكومة دمشق بعد اتفاق العاشر من آذار لم يتجاوز “تفاهمات شفهية” دون أي وثائق أو توقيعات رسمية، مؤكدة أن غياب الأوراق المكتوبة يعكس عدم جدية دمشق في تنفيذ بنود الاتفاق.
وتشير إبراهيم إلى أن “حالة الجمود الحالية على الأرض تدل على أن دمشق غير ملتزمة وغير متعاونة، رغم اقتراب المهلة الزمنية المحددة لتنفيذ الاتفاق والتي تنتهي بنهاية العام الجاري”.
وتضيف: “نحن نعلن دائماً جاهزيتنا للتفاوض وتنفيذ الاتفاق، ولو لم نكن جادين لما كررنا ذلك مراراً وتكراراً”.
وتؤكد المتحدثة أن “الإدارة الذاتية أبدت مرونة كبيرة خلال المحادثات، حتى في الملفات الحساسة، فبالرغم من أن الملف العسكري كان من المفترض أن يكون الأخير في جدول التفاوض، إلا أن الوفد استجاب لطلب دمشق وفتح هذا الملف أولاً، وتم التوصل إلى توافقات على معظم نقاطه”.
وحول اللقاءات المقبلة، تقول إبراهيم إن تحديد موعد جديد ليس بيدهم، بل بيد حكومة دمشق، مضيفة: “الوفد التفاوضي والإدارة الذاتية جاهزون في أي وقت، وننتظر فقط أن تحدد دمشق موعداً رسمياً لاستئناف الاجتماعات”.
وتختم بالقول إن “الإدارة الذاتية ستبقى متمسكة بالحل السياسي وبالعمل على إنجاح اتفاق العاشر من آذار، رغم التباطؤ الذي تبديه دمشق وعدم التزامها بالجدول الزمني المتفق عليه”.
