ساطع نورالدين.. كاتب وصحافي لبناني،
لم يكن موفقاً أبداً تسريب فيديوهات لونا الشبل وبشار الأسد، لا سيما في الذكرى السنوية الأولى لانهيار النظام السوري السابق، لأنه لم يخدم سوى توكيد السردية المثبتة بالوقائع والأدلة، عن ان الرئيس السابق كان بالفعل رجلاً مريضاً عقلياً، التقت جميع التقديرات لحالته الذهنية على أنه تربى وورث وحكم وهرب من القصر وهو مصاب بانفصام الشخصية، بين مخلوق إجرامي وحشي، وبين مخلوق عديم الإحساس بالمسؤولية، التي ظل طوال السنوات ال 24 الماضية يجاهد لاثبات جدارته بها، أمام والده الذي شكل وحيه وعقدته ومصدر سلوكه المرضي.
الفيديوهات التي كانت وظيفتها تحفيز الاشقاء السوريين على الاحتفال بغياب ذلك المعتوه من حياتهم الى غير رجعة، وبشطب والده المسؤول عن مِحن سوريا طوال خمسة عقود ونيف، من ذاكرتهم مرة واحدة والى الابد. وهي مهمة تجنبت الرد على السؤال الأهم: ماذا يريد ان يفعل حكام دمشق الإسلاميين مع ذلك المريض النفسي المقيم في موسكو، هل سيبادرون الى طلب تسليمه لهم، لمحاكمته او معالجته، وتنقية الذاكرة الوطنية السورية فعلا من ذلك الوباء الاسدي الذي شوّه هوية سوريا ووزع أكثر من ثلثي شعبها على السجون المنافي والقبور الجماعية.
كانت الفيديوهات مبرراً حاسماً لإعلان رسمي من دمشق عن السعي لتسلم بشار من السلطات الروسية، التي منحته “لجوءا إنسانياً” يجيز ولو بشروط، تسليمه الى بلده الام، خاصة إذا كان الهدف علاج شعب كامل من عوارض الاسدية، وكشف الاسرار الكاملة لتلك الحقبة السوداء من تاريخ سوريا، ما يؤسس لعدالة انتقالية جذرية تبني الدولة الجديدة على قواعد قانونية راسخة، وتمنع وصول أي حاكم غير مؤهل، الى السلطة، كما تخضع حكام دمشق الحاليين والمستقبليين الى معايير صارمة لتولي المسؤولية.
في ردود الفعل على الفيديوهات كان هناك إجماع سوري نادر على عبارة واحدة أن بشار شخص “أهبل”، مع تجنب الإشارة الى كيفية تمكنه من حكم بلد صعب مثل سوريا منذ العام 2000 وحتى نهاية العام 2024. إرث الوالد والود العميق الذي كان يكنه له الاميركيون والإسرائيليون، لم يكن كافياً لبقاء الاسدية، في صيغتها الخرقاء التي جسدها الوريث الأخير، كما لم يكن دقيقاً القول ان حافظ الأسد حفظ استقرار سوريا في محيط مضطرب من الازمات التي انفجرت طبعا على حدود سوريا. ثمة خلل في تقدير قيمة سوريا كدولة، وجيش، ومجتمع، وكيان تحلل فجأة فجر الثامن كانون الأول ديسمبر الماضي، ولم يعد له أثر خلال ساعات فقط من ذلك اليوم، في واحد من أغرب وأهم مظاهر التغيير في سوريا، الذي لم يكن على صلة مباشرة بالثورة السورية، ولا بالجمهور الواسع الذي حمل مطالبها وشعاراتها طوال 13 عاماً.. قبل ان تتسلمها جبهة النصرة والجبهات الحليفة لها، وتتولى بإيعاز تركي، وتفويض أميركي، سد فراغ السلطة الهائل في دمشق.
قدمت الفيديوهات دليلاً علنياً على أن بشار لم يكن جباناً فرّ من المعركة من دون قتال، بل كان يعاني يومها من نوبات فقدان الاتصال بالواقع التي كانت تراوده يومياً حتى في المرحلة التي بدا فيه انه انتصر ولم يعد بحاجة الى الروس والإيرانيين وحزب الله، ولم يعد يكترث بالعرب الذين كانوا يطرقون بابه ويطمحون لإعادة تأهيل نظامه. كان يعيش في فقاعة، منقطعاً عن جيش وجمهور وطائفة وعائلة فقدوا جميعا ثقتهم بفرص علاجه، فاختاروا رفع الراية البيضاء، وحرمان خصومهم من حق الإعلان عن انهم “أسقطوا” او “أطاحوا” او “سحقوا” الاسدية.. التي كانت مجرد بنيان وهمي، عاش على الخرافات.
بيروت في 10 / 12 / 2025
المصدر صفحة الكاتب