ما يسيء للسلطة الحالية في سورية ليس انتقادها، بل محاولتها إقناع الناس بأنها أفضل من نظام بشار الأسد. هذه مقارنة إشكالية قبل أن تكون سياسية، إذ لا يمكن لسلطة أن تبني شرعيتها على القول: “نحن لسنا كالأسد”. أي سلطة تُقاس بوعودها ومسؤولياتها وما قدمته للناس، لا بما لم تكن عليه.
حين يكون النظام السابق معيارًا، فهو معيار بالغ الانحطاط، أسوأ نسخة من دولة، وأسوأ تصور للسلطة، وبالتالي أي شيء يُقارن به يبدو جيدًا بالضرورة. ولكن هذه الخدعة لا تصنع شرعية، بل تخفض سقفها. سقوط الأسد لم يكن مكافأة مجانية، بل كان لحظة تستلزم قطيعة كاملة مع أسلوب الحكم، مع الإخفاء، مع تقديم الاستعراض مكان الحقيقة، ومع تحويل العدالة إلى بند قابل للتأجيل.
في الأسبوع الماضي خرج أسامة عثمان، مؤسس فريق قيصر، ليقول ببساطة إن العدالة لم تبدأ. هذا مطلب حقوقي، وليس موقفًا سياسيًا. العدالة ليست فكرة، بل وظيفة للدولة: أن تفتح الملفات، أن تكشف ما لديها، أن تقول للناس ما الذي حدث لأبنائهم. ومع ذلك واجه أسامة موجة تشويه منظمة من الذباب الإلكتروني، ومن جيوش “الأضحكني”، ومن مجموعات جعلت من السخرية سلاحًا ضد من يطالب بما هو بديهي. هذا السلوك ليس رأيًا، بل نموذج حكم؛ النموذج الذي يرى أن الاحتفال أهم من المحاسبة، وأن استعراض الشوارع أهم من فتح ملفات الموت.
الناس ينتظرون العدالة منذ سقوط الأسد. ينتظرون أسماء من قُتلوا تحت التعذيب، ينتظرون الاعتراف، ينتظرون فتح الملفات التي احتُجزت داخل الأدراج. وحين يُقال لهم فجأة من قبل الرئيس الانتقالي: “أدعو السوريين بكافة أطيافهم للنزول إلى الساحات للتعبير عن فرحتهم”، فالاحتفال في هذه الحالة ليس فعل طمأنينة، بل فعل إزاحة.
كيف يستقيم الفرح بينما دماء مجازر الساحل لا تزال بلا رواية رسمية، ومجازر السويداء بلا كشف نهائي؟ كيف يُطلب من عائلات فقدت أبناءها في المعتقلات أن ترفع علم الاحتفال بينما شهادات الوفاة لم تُسلَّم؟ لا بل، على العكس، استُبيحت أفرع الأمن وزنازين الاعتقال وطُمست الأدلة فيها في الأسابيع والأشهر الأولى بعد سقوط النظام، وبعض السجون دُهنت ونُظفت، تلك الأماكن التي من المفترض أن تكون مسارح جريمة لأكثر الأنظمة توحشًا عرفها التاريخ الحديث.
القضية لا تتعلق فقط بغياب العدالة، بل بتأجيلها. التأجيل بحد ذاته جريمة سياسية وأخلاقية. العدالة المؤجلة تصبح وسيلة ضغط، تصبح ورقة تفاوض، تصبح احتياطًا للاستغلال. وهذا ما يجعل الوضع اليوم إشكاليًا: لا مؤشرات حقيقية على المحاسبة، ولا إشهار للملفات، لكن هناك مطالبة بأن يشعر الناس أن الأمور أفضل. والناس قد يشعرون بتحسن معيشي، لكن الحقيقة العادلة لا تُقاس بالخبز، بل بكشف الحقيقة.
وهذا لا ينفي حق السوريين في الاحتفال، فمشهد سقوط الأسد بالنسبة لكثيرين كان بمثابة عزاء رمزي لسنوات من الألم، ولهذا خرج بعض ذوي الضحايا والشهداء إلى الميادين قبل أيام، في ذكرى مرور عام على سقوط النظام. الاحتفال جميل حين يكون من الشعب، من البيوت، من صور الشهداء، من صوت أمّ تلصق صورة ابنها على صدرها؛ لا حين يتحول الميدان إلى منصة إعادة إنتاج زعامة جديدة وتوزيع الولاء في قالب احتفالي. فالسوريون لا يحتاجون قائدًا جديدًا تُرفع صورته، بل يحتاجون زمنًا بلا صور أصلًا.
هناك أيضًا ما عُرف باسم “ملفات دمشق”. مشروع صحافي استقصائي كبير يقوده الاتحاد الدولي للصحافيين الاستقصائيين بالتعاون مع شبكة NDR الألمانية و24 منصة إعلامية.
كثيرون ظنوا أنها ستكون الوثيقة الأخطر بعد صور قيصر. عائلات بأكملها انتظرت معرفة مصير الأبناء الذين فُقدوا في سجون الأسد. ولكن الصدمة لم تكن في محتوى الملفات، بل في أن السلطة الحالية كانت قد اطلعت عليها منذ أشهر، وأن الوثائق التي تحتوي بيانات وفاة بعض المعتقلين وصلت لأجهزة رسمية ولم تُبلغ بها عائلاتهم. كيف تطلب السلطة من الناس الثقة بينما تخبئ ما تمسّكوا به لسنوات: اسم، رقم ملف، لحظة موت مختومة بتوقيع رسمي، حقيقة على ورق؟
وفي خضم الجدل خرجت وزارة العدل ببيان مصوَّر لوزيرها، حمل لغة وجدانية مكثفة عن “قدسية الملف” و”صمت القضاة” و”جهود تُبذل منذ أشهر”. لكن البيان، رغم زخمه الإنشائي، لم يقدّم معلومة واحدة ملموسة: لا عدد ملفات تم التحقيق فيها، لا أسماء لعائلات أُبلغت، ولا إطارًا زمنيًا لبدء تسليم شهادات الوفاة أو فتح المسارات القضائية. بدا البيان محاولة لامتصاص الغضب أكثر منه إعلانًا فعليًا لمسار عدالة، إذ واصل استعمال لغة التطمين الروحية بدل الإعلان الشفاف.
والأسوأ أن البيان ختم بنبرة اتهامية ضمنية تجاه الأصوات المطالِبة بالكشف، باعتبارها “تستثمر آلام الضحايا” أو “تزايد على قدسية الملف”، وكأن السؤال عن مصير الناس أصبح يهدد هيبة المؤسسة. ما خرجت به الوزارة لم يكن جوابًا بقدر ما كان إعادة تأكيد أن الحقيقة لا تزال مؤجلة، وأن العدالة حتى اليوم لا تزال وعدًا لا آلية له.
المشهد ليس فارغًا من الرموز، بل يزدحم بكل ما يمكن أن يعكس مشكلة أخلاقية. نسمع عن توريث فروسية لورثة داعمي القتلة، نرى وزير الدفاع السوري في الحكومة الانتقالية يتوج أبناء محمد حمشو في بطولة الفروسية ذاتها التي كانت تُعرض قبل الثورة تحت رعاية عائلة الأسد. هذا ليس تفصيلًا عابرًا، بل إشارة تقول إن رموز النظام المجرم لا تزال تتجول في المشهدين الاجتماعي والسياسي والتجاري، وتُصنع لها واجهات جديدة. كيف يمكن الحديث عن زمن جديد فيما تُعاد تدوير الشخصيات ذاتها؟ هل يمكن للناس أن يصدقوا انتقالًا حقيقيًا بينما أسماء الفساد نفسها عائدة متنكرة؟
المجازر ليست أرقامًا ولا ملفات عابرة. المجازر هي بنية سياسية. من مجازر الكيماوي إلى الساحل إلى السويداء إلى المعتقلات، هناك روايات ينبغي أن تُعلن. لا يمكن دفن التاريخ تحت خطاب احتفالي، ولا يمكن بناء أخلاق عامة من دون اعتراف. كل مرحلة انتقالية في العالم تبدأ بإعلان الحقائق، لا بإخفائها. حين سقطت الديكتاتوريات في أميركا اللاتينية، كان أول ما حدث هو فتح المقابر، تسليم الرفات، إصدار شهادات وفاة، إعلان قوائم المصير. لم يقل أحد للناس: “نحن أفضل الآن، افرحوا”. قالوا: هذه الحقيقة، وهذه محاكماتنا، وهذا أثرنا الأخلاقي.
الحقيقة أن النظام السابق لم يهرب من المحاسبة بعد. ما زال حيًا في الذاكرة، وفي الأسماء، وفي الاقتصاد، وفي الشبكات. ولذلك حين يُعاد إخراج شخصيات مثل حمشو وفادي صقر، فهذا يشير إلى أن النظام القديم لم يسقط، بل خلع قميصه فقط. من دون عدالة، يصبح السقوط مجرد تغيير لافتة على الباب.
المشكلة ليست في الغياب، بل في التضليل؛ في تحويل الاحتفال إلى غطاء، في استدعاء الناس للميادين كي لا يسألوا، في استثمار مشاعرهم قبل شفائهم، في تكرار نموذج “اصبروا، العدالة قادمة”، كما لو أنّ الصبر ليس ما أكل الزمن كله. العدالة التي تتأخر ليست عدالة ناقصة فقط، بل عدالة مسروقة.
أن تقول السلطة إنها ليست الأسد لا يكفي. يجب أن تقول: هذه أسماء من قُتلوا، وهذه جثث من فُقدوا، وهذه محاكماتنا، وهذه قوائمنا المفتوحة. عندها فقط يمكن للناس أن يصدقوا أن التاريخ يتحرك. وإلى أن يحدث ذلك، سيبقى الكلام عن انتقال سياسي كالكعكة التي تُعد قبل أن توجد مكوناتها: شكلٌ بلا مضمون.
السؤال ليس: هل تغير النظام؟ بل: هل تغيرت أخلاق الحكم؟ وهل صارت الحقيقة ملكًا للناس لا للمكاتب المغلقة؟ وهل سيكون الدم جزءًا من العدالة لا من الدعاية؟ الكرامة لا تُقاس بالاحتفال، بل بالشهادة. ولا يُكتب التاريخ بمن فرح أولًا، بل بمن قال الحقيقة أولًا.