اعتقال الإعلامي محمد عاكف إرسوي، القريب من دوائر وزير الخارجية التركي هاكان فيدان رسالة تحذيرية لإضعاف أي نفوذ إعلامي مرتبط بوزير الخارجية، وهو ما يعكس نمطا متكررا في السياسة التركية، حيث يُستخدم الإعلام كسلاح في حروب النفوذ الداخلية. هذا الصراع يعكس هشاشة التوازنات داخل النظام، مع اقتراب نهاية عصر أردوغان السياسي.
أنقرة– تحولت قضية محمد عاكف إرسوي، رئيس تحرير قناة هابرتورك السابق، إلى رمز للصراع الشرس على النفوذ داخل حزب العدالة والتنمية الحاكم، خاصة مع اقتراب نهاية عصر الرئيس رجب طيب أردوغان.
فما بدأ كتحقيق جنائي يتعلق بتهم المخدرات والعلاقات غير الأخلاقية سرعان ما تحول إلى عملية سياسية واسعة، تشير إلى أن الخلافات الداخلية التي كانت تدار في الخفاء أصبحت الآن حرباً مفتوحة.
وبدأت العملية الرئيسية في الخامس من ديسمبر عندما داهمت فرق الدرك الإقليمي في إسطنبول منازل ثلاث مذيعات شهيرات، وهن إيلا روميسا جيبيسي من قناة شو.تي.في، وهاندي ساري أوغلو من قناة بياز.تي.في، وميلتم أسيتم التي عملت سابقًا في هابيرتورك، حيث عثرت السلطات على كميات صغيرة من المواد المخدرة، مما أدى إلى نقلهن إلى مراكز الشرطة لإجراء فحوصات طبية إجبارية، وتم إخضاعهن لفحوصات في معهد الطب الشرعي للكشف عن آثار المخدرات في الدم والشعر.
امتدت الحملة حتى التاسع من ديسمبر، حيث أعلنت نيابة إسطنبول الجمهورية عن صدور أوامر توقيف ضد ثمانية مشتبهين بتهم “شراء أو حيازة أو استخدام مواد مخدرة أو توفير مكان لاستخدامها”، وشملت هذه القائمة مدير التحرير العام لقناة هابيرتورك محمد عاكف إرسوي، ومحررة الأخبار الخارجية في القناة نفسها إليف كيلينش، بالإضافة إلى أسماء أخرى مثل أوفوك تتيك ومحمود غودي ومصطفى ماناز وغيزم أيباتكي وإبراهيم غولان وبوسه أوزتاي.
تم القبض على إرسوي في مكتبه، وأكدت السلطات أن التحقيقات مستمرة مع أربعة مشتبهين آخرين ما زالوا في طور الملاحقة، وفقًا لبيان النيابة الذي نشرته جريدة “أخبار”.
وإرسوي ليس مجرد صحفي عادي، بل هو شخصية إسلامية سياسية متجذرة، درس في مدارس دينية سورية وتحدث العربية بطلاقة، وعمل في شبكات مرتبطة بالإسلام السياسي التركي في دول إسلامية عدة. وينظر إلى اعتقاله وما تبعه من حملة إعلامية شرسة، قادتها صحيفة صباح المقربة من دوائر السلطة، كعملية إعدام معنوي حديثة، تهدف إلى إرسال رسائل قاسية داخل الحزب.
التوترات تأتي في وقت يعتقد فيه أن عصر أردوغان يُقترب من نهايته، حيث لا أحد يجرؤ على التقدم إلا إذا شعر بضعف الرئيس
ورغم أن التهم القانونية قد لا تؤدي إلى عقوبات ثقيلة، إلا أن تورط القضاء في جعل الإدانة الاجتماعية مرئية يبرز البعد السياسي الواضح لهذه العملية.
وفي الكواليس، يُعتبر إرسوي مجرد فتيل يشعل متفجراً أكبر، حيث يحاول حلفاء مقربون إنقاذه لمنع انفجار أوسع. الآن، بعد اشتعال الفتيل، يستعد كثيرون في أنقرة لردود فعل مضادة.
ويقول تقرير الصراع داخل الحزب الحاكم يبدو أنه سيكون دامياً للغاية، بعد سنوات من التركيز على مواجهة الأعداء الخارجيين، أصبح الأعضاء يواجهون بعضهم البعض بلا قيود أخلاقية أو قانونية، مدفوعين بالغضب والخوف من فقدان السلطة.
هذا الانهيار الأخلاقي لشخصية إسلامية متجذرة مثل إرسوي يعكس في الواقع قصة النخبة الحاكمة بأكملها، والتي ستُرى كذلك في نظر الجمهور.
من بين الأسماء التي تُذكر في هذا السياق، يبرز وزير الخارجية هاكان فيدان كهدف رئيسي يتفق عليه الجميع.
ورغم تصريحاته بأنه يركز فقط على عمله كوزير خارجية، إلا أن مراقبين سياسيين يرون ذلك غير مقنع، خاصة مع روابط إرسوي المزعومة بدوائر فيدان منذ عهد الأخير في رئاسة الاستخبارات. كما أن تعيينات سابقة في الإعلام وصراعات حول قنوات مثل فلاش.تي.في أثارت مخاوف من بناء فيدان قاعدة إعلامية مستقلة، مما دفع دوائر عائلية مقربة من أردوغان، بما فيها ابنه بلال، إلى التدخل لمنع أي منافسة.
وتأتي هذه التوترات في وقت يُعتقد فيه أن عصر أردوغان يقترب من نهايته، حيث لم يعد أحد يجرؤ على التقدم إلا إذا شعر بضعف الرئيس.
وكانت تقارير إعلامية وتحليلات سياسية تركية سابقة اثارت مخاوف متزايدة بشأن محاولات فيدان بناء قاعدة إعلامية مستقلة. وتعود التقارير،أساساً إلى أبريل 2025، حيث تركز على صفقة إحياء قناة فلاش.تي.في كرمز للطموحات الإعلامية لفيدان، وتصفها كتهديد مباشر لسيطرة العائلة الحاكمة على الإعلام التركي.
ووفقاً لتقرير نشره موقع بوليتوركو في أبريل 2025، بعنوان “الصراع على السلطة بين أردوغان وهاكان فيدان: انشقاق داخل الدولة العميقة”، سعى فيدان إلى تعزيز نفوذه السياسي من خلال بناء هيكل إعلامي خاص به، مستفيداً من خلفيته كرئيس سابق لجهاز الاستخبارات الوطنية.
ويشير التقرير إلى أن إحياء قناة فلاش.تي.في تحت تأثير فيدان أثار قلقاً كبيراً في الدائرة المقربة من أردوغان، خاصة بلال أردوغان، الذي يُنظر إليه كحارس لمصالح العائلة في القطاع الإعلامي.
وخوفاً من منافسة إعلامية قد تهدد سيطرة مجموعة توركوفاز الموالية للعائلة، تدخل بلال أردوغان مع آخرين، مثل وزير الداخلية السابق سليمان صويلو، لإحباط هذه الطموحات.
ويؤكد التقرير أن أردوغان يحتكر الإعلام كأداة أساسية للسيطرة السياسية، ولا يتردد في التدخل عندما يحاول شخصيات نافذة مثل فيدان استخدام النفوذ الإعلامي لبناء رأس مال سياسي خاص.
هذا التدخل يأتي في سياق أوسع يتعلق باستعدادات لمرحلة ما بعد أردوغان، حيث يُنظر إلى فيدان كمرشح محتمل للخلافة بفضل قربه السابق من الرئيس وخلفيته الأمنية، لكنه يواجه مقاومة من الدائرة العائلية التي تفضل الحفاظ على النفوذ داخل الأسرة.
وتعزز تقارير أخرى من مصادر معارضة أو مستقلة، مثل توركيش مينيت هذه الصورة بذكر صراع ثلاثي يشمل فيدان وبلال أردوغان وصهر الرئيس سلجوق بيرقدار، يدور حول السيطرة على تركيا ما بعد أردوغان.
العرب اللندنية