
عرف المغرب تغيرات عميقة في العقد الأخير من القرن العشرين، من أهمها انسحاب عدد من الفاعلين من المشهد السياسي بفعل التقدم في السن أو الوفاة. وشكّل رحيل الملك الحسن الثاني، أبرز تحول طرأ في البلاد، بالنظر إلى أنه كان الفاعل الأول. وترتب على هذا المتغير فتح ورش مصالحة المغاربة مع ماضيهم القريب، بداية بتأسيس «هيئة الإنصاف والمصالحة» عام 2004، وهي الهيئة التي قدمت تقريرها في العام التالي، كما ترتب عليه صدور «تقرير الخمسينية / المغرب الممكن» عام 2005، وهو التقرير الذي شخّص أحوال البلاد، وعدّد الإنجازات التي حققتها، وجرد الإخفاقات والأعطاب التي طالتها منذ استقلالها عام 1956 وحتى رحيل الحسن الثاني.
وفي ظل هذا المناخ الجديد، وجدنا أنفسنا أمام عدد كبير من الدراسات التاريخية والأنثروبولوجية، التي حاولت إعادة قراءة المجالين السياسي والاجتماعي المغربيين، كما في: «الزاوية والحزب» نور الدين الزاهي، «الشيخ والمريد» عبد الله حمودي، «المجتمع ضد الدولة» عبد الرحمن رشيق. كما فتح هذا المناخ الباب أمام إعداد عدد من الأطروحات في الجامعات المغربية، ومن بينها أطروحة «الحراك الاجتماعي في مغرب ما بعد الاستقلال»، التي نشرت مؤخراً عبر المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، للباحث إبراهيم أيت إزي.
يعتقد الباحث أن المغرب عاش انتفاضات وثورات شبيهة بما عرفه عدد من المدن العربية؛ فقد أعاد حراك 20 فبراير/شباط 2011 الفعل الاحتجاجي إلى الشارع المغربي، لكنه تعرّض أيضاً لانتكاسة سريعة، تتعلق بتعقيدات المجتمع المغربي. ولذلك حاول المؤلف العودة قليلاً إلى حراكات اجتماعية أخرى عاشها المغرب خلال الفترة بين 1956–1975 لفهم أسباب ومعوقات الحراك الاجتماعي في المغرب خلال العقود الماضية. سيلاحظ قارئ الكتاب أن نقطة انطلاق المؤلف لن تكون عام 1956 بل قبل خمسة عقود تقريباً؛ إذ يرى المؤلف أن أي فهم لخصوصيات الحراك الاجتماعي في المدن المغربية يتطلب العودة أيضاً إلى قراءة سياقات الحركات الاحتجاجية المغربية في فترات سابقة، خاصة أن غالبية الحراك الاحتجاجي قبل عام 1912 كان حراكاً ريفياً، بينما ستتطور الأمور لاحقاً مع نزوح الريف إلى المدن، وتشكل طبقة واسعة من العمال والمهمشين.
ولكن قبل الخوض في متن الكتاب، لا بد من الإشارة إلى أن هذا العمل، وهو في الأصل أطروحة دكتوراه أعدّها الباحث في جامعة محمد الخامس في الرباط، كان يحتاج إلى تحرير إضافي، أي إلى تحويله من نص أكاديمي مثقل بالمقدمة المنهجية الطويلة، إلى كتاب أكثر تحرراً من الشروح والمقدمات الأكاديمية.
يُحسب للمؤلف اعتماده على المذكرات كمادة تصلح للتاريخ الاجتماعي؛ فغالباً ما رفض عدد من الباحثين الاستناد إلى هذا النوع من النصوص، بوصفها تعكس رؤية صاحبها للمشهد، أكثر مما تعكس الواقع الاجتماعي، لكن الباحث هنا وجد في هذه المذكرات فرصة لا تعوض، كونها توفر لنا مشاهد أكثر قرباً، أحياناً، من المشهد اليومي وتعقيداته الاجتماعية.
ومن المذكرات التي اعتمد عليها: المهدي بن بركة؛ عبد الله إبراهيم؛ عبد الرحيم بوعبيد؛ عبد الرحمن اليوسفي؛ محمد بوستة؛ محمد بنسعيد أيت إيدر؛ محمد اليازغي؛ محمد الفقيه البصري؛ عبد الهادي بوطالب؛ بارك بودرقة؛ الغالي العراقي؛ عبد الكريم الخطيب؛ المحجوبي أحرضان.
تميّز مغرب القرن التاسع عشر ومطلع القرن العشرين بسلسلة من الاضطرابات الكبرى، بدت من خلال تواتر صدام المخزن بالقبائل، بل وحراك أهل المدن، بحكم اتساع رقعة الانهيار الاقتصادي والتفكك الاجتماعي نتيجة الانفتاح أمام التجارة الخارجية. مع ذلك، رافق هذا الحراك قلة في التوثيق؛ فتاريخ الانتفاضة القروية ظل داخل حيز المنسي والمكبوت بالنسبة إلى الكتابة التاريخية التقليدية، وهو ما انتبه له جاك بيرك، الذي أقر بوجود بياض في صفحات المصنفات التقليدية بشأن هذه الانتفاضات.
أفضى إفقار البوادي في نهاية القرن التاسع عشر إلى رفع درجة استياء الناس، الذين باتوا مهيئين للقيام بجميع أصناف المجازفات، التي تنشأ بعفوية وتلقائية، خصوصاً إذا كانت تبتعد عن المركز، أي «سطوة المخزن» ثم تندثر حينما يحضر. لم تكن ملامح التوتر داخل المجال الحضري بالمستوى نفسه من الحدة والكثرة، كما هو شأن البادية؛ فقد نجح المخزن في إحكام السيطرة وضبط شؤون الحواضر. كما أن تعامل سكان المدن مع المخزن كان إيجابياً، على الرغم من أن معارضة القاضي لسلطة القائد المخزني أدت، في مناسبات عدة، إلى وقوع بعض الاضطرابات التي كانت محدودة في الزمن. وعموماً أكدت الوثائق المغربية، وكذلك شهادات الأوروبيين، أن الأوضاع في الحواضر اتسمت غالباً بالهدوء. عاش المغرب، عقب فرض نظام الحماية عام 1912 تحولات عميقة شملت جوانب كثيرة من حياة المغاربة، إن لم تكن قد قلبتها رأساً على عقب؛ سواء من خلال نزع الملكية، وسياسة الاستعمار الفلاحي، وتطبيق القوانين الجديدة. وهكذا نزحت فئات واسعة من الفلاحين نحو المدن، حيث كوّنت طبقة العمال، وتكدست في الأحياء العتيقة للمدن وداخل مدن القصدير، خصوصاً في الدار البيضاء ومراكش وفاس.
1937ـ 1956 حراك المدن والجوامع
مثّلت مدينة مكناس نموذجاً للمدن المغربية التي تقاطرت عليها أعداد ضخمة من أبناء القبائل، الذين تركوا أراضيهم للمعمرين. فقد زاد عدد السكان المسلمين في مكناس بـ19000 نسمة ما بين عامي 1931 _1936، وأغلبيتهم من أهل القبائل الذين أتوا بما فيهم من روح المقاومة، فانضموا إلى الصناع والتجار المتذمرين، ليكونوا أساس الجيش، الذي يتزعمه المثقفون الشبان وقت الفتنة التي تتمخض عنها المدينة. شهدت هذه المدينة في بداية سبتمبر/أيلول 1937 أحداثاً امتدت آثارها نحو باقي المدن المغربية، وكان السبب وراءها تحويل مياه وادي بوفكران، ومنحها للمعمرين، أو نقلها إلى المرافق المدنية والعسكرية في المدينة الجديدة، مدينة حمرية. وقد خيمت مسألة الماء على تفكير المواطنين، واستمرت المناقشات في يوليو /تموز وأغسطس/آب من العام ذاته، ولم تسفر الاتصالات التي أجراها ممثلو المكناسيين مع السلطات الفرنسية عن نتائج إيجابية. وانطلق المحتجون، وأغلبهم من الفلاحين والحرفيين والتجار الصغار، من جامع الزيتونة، وكانوا يرددون: «لا قطرة ماء للمعمرين، كل مياه بوفكران ملك لنا. أعيدوا لنا ماءنا! لا قطرة ماء». بعد ذلك بعقدين تقريباً، مثّل إقدام فرنسا على نفي السلطان في 20 أغسطس 1953 تحولاً رئيسياً في مسيرة النضال نحو الاستقلال؛ إذ أغلق العمل الذي أقدمت عليه فرنسا باب الحوار، لتلجأ القواعد المناضلة إلى المقاومة المسلحة، باعتبارها الوسيلة الوحيدة لكسر شوكة الاستعمار والحصول على استقلال البلاد. كان أول عمل قام به المتظاهرون هو تحطيم الأعمدة الكهربائية وأسلاك الهاتف، واتخاذها متاريس لمنع مرور السيارات أو الشاحنات. ثم هاجموا الحي الأوروبي، مباغتين بعض الفرنسيين داخل بيوتهم، وقتلوا عدداً منهم. كما سيطر المتظاهرون على محطات البنزين الموجودة في المدينة، واستعملوا الوقود في عمليات إحراق بعض المباني داخل المدينة. واستهدفت عمليات التخريب أهم المصالح الاقتصادية الحيوية، العمومية منها والخاصة، التابعة لسلطات الاحتلال والمعمرين في المدينة. كان الثابت في الحالتين هو دور مؤسسة المسجد كفضاء للنقاش والتشاور، ومكان للتجمع قبل النزول إلى الشارع في مظاهرات، إضافة إلى ثقل المدينة بحكم التمركز الحضري، واستقطاب المدن سكان البوادي بعد عمليات نزع الأراضي. وكان لهذا التحول تأثيرات عميقة، إذ أحدث العمل في المدن تغيرات كبيرة في عادات المغاربة، وتسبب في ظهور سلوكيات جديدة.

استقل المغرب عام 1956 وخلال هذه الفترة تركزت أغلبية الأنشطة الصناعية في الدار البيضاء، إذ كانت تحوي نصف عدد المصانع والدور التجارية في البلاد، ما كان يعني أن التحسن لم يكن ليعم جميع المغاربة. وقدّرت نسبة سكان الصفيح عام 1958 في أكبر سبع مدن صناعية بما يقارب الثلث؛ فقد توجه نحو المدن، بعد توقيع الحماية، ما يقارب المليون مهاجر، وتجمع في المدن الخمس الكبرى ـ الدار البيضاء وفاس ومكناس والرباط ومراكش، نحو مليون ونصف مليون شخص فجر الاستقلال، غالبيتهم أميون، وقليل منهم من توافرت لديه مهارة يدوية تمكنه من العمل.
في منتصف الستينيات، شهدت البلاد نزيفاً مالياً مهولاً، إلى جانب رحيل عدد من اليهود والأجانب، وإغلاق عدد من المؤسسات الإنتاجية التي كانت في ملكيتهم. وكان هناك تحقيق قامت به الغرفة الفرنسية للتجارة والتصنيع في المغرب في بداية عام 1965 قد انتهى إلى أن المقاولات التي أُغلقت مطلع عام 1965 بلغت حوالي 454 مؤسسة. عاشت القرى المغربية متاعب جمة لعدم تفعيل مشاريع الإصلاح الهيكلي وإصلاح البنى الإنتاجية. وفي بداية السبعينيات تكرر ما عاشه مغرب بداية الستينيات من مواجهة بين قوة مجتمعية شبابية ناهضة وقوة الدولة الفتية. وكان العامل الجديد هو دخول الجيش على الخط، الذي حاول قلب الأوضاع عام 1971 من خلال انقلاب فاشل.
واصل النظام المغربي بعدها سياسة الانغلاق، على الرغم من وعوده بالإصلاح، وهو ما وضع الشباب المغربي نفسه على ضفة «الخيار الثوري» الذي لا يرى في كل عمل سياسي تفاوضي إلا نوعاً من «الإصلاحية الرجعية»، التي لا يُرتجى منها شيء. فكان الأمر، في المحصلة، مقدمة لتحرك قوى شابة صوب اختيار فكري وسياسي آخر، وجدت في الماركسية ـ اللينينية الجواب المقنع آنذاك. ولمواجهة هذا النزوع الماركسي، قرر الملك العودة مرة أخرى إلى اللعبة التقليدية، من خلال دعمه لبرامج الدراسات الدينية.
التطور الأهم الذي يلاحظه المؤلف في هذه الفترة هو أنه، في مقابل الجامع الذي لعب الدور الأكبر في الحشد خلال الخمسينيات، حلت المدارس مكان هذه الجوامع، وأضحت الحاضنة الرئيسية للحراك الاجتماعي المغربي في السبعينيات. كما أخذت المدينة تمثل المركز الأساسي للحراك السياسي، لكن للمفارقة الغريبة أن الريف، في السنوات الأخيرة، عاد ليصبح مركزاً للاحتجاجات في المغرب، وهو ما يطرح تساؤلاً حول دور المدن المغربية اليوم في الحراك الاجتماعي. كما أن هذا التحول في الريف لا يقتصر على المغرب فقط، بل امتد إلى عدة بلدان عربية أخرى.
القدس العربي
