إبراهيم الحامد
تكتسب زيارة رئيس حكومة إقليم كردستان العراق السيد مسرور البارازاني إلى جمهورية مصر العربية أهمية خاصة،ليس فقط بوصفها محطة دبلوماسية في مسار العلاقات الثنائية، بل لما تحمله من أبعاد سياسية واستراتيجية تتجاوز الإطار الثنائي إلى فضاءات إقليمية ودولية أوسع. فهذه الزيارة تأتي في توقيت بالغ الحساسية، وتفتح الباب أمام قراءة معمّقة لدور القاهرة وأربيل في معادلات التوازن الإقليمي والتحولات المرتقبة في الشرق الأوسط.
لقد ارتبط الكرد والمصريون عبر التاريخ بروابط حضارية وإنسانية عميقة، تعود جذورها إلى عصور مبكرة من التاريخ الإسلامي والوسيط. ويبرز في هذا السياق النموذج التاريخي المتمثل في الدولة الأيوبية التي أسسها القائد الكردي صلاح الدين الأيوبي، والذي شكّل رمزًا للوحدة السياسية والعسكرية بين مصر وبلاد الشام، ومثالًا على التفاعل الإيجابي بين الكرد والمحيط العربي، وفي مقدمته مصر. ومنذ ذلك الحين، استمرت العلاقات الثقافية والسياسية بين الجانبين، وتجلّت في التبادل العلمي والفكري، وفي حضور القضية الكردية داخل الوعي السياسي والثقافي المصري بوصفها قضية عادلة مرتبطة بحقوق الشعوب والاستقرار الإقليمي.
وتأتي هذه الزيارة في ظل أوضاع إقليمية ودولية شديدة التعقيد؛ فالشرق الأوسط يشهد تحولات متسارعة بفعل الصراعات الممتدة، وتبدل أولويات القوى الدولية، وتصاعد أزمات الأمن والطاقة، فضلًا عن تداعيات الحرب في غزة، والتوترات في البحر الأحمر، وانعكاسات الحرب الروسية–الأوكرانية على التوازنات العالمية. وفي هذا السياق، يبرز إقليم كردستان العراق بوصفه فاعلًا مهمًا في معادلة الاستقرار النسبي داخل العراق، ونقطة توازن في منطقة تعاني من هشاشة أمنية وسياسية. أما مصر، فهي بدورها تمثل ركيزة أساسية للاستقرار الإقليمي، وصوتًا عربيًا معتدلًا يسعى إلى تهدئة الصراعات وبناء مسارات للحوار.
من هنا، تكتسب الزيارة دلالتها الأعمق في ضوء الدور المحوري لكل من مصر وإقليم كردستان في الحفاظ على التوازن الإقليمي. فالقاهرة، بما تمتلكه من ثقل سياسي وتاريخي ودبلوماسي، قادرة على لعب دور الوسيط الإقليمي الذي يربط بين مختلف الفاعلين، ويعزز منطق الدولة الوطنية في مواجهة مشاريع التفتيت والفوضى. وفي المقابل، يسعى إقليم كردستان إلى توسيع شبكة علاقاته الإقليمية، وتأكيد حضوره كشريك موثوق في مكافحة الإرهاب، وفي دعم الاستقرار والتنمية الاقتصادية. والتقاطع بين هذين الدورين يفتح آفاقًا جديدة للتعاون السياسي والاقتصادي والأمني، خاصة في ظل التحولات المرتقبة في بنية النظام الإقليمي للشرق الأوسط.
ولا يمكن فصل أهمية هذه الزيارة عن بعدها المتعلق بالقضية الكردية. فمصر، تاريخيًا، كانت من الدول العربية التي تعاملت مع هذه القضية بمنظور متوازن، يقوم على احترام سيادة الدول، وفي الوقت نفسه دعم الحقوق المشروعة للشعب الكردي ضمن أطر دستورية وسلمية. ومن شأن تعزيز الحوار بين القاهرة وأربيل أن يسهم في بلورة مقاربات عقلانية لحل القضية الكردية، تقوم على الشراكة السياسية، والتنمية، والاعتراف بالخصوصية الثقافية والقومية، بعيدًا عن منطق الصدام أو الإقصاء.
في المحصلة، فإن زيارة رئيس حكومة إقليم كردستان العراق إلى مصر تمثل رسالة سياسية متعددة الاتجاهات: تأكيد على عمق العلاقات التاريخية، واستجابة واعية لتحديات اللحظة الإقليمية والدولية، وخطوة نحو دور مشترك في صناعة التوازن والاستقرار، وفرصة حقيقية لإعادة طرح القضية الكردية ضمن أفق الحوار والحلول المستدامة. إنها زيارة تحمل في طياتها دلالات الحاضر، وتؤسس لإمكانات المستقبل في شرق أوسط يتغير بسرعة، ويحتاج أكثر من أي وقت مضى إلى الحكمة والتعاون بين شعوبها .