ليست المفاوضات الجارية بين دمشق و«قوات سوريا الديمقراطية» (قسد) مجرد جولة سياسية عادية، بل هي اختبار جديد لقدرة الأطراف السورية على إدارة تناقضاتها في لحظة إقليمية شديدة التعقيد. فالحوار الذي يُفترض أن يُفتح على تسويات، يتقدم هذه المرة تحت ضغط النار، وبين رسائل ميدانية وسياسية متبادلة.
إبداء دمشق مرونة خطية تجاه ورقة «قسد»، ولا سيما في ما يتعلق باندماج قواتها ضمن الجيش السوري، يشير إلى محاولة محسوبة لإعادة ضبط المشهد في الشمال الشرقي بأدوات سياسية، دون التخلي عن ثوابت الدولة المركزية. غير أن هذه المرونة، رغم أهميتها، لا تعني تحولًا جذريًا بقدر ما تعكس قراءة براغماتية لموازين القوى وتكاليف المرحلة.
في المقابل، لم ترفض «قسد» الطرح السوري، بل قابلته بإيجابية مشروطة. فاشتراط “دسترة” الاتفاقات وتوثيقها قانونيًا، والمطالبة بتوقيعها خارج دمشق وتحديدًا في واشنطن، إلى جانب السعي لضمانات أميركية وفرنسية، يكشف رغبة واضحة في تدويل التفاهمات وتحويلها إلى اتفاق محمي خارجيًا، في ظل هواجس تتعلق بالأمن وبمستقبل النفوذ السياسي والعسكري.
غير أن العامل التركي يفرض نفسه بقوة على هذا المسار. فزيارة وفد تركي عسكري–أمني–سياسي إلى دمشق، وما حملته من إنذارات مباشرة لـ«قسد»، تعكس تقاطع مصالح ظرفي بين أنقرة ودمشق عند نقطة رفض أي كيان مسلح مستقل شمالي سوريا. هذا التقاطع يضع «قسد» أمام خيارات ضيقة، ويزيد من كلفة المناورة السياسية.
على الأرض، جاءت الاشتباكات في حلب وما رافقها من قتلى ونزوح لتؤكد أن الميدان لا يزال لاعبًا أساسيًا في تحديد سقوف السياسة. فالتصعيد العسكري يتحول، مرة أخرى، إلى أداة ضغط موازية لطاولة التفاوض، ورسالة بأن الوقت ليس مفتوحًا إلى ما لا نهاية.
في المحصلة، تبدو مفاوضات دمشق و«قسد» اليوم أقرب إلى إدارة مؤقتة للصراع منها إلى تسوية نهائية. فهي مفاوضات محكومة بحسابات إقليمية وضمانات دولية ورسائل نارية، حيث يتقدم الحوار خطوة، فيما تبقى النار مشتعلة في الخلفية، بانتظار لحظة توازن أوسع قد تفتح الباب أمام حل أكثر استقرارًا.