-

-
رشا شيخ موسى
-
-
-
أُنتِجَ هذا التحقيق ضمن الدورة الثالثة من «برنامج مِنَح الجمهورية للصحفيّات السوريات»، الذي يَدعمُ إنتاج مشاريع صحفية مُعمَّقة تتعلّقُ بشؤون السوريين والسوريات ومعاشهم داخل البلد وخارجه، وكان المُحرِّر المشرف على إنتاجه هو الزميل صادق عبد الرحمن.
* * * * *
لم يتوقع المُزارع سالم الأحمد أن هناك ما سيَحولُ دون وصول مضخّة المياه إلى قلب البئر. كانت أرضه القريبة من قلعة المضيق بريف حماة الغربي تحت سيطرة قوات النظام السابق لسنوات، وبعد سقوط الأسد عاد من سنوات التهجير الطويلة، ليجدَ معدات بئر المياه الجوفية الذي كان يسقى أرضه منهوبةً تماماً.
يقول: «استدنتُ مبلغاً مالياً واشتريتُ مضخة جديدة وتوابعها. اصطدمَتْ المضخةُ بجسم أعاق نزولها على عمق 20 متراً من سطح الأرض، فجئتُ بحفّارة لفتح البئر ظناً مني أن بعض الأوساخ متجمعة في مسقطه، لكن صاحب الحفّارة توقف عن العمل بعد ساعتين، واعتذر بالقول إن البئر يحوي أجساماً حديدية يصعب تفتيتها، وتؤثر مباشرةً على إزميل الحفارة، ما يعني أن البئر الجوفي الذي كان يروي بستاني بالماء قد تعطَّلَ للأبد».
خسرَ سالم معدات بئره، ثم البئر نفسه نتيجة إلقاء مخلفات معدنية فيه، وحاله في هذا حال آلاف العائلات التي هُجِّرَت من ريف حماة الشمالي وريف إدلب الجنوبي عقب الحملة العسكرية التي شنتها قوات نظام الأسد المدعومة بسلاح الجو الروسي بين عامي 2019 و2020
بعد سقوط نظام الأسد، عاد كثيرٌ من النازحين والمهجّرين إلى بلداتهم في تلك المناطق الزراعية المتداخلة إلى الشمال من وسط سوريا، فوجدَ آلافٌ منهم أن تجهيزات آبارهم الزراعية مسروقة بالكامل، وأن كثيراً من الآبار تم ردمها.
تفتحُ الجمهورية.نت ملف تدمير مصادر مياه الري الجوفية في ريفي إدلب وحماة بالاعتماد على التقصّي الميداني الذي تضمَّنَ جمع شهادات ووثائق وبيانات، إلى جانب البحث في المصادر المفتوحة، لتكشفَ من خلال الاستقصاء في سبع بلدات وقرى، ممتدة على مسافة 80 كم، عن عمليات نهب وردم لـ 2351 بئراً زراعياً من أصل 2686 بئراً كانت موجودة فيها قبل سيطرة قوات نظام الأسد عليها. يثبت التحقيق تورط مجموعات مرتبطة بقوات النظام البائد في نهب وتخريب مصادر مياه ري حقول الزيتون والفستق الحلبي والقمح في تلك المناطق الخصبة، ويُثبت أن العملية كانت ممنهجة وتتجاوز السطو بغية بيع المعدات المنهوبة، ويشرح الأثر المعيشي والاقتصادي الكارثي الذي تركته هذه الممارسة على مهجرين عائدين إلى أراضيهم آملين استعادة حياتهم قبل التهجير، وعلى سبل العيش والأمن الغذائي في المنطقة وعموم سوريا بالتزامن مع موجة جفاف غير مسبوقة تمر بها البلاد.

خريطة المناطق المرصودة في هذا التحقيق ليس مجرد نهب، وليست حالات متفرقة
لم يكن سالم الأحمد الوحيد الذي تمت سرقة بئره وتدميره إذن. في بلدة كفرنبودة شمال غرب حماة، يذهب المزارع أحمد الحميدي، العائد بعد سقوط النظام من مخيمات سرمدا على الحدود السورية التركية، يومياً إلى أرضه قاصداً البئر الزراعي على طرفها، وفي كل مرة يتساءل: «لماذا ردموا البئر بعد أن سرقوا معداته؟». يبلغ عمق البئر 211 متراً، وكان يغذي 30 دونماً كانت تُزرَع سنوياً بالخضار، لكن البئر لم يعد منه نفعٌ بأي شكل من الأشكال بعد رمي حجارة والحديد فيه.
في البلدة ذاتها تتشابه مشكلة المزارع أحمد الحميدي مع مشكلة 220 مزارعاً آخرين، منهم عبد الرزاق العارف، الذي كان يأمل أن يعود من مخيمات أطمة على الحدود السورية التركية إلى أرضه ويعمل فيها، لكنه بعد أن وجد البئر مردوماً بالحديد والصخور، ولم تستطع الحفارة فتحه، سيضطر إلى بيع جزء من أرضه لتأمين المبلغ اللازم لحفر بئر آخر.
لم يكن ريف إدلب الجنوبي أوفر حظاً على هذا الصعيد، وهو متداخلٌ جغرافياً مع بلدات وقرى ريف حماة، ما جعل بلدات فيه تقع تحت سطوة المجموعات والميليشيات نفسها التي كانت مسيطرة على ريف حماة الشمالي والغربي. كانت بلدة الهبيط تضمّ 350 بئراً عند سيطرة قوات النظام السابق عليها عام 2019، وُجِدَت جميعها منهوبة أو منهوبة ومردومة عند انسحاب قوات النظام بحسب رئيس الجمعية الفلاحية في البلدة حمدو قدّاح.
من آبار بلدة الهبيط المُخرَّبة كان بئر المزارع عماد عنكير، الذي استقدمَ حفّارة لإعادة فتح البئر المردوم بقطع حديدية، إلا أن هذا كان بلا نتيجة سوى دفع أجرة عمل الحفّارة لمدة يومين دون جدوى. عمليات نهب وتخريب وردم الآبار كانت حاضرة في عموم ريف إدلب الجنوبي، بما فيها الأراضي الزراعية التابعة بمدينة خان شيخون، التي وصل عدد الآبار المردومة والمعطلة فيها إلى 46 بئراً من أصل 72، بحسب الأستاذ أيمن الشيخ مدير مكتب الإحصاء والتخطيط في منطقة خان شيخون.
جريمة تدمير ونهب الآبار الجوفية كانت حاضرة بنسب متفاوتة في عموم مناطق ريفي حماة الشمالي وإدلب الجنوبي، غير أنه ليس ثمة إحصاءات شاملة ومركزية بهذا الشأن. وبهدف الوصول إلى أرقام تُساعد على فهم حجم هذه الجريمة ومداها، تَواصلت معدّة التحقيق مع لجان مجتمعية وجمعيات فلاحية وموظفين حكوميين ومزارعين في الامتداد الجغرافي الذي يضم بلدات وقرى كفرنبودة وكفرزيتا وقلعة المضيق والزيارة وعطشان في ريف حماة، والهبيط وخان شيخون في ريف إدلب، وحصلت على بيانات تفيد بأن هذه المناطق كانت تضم (2686) بئراً جوفياً قبل سيطرة قوات النظام عليها، وأنه بعد سقوط النظام وعودة المهجرين، تبين أنه تم نهب أو تخريب معدات (2351) بئراً منها، ومن بينها تم ردم (1248) بئراً. وتختلف نسبة الآبار المنهوبة والمردومة من منطقة إلى أخرى، وهي تبلغ 100 بالمئة في بعض المناطق، مثل الهبيط التي نُهبت ورُدمت جميع آبارها، ومثل عطشان والزيارة اللتين نُهبت أو رُدمت جميع آبارهما.



نتحدث إذن عن نهب أو تخريب معدات (87.5) بالمئة من إجمالي آبار المناطق المرصودة في هذا التحقيق، وعن ردم (46.4) بالمئة من إجمالي هذه الآبار. وبافتراض أن كل بئر كان يروي 35 دونماً من الأراضي الزراعية، وهو المتوسط الذي تُشير إليه المقابلات التي أجريناها، فإن إجمالي خسارة المساحات الزراعية المروية في المنطقة تزيد عن ثمانية آلاف هكتار (82.285 دونم).
كانت تلك الآبار تسقي أراضي 2322 مزارعاً بحسب البيانات التي تَمكَّنت معدة التحقيق من جمعها، ما يعني كارثة كبرى حلّت بالمنطقة، وذلك بالنظر إلى الخسائر على مستوى الاقتصاد العام والأمن الغذائي وبالنظر إلى تدمير سُبل العيش لآلاف المهجرين العائدين، مع ما كان يتصل بعملهم الزراعي من حركة اقتصادية ومصادر دخل تستفيد منها آلاف العائلات الأخرى.
يُشير تدمير وردم أغلب الآبار بعد نهب معداتها إلى أننا لا نتحدث عن عملية تهدف إلى السرقة وحدها، بل يبدو التخريب نفسه هدفاً، كذلك فإن نسبة الآبار المنهوبة والمردومة تُشير أن الأمر لا يتعلق بعمليات سطو فردية أو حوادث معزولة عن بعضها بعضاً، بل هو حصيلة جريمة ممنهجة ارتُكبت خلال سنوات سيطرة قوات النظام وميليشياته على المنطقة، وفي غياب معظم السكان الذين كانوا مهجرين ونازحين في الشمال.
آليات وخبرات وعتمة؛ كيف تُنهَب الآبار؟
يقول المهندس الزراعي أكرم العلي، المنحدر من منطقة خان شيخون، والذي يعمل على متابعة الأضرار التي لحقت بالمحاصيل الزراعية في المنطقة: «كانت عمليات ردم الآبار تتم من خلال رمي أحجار أو كتل حديدية أو متفجرات داخل الآبار، إذ كان المجرمون يعمدون بعد نهبهم للمعدات، من مضخة وأنابيب وغيرها، إلى تعطيل الآبار عن طريق رمي تلك المواد فيها، ما ينتج عنه انسدادٌ في مجرى البئر العمودي الذي لا يتعدى قطره 8 إنشات، وبهذا يتم تعطيله أحياناً إلى الأبد».
المضخة هي أهم معدات البئر الجوفي، وقد تكون مضخة سطحية، أو مضخة غاطسة مُصمَّمة بحيث يغمرها ماء البئر وتدفعه إلى الأعلى، وهو نوع المضخات المعروف شعبياً في سوريا بـ«الغاطس». ثابت كسحة هو خبير جيولوجي، ويملك شركة لحفر الآبار الجوفية في الشمال السوري، وهو يقول إن عمليات ردم الآبار تكون على 3 أشكال: «أحياناً كان يتم إسقاط المضخة (الغاطسة أو السطحية) في البئر ثم ردمه فوقها عن طريق رمي حجارة وبقايا بناء وأنابيب، بحيث يُصبح هناك قطع معدنية كثيرة داخل البئر، وتُصبح إعادة حفره وتشغيله مستحيلة. أمّا النوع الثاني وهو الأخطر، يكون برمي مواد متفجرة داخل الآبار، وعند انفجارها يحدث تكهّفٌ داخل البئر، ومن ثم لا يمكن إصلاحه بعدها. والنوع الثالث من عمليات ردم الآبار هو الأقل خطورة، ويكون برمي حجارة داخله، وهنا يمكن أحياناً تحرير البئر بواسطة إزميل الحفر واستخدامه مجدداً، خاصة إذا لم يكن هناك قطع معدنية مع الحجارة».
في بعض الحالات فقط، تمَّ تخريب معدات البئر كلها أو بعضها أثناء عملية الردم، كما في الحالات التي تم فيها إلقاء المضخة أو الأنابيب داخله ثم الردم فوقها بالأتربة والحجارة، لكن معظم الآبار التي تم ردمها تعرضت لنهب معداتها أيضاً. يقول المزارع عبدالله العبدالله، المنحدر من منطقة خان شيخون، إن «عملية نهب البئر لا يُمكن أن تتم إلا بواسطة آليه رافعة تعمل على سحب المضخة أو الغاطس من قاع البئر، والأنابيب الممتدة من سطح البئر إلى مكان الغاطس أو المضخة في البئر، وهذه تحتاج ورشةً متكاملة وعاملَ أمانٍ ووقتاً لا يقل عن 12 ساعة لكل بئر».
كان المهندس الزراعي ع. د (رفض الكشف عن اسمه لأسباب أمنية)، متواجداً في منزله في قلعة المضيق غرب حماة في بداية العام 2019، وبقي فيه بعد سيطرة قوات النظام على المنطقة. يقول «كانت سرقة الأجزاء الموجودة في قلب الآبار تتم ليلاً من قبل رافعات تعمل على سحب المضخات أو الغواطس ونقلها إلى أماكن مجهولة. كان بئر عائلتي من الآبار التي تم نهبها». يُضيف (ع.د) إن أحداً لم يكن يجرؤ على التجوّل ليلاً في تلك المناطق ما لم يكن مرتبطاً بقوات النظام، وإن عمليات كهذه تحتاج آليات ووقتاً، كما يلفتُ إلى أن عملية فك البئر وسحبه تحتاج إلى موافقة رسمية، وحتى صاحب البئر نفسه غير مخوَّل بإحضار آليات وروافع لسحب معداته ما لم يحصل على موافقة.
يُمنَع في سوريا سحب معدات ضخ المياه من الآبار الجوفية إلا بحصول المُزارع على موافقة من الدوائر المُختصة، ودائماً ما يكون مدير الناحية أو المنطقة والمختار هم المعنيين بإصدار تلك الموافقات. وهو ما يؤكده المهندس «أبو علي» (رفض نشر اسمه)، وهو موظف السابق في دائرة زراعة محافظة حماة «حتى صاحب البئر إذا أراد إصلاح معدات سحب المياه واستخراج الغاطس من البئر يتوجب عليه الحصول على موافقة حتى يتسنى له العمل، والهدف من هذا الإجراء القانوني هو حفظ المعدات وتجنيبها السرقة» بحسب أبو علي.
باختصار جميع الإجراءات المتعلقة بالآبار تحتاج ترخيصاً، من حفر البئر، إلى تجهيزه بالمعدات، إلى فك معداته لإصلاحها أو تبديلها. وقد طالت عمليات النهب والردم آباراً مرخصة وقانونية تماماً، على ما تُظهر الوثائق التي اطَّلعنا عليها.
بأخذ كل هذه العوامل والظروف بعين الاعتبار، فإنه لا مجال للشك في أن قوات وميليشيات نظام الأسد التي كانت تُسيطر على المنطقة شريكةٌ في هذه الجريمة واسعة النطاق، كما أن استخدام ذخائر حربية، والانفجارات التي كان يتردد صداها ليلاً من الآبار أحياناً، كلها أمورٌ لا تدع مجالاً للشك بشأن طبيعة وارتباطات الجهات التي كانت تنهب الآبار وتُدمِّرها.
جريمة مشتركة
تشرح وثيقة حصلت الجمهورية.نت على صورة لها، صادرة عن الفرع 320 في إدارة المخابرات العامة (أمن الدولة)، تحت عنوان «فوري» و«سري جداً»، إحدى الآليات التي كانت مُتّبعة في عمليات النهب تلك، وكيف أن أجهزة النظام الأمنية كانت تتابع هذه العمليات عن قرب.
تتحدث الوثيقة المُوجَّهة إلى رئيس الفرع عن موافقة صدرت في تشرين الثاني (نوفمبر) عام 2023 لسحب معدات آبار في واحدة من المناطق المرصودة في هذا التحقيق، وتذكرُ الوثيقة أسماء المسؤولين المحليين الذين أصدروا الموافقة وأسماء أصحاب الآبار التي صدرت الموافقة بشأنها. ثم تُشير الوثيقة إنه تم سحب معدات 8 آبار أخرى مملوكة لأشخاص «متواجدين في الشمال السوري» حسب تعبير الوثيقة، أي مهجرين إلى مناطق الشمال التي بقيت تحت سيطرة المعارضة آنذاك، وجميعهم غير مذكورين في الموافقة ولا تجمعهم صلة أو قرابة بالأشخاص المذكورين فيها. وتُسمي الوثيقة الأشخاص الذين سحبوا معدات تلك الآبار، وهم ثلاثة أشخاص من أبناء المنطقة نفسها لا صفة رسمية لهم، تعاونَ معهم «عناصر شرطة المخفر» حسب الوثيقة.
زارت مُعِدّة التحقيق الآبار المذكورة في الوثيقة، والتقت بأصحابها وتحققت بنفسها من أن الآبار منهوبة ومردومة أيضاً، ومن أن أصحابها كانوا مهجرين فعلاً في الشمال السوري. حاولت التواصل مع الأشخاص الذين أصدروا الموافقة المذكورة في الوثيقة، ومع الأشخاص المذكورين بوصفهم من قاموا بسحب المعدات، لكن الجميع رفضوا التحدث بهذا الشأن.
تتبعت مُعِدّة التحقيق بعدها أحد الأشخاص المذكورين في الوثيقة بوصفه مسؤولاً رئيسياً عن سحب المعدات، وتبيّنَ أنه كان يعمل ضمن ميليشيات الدفاع الوطني التابعة للنظام البائد، وهو ما تؤكده شهادات متقاطعة من أبناء المنطقة، ومنشورات على وسائل التواصل الاجتماعي. تعتذر الجمهورية.نت عن نشر محتوى الوثيقة كاملاً نظراً لما قد تثيره من إشكالات محلية، وتؤكد أن مُعِدّة التحقيق حصلت على صورة من الوثيقة فقط، في حين أن أصل الوثيقة في حوزة السلطات الرسمية.

سيطرت قوات النظام مدعومة بسلاح الجو الروسي وميليشيات محلية وأجنبية على بلدات ومدن مورك وكفرزيتا وكفرنبودة وقلعة المضيق بريف حماة ومدن وبلدات الهبيط وخان شيخون ومعرة النعمان وكفرنبل وسراقب بريف إدلب، بين صيف العام 2019 وشتاء العام 2020. وقد تسبَّبَ ذلك بتهجير معظم سكان تلك المناطق، وأسدلَ ستاراً سميكاً من التعتيم على تلك المناطق حتى أوائل كانون الأول (ديسمبر) 2024، عندما انهارت قوات النظام وانسحبت مع تقدم فصائل «إدارة العمليات العسكرية» في معركة «ردع العدوان».
يؤكد المهندس الزراعي (ع. د) بأن «عمليات نهب الآبار بدأت مع وصول قوات الفرقة 25 بقيادة سهيل الحسن والفرقة الرابعة إلى مدينة قلعة المضيق والمناطق المحيطة بها، حيث عمدَ العناصر إلى سرقة الأجزاء الظاهرة من الآبار مثل المولدات ومحولات الكهرباء والمرشّات، ثم تولت ورشات مرتبطة بهم عملية سحب التجهيزات الدخلية للآبار».
منذ عودته بعد سقوط الأسد، ومع شروق شمس كل يوم، يذهب المزارع منقذ الرشيد إلى أرضه الواقعة شرق مدينة قلعة المضيق بريف حماة، علّه يجد ما يُساعده على استخراج المياه الجوفية من بئره الممتلئ بالأحجار وشظايا القنابل. وعلى جدران منزله الذي كانت تتخذه قوات الفرقة الرابعة في جيش نظام الأسد البائد مركزَ عمليات تظهر عبارات تركت على الجدران.
منقذ الرشيد في بيته وشعارات الفرقة الرابعة على جداره يقول منقذ الرشيد: «بعد سقوط نظام الأسد وصلتُ إلى أرضي وأراضي أقاربي في محيط مدينة قلعة المضيق، والتي تزيد مساحتها على 450 دونم وكانت تحوي 8 آبار ارتوازية. لم نجد من الآبار سوى بعض الأحجار والهياكل، فيما سُرقت جميع محتوياتها وآليات سحب المياه والري والمولدات والتجهيزات الزراعية، قبل أن تُردم الآبار بأحجار كبيرة وشظايا القنابل والمقذوفات الحربية».
كان حضور الفرقة الرابعة بارزاً في العديد من المناطق المرصودة، كما هو الحال في بيت وأراضي منقذ الرشيد وعائلته في قلعة المضيق، وكذلك في عموم ريف حماة الغربي والشمالي على ما تُشير وثائق وشهادات حصلنا عليها في سياق إعداد هذا التحقيق.
صورة مقر عسكري للفرقة الرابعة في قوات نظام الأسد في مدينة قلعة المضيق، ويظهر بيت السيد منقذ الرشيد على يسار الصورة في منطقة معرة النعمان بريف إدلب الجنوبي والتي كانت مركز قيادة رئيسي لقوات النظام المنتشرة في عموم ريف إدلب الجنوبي بما في ذلك خان شيخون والهبيط، كان اللواء الثالث في الفيلق الخامس حاضراً بقوة، على ما تظهر ترويسة الوثيقة أدناه التي تم العثور عليها في أحد مقرات النظام السابق في معرة النعمان.

وثيقة عسكرية وجدت في مقرات لقوات النظام السابق في منطقة معرة النعمان بلدة الهبيط التي رُدمت آبارها بالكامل كانت تشهد انتشار ميليشيات مرتبطة بالحرس الثوري، التي كان أحد مقراتها الرئيسية في بلدة معرة حرمة المجاورة للهبيط كما تظهر الصورة.
مقر ميليشا إيرانية في بلدة معرة حرمة بالقرب من بلدة الهبيط، وإلى جوار صورة المقاتل على الجدار تظهر عبارة بالفارسية كذلك شهدت مناطق التقصي تواجداً للفرقة السادسة في جيش النظام، وذلك بحسب بيانات المراصد العسكرية التي كانت عاملة في المنطقة قبل سقوط الأسد. وفي كل هذه المناطق، كانت تحضر أيضاً مجموعات من ميليشيا الدفاع الوطني التابعة للنظام أيضاً، فضلاً عن أجهزة النظام الأمنية التي كانت حاضرة بنفوذها في كل مكان من البلد.
موتٌ كامنٌ في الآبار
عاد عبدو مصطفى عبد الرزاق بحفّارته إلى منطقة معرة النعمان جنوب محافظة إدلب بعد رحلة نزوح طويلة، وفي صيف العام 2025، أثناء عمله على فتح أحد الآبار المردومة في قرية أبو دفنة القريبة من بلدة القذفة، خسر حياته جراء انفجار ألغام مدفونة داخل البئر.
أبو علي هو أحد أقارب مصطفى عبدالرزاق، يقول إن عبدو وصل بحفارته إلى قرية أبو دفنة وعمل على تجهيزها من أجل بدء عملية الحفر، ومع نزول الضربة الأولى لإزميل الحفارة بالبئر خرج انفجار ضخم من داخله أودى بحياة عبدو ودمَّرَ حفارته كلياً. كان لغماً، أو ربما مجموعة ألغام مرمية في البئر من قبل قوات النظام التي كانت تُسيطر على المنطقة وبقيت حتى أودت بحياة عبدو ودمرت حفارته.
وثَّقَ فريق التحقيق حال 64 بالمئة من الآبار المردومة البالغ عددها 1248 بئراً أُلقيت فيها أجسام معدنية، يغلب على طبيعتها القنابل والألغام وبقايا المقذوفات المنفجرة. هي عملية ممنهجة إذن، لا تهدف فقط إلى سرقة معدات الآبار لبيعها والاستيلاء على ثمنها، بل أيضاً إلى تخريب مصادر الري في المنطقة، وكان المجرمون ينفقون جهداً ووقتاً وذخائر لردم الآبار، ما يُثبت نية إلحاق الضرر بالأهالي عند عودتهم. لكن لماذا؟
يقول الخبير العسكري اللواء المتقاعد ضامن العبد الكريم، وهو من أبناء ريف حماة الشمالي، ومطّلع عن قرب على الأوضاع في المنطقة، إن «نهج قوات النظام وميليشياتها في رمي الألغام بالآبار الجوفية والسطحية مشابه لرميها جثامين قتلى في الآبار وفتحات الصرف الصحي، وهذا ما رأيناه في أكثر من موقع بعد سقوط نظام الأسد. لا يُمكن تفسير نهج تدمير مصادر مياه الشرب والري عبر رمي ذخائر فيها إلا بأنه يهدف إلى تدمير الحياة والقضاء على المورد الأساسي للسكان هناك، وهذا تصرّف ليس وليد أفكار العناصر أو صف الضباط، بل يعود إلى رتب أعلى وأشخاص متنفذين، ويُمكن ترجمته إلى أن النظام كان يحاول منع السكان من العودة إلى بلداتهم. في السنوات الأخيرة من سيطرته، افتتح النظام مركز تسوية في أرياف إدلب وحماة، لكن الهدف من هذه الإجراءات كان إرضاء المجتمع الدولي ورفع الحرج عن حلفائه وخاصة روسيا. في نفس الوقت كان يعمل على تدمير مصادر الحياة في البلدات والمدن التي سيطر عليها، بحيث يقضي على كل أمل للسكان بالعودة إلى بلداتهم. كان يريد عرقلة العودة التي كان مضطراً للدعوة إليها في العلن. أيضاً، الانتقام من سكان تلك المناطق التي ثارت عليه وكبدته خسائر فادحة قد يكون دافعاً إضافياً وراء هذا السلوك الإجرامي».
خسائر المزارعين، خسائر البلد
تنتشر في ريف إدلب الجنوبي ريف حماة الشمالي والغربي زراعات متعددة، أبرزها الفستق الحلبي والزيتون والبطاطا والقمح والخضار الموسمية والمبكرة، وتُعد تلك المناطق من السلال الزراعية الاستراتيجية لسوريا. وتعتمد أغلب المزروعات المذكورة في ريها على الآبار الجوفية المنتشرة بالمنطقة. ويُمكن الحديث عن مستويين للخسائر الناتجة عن هذه الكارثة، الأول متعلّق بخسائر المزارعين أنفسهم، والثاني متعلّق بخسائر الاقتصاد الزراعي المحلي والأمن الغذائي.
بعد رحلة تهجير استمرت خمسة سنوات في مخيمات النزوح، وصل المزارع من بلدة الهبيط عماد عنكير إلى أرضه ليجد معدات بئره الارتوازي منهوبة بالكامل. يتهمُ عنكير في حديثه للجمهورية.نت عناصر تابعين لنظام الأسد بسرقة محتويات البئر، وهي غاطسٌ باستطاعة 90 حصاناً (بكلفة 10 آلاف دولار) وأنابيب قطر 5 إنش ومجموعة كهربائية ومولده (بكلفة 6500 دولار)، إضافة إلى المرشّات الزراعية التي كانت تمتد على 220 دونماً مزروعة بالبطاطا. نتحدث هنا إذن عن معدات بقيمة 20 ألف دولار أميركي تم نهبها. وتختلف الكلفة من بئر لآخر، بحسب نوع المعدات واستطاعتها، إذ قدّر مزارعون آخرون قيمة معداتهم المنهوبة بأكثر من 30 ألف دولار أميركي.
يُمكن حساب كلفة استعادة المعدات المنهوبة، دون كلفة إعادة الحفر في حال كان البئر مردوماً، فبفرض كلفة تجهيز كل بئر تبلغ وسطياً 25 ألف دولار، بالتالي فإننا نتحدث عن مبلغ إجمالي يتجاوز 58 مليون دولار لإعادة تجهيز الآبار بالمعدات في المناطق المرصودة في هذا التحقيق وحدها، بالنظر إلى أن عدد الآبار التي خسرت معداتها يبلغ 2351 بئراً. لكن الأمر قد يذهب إلى ما هو أسوأ بالنسبة لبعض العائدين.
عاد المزارع أحمد الياسين إلى بلدة عطشان شمال محافظة حماة بعد سنوات طويلة من النزوح في مخيمات الشمال السوري، ليصطدم بواقع صعب، إذ كان عليه أن يختار بين ترميم المنزل المتهالك جرّاء القصف والنهب، أو إعادة حفر بئر في أرضه بعد ردم البئر الذي كان يعتمد عليه لسقاية أشجار الفستق الحلبي. يقول الياسين في حديثه للجمهورية.نت: «مع عودتنا في ربيع العام 2025، كنا بحاجة لترميم المنزل، إلا أنني آثرتُ حفر بئر لري أشجار الفستق بدل تجهيز المأوى. كانت كلفة تجهيز البئر عالية، حيث حفرتُ حوالي 300 متر وجهزتُ ألواح طاقة شمسية، إضافة إلى غاطس وأنابيب وشبكة تنقيط ومرشّات. فاقت الكلفة بمجملها 29 ألف دولار أميركي، استدنتُ 20 ألفاً منها على أمل التسديد من ثمن محصول الفستق الحلبي، وهذا حال 100 مزارع في بلدة عطشان لا سبيل لهم في الحياة سوى العمل في حقولهم الزراعية، والزراعة بحاجة إلى مياه لا تنقطع».
تصلُ كلفة حفر بئر بعمق مئتي متر إلى 5000 دولار أميركي بحسب الخبير الجيولوجي وصاحب شركة حفارات شمال غرب سوريا ثابت كسحة، وبالتالي يمكن تقدير كلفة إعادة حفر 1248 من الآبار التي تم ردمها في منطقة التقصّي بحوالي 6.2 مليون دولار. يُضيف كسحة أن الكلفة الكلية النهائية للبئر الواحد تتوقف على عدة أمور منها غزارة المياه وعمق تنزيل الغاطس وعمق حفر البئر، لذلك لا يمكن حساب الكلفة الدقيقة إلا بعد الانتهاء من الحفر ومعرفة مواصفات البئر الفنية.
بالتالي نتحدث عن خسائر مباشرة بأكثر من 64 مليون دولار في سبع بلدات ريفية صغيرة فقط. يواجه المزارعون هذه الأعباء الهائلة وحدهم اليوم، ويعجز بعضهم عن مواجهتها تماماً، فيما اضطر آخرون كثر إلى الاستدانة أو بيع أجزاء من أراضيهم، ما سيتركهم في مواجهة أعباء مستقبلية كبيرة.
ترافقت عودة النازحين إلى بلداتهم، وما وجدوه من نهب وتدمير مصادر ري مزروعاتهم، مع سنة جفاف غير مسبوقة طالت كافة الجغرافية السورية، وألقت بثقلها على أرياف حماة وإدلب أيضاً، ما أدى بالنتيجة إلى خسائر كبرى في الموسم الماضي. يصعب تقدير خسائر الإنتاج الزراعي على مستوى منطقة التقصي بسبب غياب البيانات، لكن العديد من الشهادات التي جمعناها من المزارعين المحليين تعطينا فكرة أوضح عن الخسائر الاقتصادية والمخاطر المتعلقة بالأمن الغذائي.
وجد حمدو دياب قداح، من بلدة الهبيط جنوب إدلب، نفسه مضطراً لتأجير محصول القمح لرعاة الأغنام بعد فشل الموسم بسبب ردم بئره وسرقة محتوياته من جهة، وعدم هطول الأمطار من جهة ثانية. يملك قداح حوالي 100 دونم، زرعها بالشعير والقمح مع عودته إلى بلدته الهبيط. في السابق، كان يدعم الموسمَ بالري من البئر إضافة إلى الأمطار، لكنه في الموسم الماضي لم يتمكن من حفر بئر بديل لبئره المردوم، ولم يهطل ما يكفي من المطر، ومع حلول الربيع لم يعد لديه خيار لتعويض بعض الخسائر سوى تأجير المحصول لرعاة الأغنام بسعر 2 دولار للدونم الواحد، بعد أن كلفته زراعة الدونم 75 دولاراً.
تحدثت مُعدّة التحقيق خلال مراحل العمل إلى 81 مزارعاً في أرياف حماة الشمالي والغربي، وإدلب الجنوبي، ومعظمهم تعرضت زراعاتهم المتنوعة بين القمح والشعير وحبة البركة والكمون واليانسون إلى التلف والجفاف جراء العطش، لينتهي بها الأمر إلى غذاء لقطعان الأغنام والماعز بأسعار بخسة.
يُعَدُّ القمح من المحاصيل الاستراتيجية في سوريا، فقد تجاوز متوسط الإنتاج السنوي بين عامي 1990 و2010 أكثر من أربعة ملايين طن، وبلغ الإنتاج ذروته في عام 2006، مسجلاً 4,9 مليون طن. تراجعَ محصول القمح تدريجياً عبر السنين نتيجة الجفاف، ثم نتيجة المعارك وانهيار البنى التحتية وتدمير مصادر الري، ليصلَ في 2025 إلى أقل من مليون طن حسب منظمة الأغذية والزراعة التابعة للأمم المتحدة (الفاو). وكانت المنظمة قد حذَّرت من أن الجفاف الحاد الذي تعرّضت له سوريا في 2025 قد يؤدي إلى فشل ما يصل إلى 75 بالمئة من محصول القمح المحلي، ما يُهدد الأمن الغذائي لملايين السكان. وبحسب تقرير الفاو الذي نُشر في مطلع شهر أيلول (سبتمبر) 2025، فإن المنظمة تتوقع عجزاً غذائياً يُقدّر بـ2.7 مليون طن من القمح هذا العام، وهو ما يعادل الكمية اللازمة لإطعام نحو 16.3 مليون شخص لمدة عام كامل.
في منطقتي الزيارة وقلعة المضيق، المشمولتين في المناطق المرصودة، بلغ إنتاج القمح 107000 طن في العام 2018، في حين لم يتجاوز 70 ألف طن في العام 2025 رغم الجهود الهائلة التي بذلها المزارعون العائدون من التهجير. وبحسب أرقام وزارة الزراعة والإصلاح الزراعي، تراجع إنتاج محصول الفستق الحلبي في محافظة حماة من 89 ألف طنٍ في العام 2018، إلى 41 ألف طنٍ في العام 2025.
يقول المهندس الزراعي أسامة العبدالله، الذي يعمل في مدينة مورك الشهيرة بزارعة الفستق الحلبي، إن تدمير الآبار أدى إلى خروج مساحات زراعية كبيرة عن الإنتاج وتصاعد مخاطر التصحّر. كما يقول إن التكاليف مرتفعة جداً على المُزارع المُنهَك العائد من مخيمات النزوح، نتيجة اضطراره إلى استخدام وسائل نقل مياه من مسافات بعيد، أو هجرة المنطقة مجدداً بحثاً عن مصادر الرزق بسبب العجز عن استعادة الإنتاج.
ويضيف العبدالله إن توقّفُ ري الأشجار أدّى إلى توقف النمو الخضري وزيارة جفاف الأغصان وسقوط البراعم الثمرية للعام القادم، إضافة إلى أن الجفاف أدى إلى انتشار الحشرات وأهمها حشرة الكابنودس التي تُصيب الأشجار الضعيفة، بالتالي موت أشجار كثيرة وخروجها من دورة الإنتاج للعام 2025.
ما ينطبق على الفستق الحلبي والقمح ينطبق على غيرهما من عشرات المحاصيل التي تنتجها المنطقة، بنسب متفاوتة حسب حاجة كل نوع من المحاصيل للمياه. وقد تزامنت عمليات ردم الآبار وسرقتها مع تدمير وقطع مساحات كبرى من أشجار الفستق الحلبي والزيتون في ريف إدلب الجنوبي وريف حماة الشمالي والغربي في السنوات نفسها، ما يؤدي إلى تفاقم الأثر الكارثي على المنطقة، ويثبت مجدداً السياسات التخريبية المتعمدة في المنطقة.
الخسائر الاقتصادية الناتجة عن ردم الآبار والنزوح والتهجير وتخريب الأراضي، والمتزامنة مع الجفاف وتراجع الأمطار، أكبر من قدرة المزارعين والجمعيات الفلاحية والإدارات المحلية على التعامل معها، وهي تحتاج جهوداً كبرى من الدولة والمنظمات والدول الداعمة. يقول كثير من المزارعين، الذين تحدثنا إليهم في سياق هذا التحقيق، إن الحكومة مُطالَبة بتعويضهم عن الأضرار التي لحقت بهم ومساعدتهم على مواجهة نتائجها.
تواصلت معدة التحقيق مع المديرية العامة للموارد المائية في محافظة حماة من أجل الحصول على إجابات حول أسئلة متعلقة بالجهود المبذولة والحلول المقترحة من جانب الحكومة لمشكلة ردم ونهب الآبار، إلا أنها لم تحصل على أي رد. ويبدو واضحاً أنه ليس هناك خطط حتى الآن، ولا موارد لتمويل هذه الخطط حتى إن وجدت، فيما يبقى المزارعون في مواجهة هذه المحنة الهائلة لوحدهم.
-