العفو الرئاسي السوري وإجراءات تركيا للمصالحة… صدفة أم تنسيق مسبق؟  المصدر: دمشق- النهار العربي

لاجئون سوريون عند نقطة حدودية تركية.
عندما بدأت الصحف التركية تسريب معلومات عن خطة إعادة اللاجئين السوريين قبل أن يعلنها الرئيس التركي رجب طيب أردوغان بنفسه في مطلع شهر أيار (مايو) الماضي، كان الرئيس السوري بشار الأسد يستعد لتوقيع ما وصف بأنه أوسع مرسوم عفو عام في تاريخ سوريا، شمل “الجرائم الإرهابية المرتكبة” قبل تاريخ 30 نيسان (أبريل) الماضي.
وحالياً، بينما يتزايد الحديث عن تدشين مسار المصالحة بين دمشق وأنقرة واعتبار عودة اللاجئين السوريين من تركيا إلى محافظات دمشق وحمص وحلب بمثابة خطوة تجريبية، يصدر الرئيس السوري مرسوماً يقضي بمنح مواطني محافظات حمص وحلب ودير الزور تسهيلات وإعفاءات توفر بيئة داعمة لأصحاب الفعاليات الاقتصادية بكل أشكالها داخل المدن القديمة في محافظات حلب وحمص ودير الزور، بما فيها الأسواق القديمة والتراثية.
هل هي مجرد صدفة أن تتزامن المراسيم الرئاسية السورية مع ما يصدر عن أنقرة من تسريبات ملتبسة حول طبيعة العلاقة مع دمشق ومصيرها وكيفية حلها؟
لا شك في أن العفو عن “مرتكبي الجرائم الإرهابية”، باستثناء ما أسفرت عن قتل إنسان، من شأنه أن يلعب دوراً في طمأنة شريحة واسعة من السوريين اللاجئين في دول الجوار، وبخاصة تركيا ويخفف ما لديهم من مخاوف العودة التي تشكل الملاحقات القانونية والقضائية أبرزها، وبالتالي يتلاقى إصدار مرسوم العفو مع خطة أردوغان الرامية إلى دفع مليون لاجئ سوري الى العودة “الطوعية والآمنة” إلى بلادهم.
وعلاوة على ذلك، فإن مرسوم العفو الذي أشادت به الأمم المتحدة عبر مبعوثها إلى سوريا غير بيدرسون، من شأنه أن يلعب دوراً في تدشين مسار “المصالحة الداخلية” أو بعبارة أخرى جعل المصالحة بديلاً من المحاسبة والمساءلة، وبالتالي إزالة عقبة كبيرة من أمام قاطرة الحل السياسي التي لم تستطع خلال سنوات طويلة أن تتجاوز الصعوبات التي أثارها مبدأ “الانتقال السياسي” و”محاسبة المسؤولين عن جرائم ضد الإنسانية”.
وكذلك فإن المرسوم الرقم 13 لعام 2022 القاضي بمنح تسهيلات غير مسبوقة لمواطني حلب وحمص ودير الزور، يتقاطع مع الخطوة التجريبية التي سربت المعلومات حولها صحيفة “تركيا” المقربة من حزب “العدالة والتنمية” الحاكم في أنقرة، لأن هذه التسهيلات كأنها صُبّت في قالب قانوني من أجل مخاطبة اللاجئين السوريين من أبناء هذه المحافظات وحثهم على العودة إلى المناطق التي هجروا منها.
لائحة التسهيلات
وتشمل التسهيلات الواردة في المرسوم السابق، المنشآت والورش والمحال التجارية إضافة الى المنازل السكنية الواقعة ضمن الحدود الإدارية للمدن القديمة في المحافظات الثلاث.
وأعفى المرسوم المنشآت والمكلفين وأصحاب الفعاليات الاقتصادية من كل الضرائب والرسوم المالية والمحلية التي تشمل أعمال الترميم وإعادة التأهيل سواء للمنشآت والمحال أو للمنازل حتى نهاية العام 2023، ونص أيضاً على إلغاء الضرائب والرسوم المالية المترتبة على الأرباح الناجمة عن ممارسة المهن والحرف الصناعية والتجارية وغير التجارية داخل المدينة القديمة، إضافة الى الإعفاء من ضريبة الدخل على كل المستحقات المالية التي يتقاضاها العاملون في هذه المنشآت حتى نهاية عام 2027.
وطوى المرسوم كل المطالبات المالية والرسوم وبدلات الخدمات ومتمماتها المترتبة على المنشآت وعلى المكلفين وعلى أصحاب الفعاليات الاقتصادية داخل المدينة القديمة قبل تاريخ نفاذ هذا القانون، كما ألغى المطالبات الضريبية المترتبة على ريع العقارات والعرَصات حتى نهاية هذا العام، وألغى أيضاً المطالبات التي ستترتب على ضريبة ريع العقارات والعرَصات حتى نهاية 2027.
كما ألغى المرسوم أجور الاشتراكات وقيم الاستهلاكات وفوائدها وغراماتها العائدة سواء في مجالات الاتصالات أم الكهرباء أم الماء والصرف الصحي، فيما لم تشمل الإعفاءات التي حملها هذا المرسوم الضرائب المترتبة على البيوع العقارية والإيجارات الخاضعة للقانون الرقم 15 لعام 2021.
وبحسب وكالة “سانا” الرسمية، تدعم هذه الإعفاءات والتسهيلات عودة الإنتاج والعمل والصناعة والحركة التجارية في الأسواق القديمة والتراثية، وتمنح المبادرين بالعودة وتشغيل محالهم امتيازات مالية لتسريع عودتهم تمهيداً لعودة الحياة الاقتصادية إلى المدن القديمة.
مناطق تجريبية
وكانت صحيفة “تركيا”، المقربة من حزب “العدالة والتنمية” نشرت تقريراً قالت فيه إن تركيا تريد أن تكون مدن حمص ودمشق وحلب، مناطق تجريبية لعودة “آمنة وطوعية” للاجئين السوريين في المرحلة الأولى، ثم يمكن توسيع المناطق.
وجاء في التقرير الصادر يوم الثلثاء 16 آب (أغسطس)، أن هذه الخطة التي ستكون على طاولة المفاوضات مع روسيا وإيران والنظام السوري، وستضمن سلامة اللاجئين في أثناء عودتهم وإعادة ممتلكاتهم، ومنحهم جميع حقوقهم الشخصية.
كما سيكون تنفيذ العملية من مسؤولية وحدات سياسية وعسكرية ودولية مستقلة تقبلها كل الأطراف، بما في ذلك الدول الضامنة.
وأوضحت الصحيفة التركية أن العائلات التي ستذهب إلى مناطق سيطرة النظام ستُزود بتمويل لبناء المنازل وأماكن العمل والأراضي، في حين ستُوفر الأموال بشكل أساسي من الاتحاد الأوروبي ودول الخليج.
وجاء تقرير الصحيفة في أعقاب تصريحات وزير الخارجية التركي مولود جاويش أوغلو، بأن المصالحة بين النظام السوري والمعارضة “أمر ضروري” لاستقرار وسلام دائمين في سوريا.
استثناءات
ولم يشمل المرسوم 13 محافظة دمشق التي يرد اسمها في الخطوة التجريبية لعودة اللاجئين السوريين. وفي ذلك يعتقد مراقبون للمشهد السوري أن عدم ورود محافظة دمشق ضمن المحافظات التي شملتها تسهيلات المرسوم لا يلغي إمكان تقاطعه مع الخطة التركية، ويبررون ذلك بأن مدينة دمشق لم تشهد معارك قتالية على أراضيها وبالتالي لم تتعرض لدمار وتخريب كمحافظتي حلب وحمص.
أما عن شمول محافظة دير الزور في المرسوم رغم أنها غير مشمولة ببنود الخطوة التجريبية لعودة اللاجئين التي لا تشمل سوى محافظات حلب وحمص ودمشق، فقد يكون لدى أنقرة اسبابها التي تمنعها من الحديث عن محافظة دير الزور بسبب انتشار القوات الأميركية هناك وبالتالي لا تريد الكشف عن أي خطوة من شأنها استفزاز البيت الأبيض. وقد تكون ثمة قطبة مخفية دفعت دمشق إلى توسيع دائرة التسهيلات لتشمل محافظة دير الزور، لا سيما أن دمشق لم تعد تخفي مطالبتها بضرورة انسحاب القوات الأميركية فوراً ومن دون شروط من الأراضي السورية.
من الصعب التأكيد أن هذا التزامن بين المراسيم السورية والإجراءات التركية نابع من تنسيق مسبق بين البلدين أو بناء على وساطة من بلد ثالث، روسيا أو إيران على سبيل المثال، ولكن في المقابل لن يكون من السهل أيضاً تصديق أن هذا التزامن لمرتين متتاليتين جاء بمحض الصدفة، إلا إذا كانت الصدفة هي تسمية دبلوماسية لما يجري تحت الطاولة، بعيداً من أعين الإعلام.