أنس حمدون:
أعرف مسبقًا أن العنوان وحده كفيل بإطلاق سلسلة من الاتهامات الجاهزة، لكن لا بأس من مواجهتها، لأن الموضوع يستحق، ولأن هناك ما يجب أن يُقال مهما كانت قابلية الآخر للاستماع محدودة.
بعيدًا عن الموضوع السياسي المتعلّق بمفاوضات التحاصص بين السلطة و«قسد»، تكمن المشكلة في التباس المصطلح نفسه: ماذا نعني حين نقول إن سوريا «عربية»؟ هل نتحدث عن لغة؟ عن ثقافة؟ عن قومية؟ أم عن خيار سياسي صيغ في لحظة تاريخية معيّنة، ثم تحوّل مع الزمن إلى مسلّمة مقدّسة لا تقبل النقاش ؟
لنبدأ من الاسم الرسمي: “الجمهورية العربية السورية”.
الإشكالية الأولى تكمن في استخدام كلمة «الجمهورية» لوصف كيان لم تنطبق عليه هذه التسمية في أي مرحلة من تاريخه الفعلي، باستثناء ومضات قصيرة واستثنائية أعقبت الاستقلال. لكن هذا موضوع آخر.
ويُضاف إلى ذلك أن مفهوم «الجمهورية» يفترض نظامًا مركزيًا محايدًا وديمقراطيًا، لا يبدو أن الطريق إليه سالكًا أو واقعيًا في السياق السوري الراهن.
أما الكلمة الأكثر إشكالية، فهي الصفة التي تُقرن بهذه الجمهورية الافتراضية: «العربية».
فهي ليست مجرد توصيف بريء، بل ادّعاء لتعريف هوية البلد تعريفًا نهائيًا، يضع مكوّنًا واحدًا في موقع الأصل، ويترك سائر المكوّنات في موقع «الملحق» أو «الاستثناء» أو حتى «الضيافة».
«العروبة» بالمفهوم القومي مشروع سياسي طارئ على السياق التاريخي ظهر مع عصر النهضة ثم تضخّم في القرن العشرين بوصفه حلمًا للوحدة العربية في مواجهة الاستعمار والتجزئة قبل أن يتخذ موقع الدائم.
هذا السياق مفهوم تاريخيًا حين كانت هناك حاجة إلى رواية جامعة تُنتج معنىً مشتركًا لشعوب خرجت من الإمبراطوريات ووقعت تحت الانتداب.
لكن ما كان «رواية تعبئة» تحوّل في دول عديدة إلى «تعريف هوية الدولة»، أي إلى آلية شرعنة قسرية لمشروع سياسي واحتكار دستوري للهوية.
المشكلة أن هذا المشروع، كترند سياسي، انتهى عمليًا منذ عقود، ومن هنا يصبح الإصرار على كلمة «عربية» داخل الاسم الرسمي لسوريا استمرارًا لزمن سياسي قديم، لا وصفًا دقيقًا للبلد كما هو.
ثم إن اختزال سوريا في “عروبتها” ليس مجرد خطأ لغوي، بل هو خطأ في فهم تاريخ سوريا نفسه.
سوريا ليست بلدًا أحادي الأصل، بل نتاج طبقات تاريخية متعاقبة، وعلى مستوى التكوين القومي تضم مكوّنات أصيلة سبقت العرب أنفسهم، وقوميات وافدة استقرّت تاريخيًا وأصبحت جزءًا من النسيج الثقافي والمجتمعي، مع تنوّع ديني ومذهبي واسع ومركّب داخل هذه المكوّنات.
هذه المعطيات ليست هامشية، بل جوهر بنية البلد، وأي اختزال لها في قومية واحدة — هذا إذا اعتبرناها فعلًا قومية — لا يفضي إلا إلى دولة أحادية تُمارس الإقصاء داخليًا باسم هوية افتراضية «جامعة» خارجياً.
لذلك، فإن الدعوة إلى مراجعة «العروبة» في تعريف الدولة ليست استرضاءً لأحد ولا اعتداءً على أحد، بل هي احترام لسوريا ذاتها.
قد يعترض البعض بأن اللغة العربية هي لغة الأكثرية. وهذا صحيح. وأنا من أكثر الناس تمسّكًا بها وعشقًا لها. لكن حب اللغة شيء، وتحويلها إلى “هوية قومية للدولة” شيء آخر.
العربية، تاريخيًا، لم تكن عِرقًا صافياً ولا قومية مغلقة، بل وعاءً ثقافيًا تمدّد عبر الإسلام لأنه استوعب حضارات، وترجم علومًا، وفتح أبوابًا للقاء لا للإلغاء. هي أداة انتماء ثقافي رحب، لا قالبًا دستوريًا يُختزل فيه بلد كسوريا على قياس سردية واحدة.
و ما نحتاجه اليوم ليس نزع العربية من المجال الثقافي، بل نزعها من موقع “التعريف القومي للدولة”. أي أن تبقى العربية لغة جامعة وفضاءً للتواصل، لا بطاقة هوية سياسية تُكتب فوق رؤوس الناس.
لأن الدولة الحديثة ليست قبيلة ولا قومية مهيمنة، بل عقد يقوم على التساوي والمواطنة والحياد، ويتيح الاختلاف دون تحويله إلى تهديد أو إقصاء.
ولهذا، كما نرفض تعريف سوريا كدولة إسلامية لأن ذلك يجعل الدين معيارًا سياسيًا للإقصاء، يجب أن نرفض أيضًا تعريفها كدولة عربية بالمفهوم القومي، لأنه يحوّل اللغة والثقافة إلى أداة تفوّق رمزي ويضع غير العرب في موقع الأقلية الناقصة الهوية.
نعم، سوريا ليست دولة عربية، وهي اليوم ليست دولة أصلًا. الأولوية أن تصبح دولة بهوية جامعة، لا تُختصر قسرًا في هويات جزئية وإقصائية.
سوريا تبدو اليوم فضاءً جغرافيًا مفككًا وغير متجانس، يتعثّر في سعيه لأن يتحوّل إلى دولة وطنية. غير أن تاريخها الطويل يشهد بأن هويتها تعددية بطبيعتها، وأوسع من أن تُختزل في دين أو قومية. واحترام هذه التعدّدية لا يهدد وحدة سوريا، بل يشكّل شرطًا ضروريًا للحفاظ عليها.