ليست الرواية هنا مجرد حكاية عن معاناة الهجرة ومتاعب الغربة بالمفاهيم الكلاسيكية، بل هي في واقع الأمر تأمل فلسفي في علاقة الشرق بالغرب أو الجنوب بالشمال، ممّا جعل المعادلة الاستعمارية تنقلب رأسًا على عقب، وتدفع بفكرة إعادة النظر في مفهوم المركز والهامش إلى واجهة السؤال.
يضع الطيب صالح في نصه هذا المكثف لغةً وأسلوبًا الغربَ بكل مفاهيمه الحضارية أمام مرآة الثقافة في الجنوب، ليكشف بذلك وجهًا آخر للاستعمار غير السياسي والعسكري المتعارف عليه، وهو الاستعمار النفسي والثقافي، وهو لا يقل وطأة عن الاستعمار التقليدي.
في هذه الرواية التي حافظت على نضارتها عبر تقدم الزمن تتحول الهجرة من انتقال جغرافي مادي ملموس إلى صدام ثقافي وفكري عميق. فالشمال يرمز إلى أوروبا والحداثة الغربية بكل تناقضاتها وما آلت إليه إثر ذلك، بينما يجسد هذا الجنوب الأصالة والذاكرة والجذر الإنساني الذي يتشبث به الإنسان العربي أمام تيار التغريب. لذلك لا يمكن اعتبار هذه الرواية عملًا أدبيًا يقدم الهجرة مثل حلّ مثالي للخلاص كما هو الوضع الآن بتهافت أهل الجنوب على الهجرة إلى الشمال بحثًا عن الرزق والحرية، بل يؤكد أنّه فعل بديل لمقاومة داخلية يواجه فيه المستعمَر ظله.
إنها تبدو مثل رحلة من المحيط الخارجي المادي للإنسان إلى داخله حيث العمق المعطوب في صمت، رحلة من نهر النيل إلى نهر التايمز على قارب الأدب حيث يجدف مصطفى السعيد بخياله مثل غازٍ رافعًا لواء حربه، رحلة من الجسد المنتهك تحت الحذاء الاستعماري إلى الوعي بالجسد باعتباره سلاحًا قادرًا على انتهاك الجزء الضعيف من جسد المستعمِر وهو المرأة، لتكشف هذه الرحلة رغم فرديتها كيفية تحول “التحرر” الظاهري إلى اغتراب مضاعف شوّه الذات التي كانت معطوبة فقط فباتت ذاتًا هجينة تكاد تكون مشوشة الهوية أو بلا هوية أصلًا.
يقف مصطفى سعيد، وهو المصطفى أي المختار من خلال تفوقه الدراسي وتميزه العلمي لتدريس الاقتصاد في أهم جامعات لندن، والسعيد افتراضيًا بفضل دخوله إلى نخبة المجتمع الإنكليزي، بتلك المواصفات التي اختارها له الطيب صالح يقف في مركز النص رمزًا للهوية الممزقة بين الشرق والغرب. ابن قرية سودانية متواضعة، نابغة في الرياضيات، اصطفاه القدر ليصبح أسطورة شرقية في لندن وخاصة في مخيلة النساء الإنكليزيات، اللاتي اعتبرهنّ أرض معركة عليه الانتصار فيها انتقامًا من المستعمِر وهو العدو القديم، حتى لو كان ذلك انتصارًا رمزيًا، غير أن هذا الانتقام لن يمنحه الانعتاق الذي كان يبحث عنه، ذلك أنّ كل علاقة حدثت له مع امرأة من ضحاياه تتحول إلى مسرح جريمة ودمار إنساني مثل مقتل جين موريس في مشهد مرعب يمزج الشهوة بالموت والعبثية.
في منزله في قريته في السودان سيكتشف الراوي الغرفة السريّة لمصطفى سعيد التي ستمثل صندوق أسراره وتشوّه روحه بين الثقافتين. في هذه الغرفة في القرية الصحراوية سيعثر الراوي، من خلال الأثاث الإنكليزي والمكتبة المليئة بالكتب والصحف والمدفأة العجيبة الغريبة في مناخ صحراوي، على الوجه الآخر لمصطفى سعيد الذي لم يقدر على التخلّص من الاستعمار الثقافي الغربي بشكل كامل وجلي إذ استساغته روحه التوّاقة إلى التفتح الإنساني، أمّا غرقه في نهر النيل فقد مثّل ذروة الرمزية لانهياره وسقوطه في الخذلان: وهنا نرى الجنوب وهو يبتلع آثار الشمال التي بقيت موشومة داخل روح مصطفى سعيد المشوهة لنتأكد أنّ الانتقام الذي قام به والانتقام عمومًا لا بد له من أن ينتهي بفناء الذات المنتقِمة.
أمّا الراوي مجهول الاسم، والذي أعتقد أنه مثّل الوجه الآخر لمصطفى سعيد، فقد عاد من إنكلترا إلى القرية مثقلًا بصدى رحلته إلى الشمال، متعلم متشبع بالثقافة الغربية، غير أنّه كان يحمل حنينًا إلى الحياة الجنوبية البسيطة مثلما ظلّ مصطفى حاملًا لحنين ما إلى الثقافة الغربية، مما يدفع إلى طرح السؤال الأساسي في كلتا الحالتين: هل يمكن للإنسان العربي أن يكون حداثيًا من دون فقدان جذوره وأصالته؟
ويمثّل حضور المرأة بجسدها ورمزيته في الرواية وفي الثقافتين المتقابلتين على ضفتي المتوسط فضاءً للمعركة كما اختار الطيب صالح أن يفعل، فجعل من نساء الغرب فريسة للانتقام، من وجهة نظر مصطفى سعيد، من مستعمر جائر. وفي مقابل ذلك نجد حسنة بنت محمود، زوجة مصطفى ثم الراوي، تعاني في الجنوب نفس التمزق النفسي الأنثوي وإن اختلفت الظروف. فهي ضحية سلطتين: الرجل والمجتمع في آن واحد، ممّا دفعها هي الأخرى إلى اختيار الجريمة للنهاية، فتقتل زوجها وتلقي بنفسها في النيل لتنتحر غرقًا، مكررة مصير مصطفى زوجها وقد أصاب روحها بعدوى الارتباك بين ثقافتين.
ولعل المرأة في هذا العمل الخالد ترمز حقيقة إلى فكرة الأرض المغتصبة والجسد الذي يُقهر ويُنتهك مزدوجًا: من خلال الاستعمار من جهة، ومن جهة أخرى من خلال البطريركية، في نقد واضح للاستعباد الذكوري في المجتمعات ما بعد الاستعمارية.
وتصبح القرية السودانية عندئذ عالمًا مصغرًا يعكس جدلية التمزق بين مفهوميْ التراث والحداثة، وفضاءً نابضًا بالحكمة الشعبية أمام تعقيدات الغرب الحديث. أما نهر النيل، فقد جعله الطيب صالح رمزًا ومَحْمَلًا لمعانٍ مزدوجة المفاهيم مثل: الحياة والموت، الذاكرة والمصير. أمّا أسلوب الطيب صالح فقد تميز بالتكثيف وجمالية اللغة إلى جانب تعدّد الأصوات وتشظي الزمن، حيث تتداخل الرواية في دوائر زمنية بين ذاكرة الراوي ومصطفى والمذكرات.
هذا الأسلوب الفني البديع يخلق انفعالات نفسية لدى القارئ تدفعه إلى عيش نفس الشعور بالحيرة والارتباك الذي سكن أبطال الرواية، إلى جانب الغرق في الإحساس بالاغتراب والخصاء الثقافي.
في ختام الرواية، حين يصرخ الراوي وهو يغرق في النيل: “ساعدوني!” تبلغ الرواية ذروتها، لتظل تلك الصرخة بمثابة نداءٍ وجوديٍ مترددٍ في الوجدان العربي الذي ظلّ وما يزال عالقًا ومرتبكًا بين عالمين مختلفين هما ثقافة الجنوب وثقافة الشمال. والنهاية هنا لا تخصّ الشخصية الروائية فحسب، بل هي نهاية مفتوحة ورمزية للإنسان العربي الحديث الباحث عن توازن بين الأصالة والمعاصرة.
وتظل رواية “موسم الهجرة إلى الشمال” للطيب صالح نصًا بديعًا حيًا نابضًا على الدوام وفي كل الأزمان مهما اختلفت الظروف، مذكرًا بأن الغربة الحقيقية لا تتمثل في فعل الهجرة فقط، بل في تشوه الذات وفقدان الانتماء الكامل لثقافتها، كما أنّه سيظل نصًا عميقًا يؤكد أنّ الكتابة هي دومًا فعل مقاومة ضدّ النسيان، مقدّمًا لكل من يغوص في أعماقه دعوة أبدية إلى استعادة الهوية كسؤال إنساني لا ينتهي ولا يموت.