أحمد وآهنك طفلان في القامشلي سلبت مُسيّرة تركية حياتهما وأحرقت قلوب أحبتهما. نورث برس

القامشلي – نورث برس

لا تستوعب فايزة فرمان، أنها فقدت فلذة كبدها إلى الآن، تقضي جُلّ وقتها تتلمّس وجهه على صور تذكارية تارة، وتارة  تتصفّح أخرى على جوالها، تخاطبه وتطلب منه الحديث معها وكأنه حي.

في ذات الغرفة وعلى بُعد أمتار منها، يُسمع صوت الأب المُصاب بشدة في الهجوم، يحاول تهدئة زوجته والتخفيف من ألمها، رغم علمه أنه يفشل في ذلك، فهو يدري جيداً أن تقبُّل حقيقة رحيل طفله أحمد شيبي ذو الـ  17ربيعاً، عن المنزل، ليس بالأمر السهل.

مضى ثلاثة أسابيع على فاجعة أحمد، وابن عمه آهنك شيبي(15 عاماً)، ولا زالت الوالدتان تلبسان الأسود حداداً على فراقهما، وتبكيان فقدانهما.

في السادس من الشهر الجاري، كان آهنك وأحمد، يساعدان والد أحمد في محله الخاصّ لصيانة وبيع قطع المولدات الكهربائية في حي الصناعة بالقامشلي.

وقبل أن ينهوا العمل في تأمين قطع غيار لمولدة أحد الزبائن، استهدفت طائرة مُسيّرة سيارة مركونة بالقرب من محلهم.

عرف من كان يتواجد في الحي آنذاك ما جرى، وعُلم أن الهجوم قد خلّف ضحايا مدنيين، بينهم أطفال، لكن لم يجرؤ أحد على أن ينقل خبر وفاة الطفلين إلى أمهما بعد معرفة هويتهما.

قلب الأم دليلها

عند سماعها صوت الانفجار، حاولت “فرمان”، الاتصال بطفلها وزوجها، لكن رنين الهاتف ينتهي دون ردّ.

تقول مستذكرة كل التفاصيل، “خرجت إلى الشارع باتجاه المحل، صادفت رفاقهما في الطريق وأخبروني أن أحمد ووالده بخير، لكن قلبي لم يطمئن”.

عرفت الأم وبعد إلحاح شديد أن زوجها في مشفى الرحمة بالمدينة، يتنقل من قسم إلى آخر نتيجة إصاباته البليغة.

وبينما هي مفجوعةٌ بما تعرّض له زوجها من إصابات، حيث الشظايا ملأت جسده، تلقّت خبر فقدان طفلها لحياته.

الهجوم حينها أودى بحياة خمسة أشخاص بينهم الطفلان أحمد وآهنك، اللذان يرقدان حالياً بجوار بعضهما في مقبرةٍ ضمن المدينة، بينما وضُعت صورهما على شاهدة قبرهما.

تحاول “فرمان”، أن تتمالك نفسها لتحكي ما في قلبها من وجع على فقدان فلذة كبدها، فتقول أمام عدسة نورث برس، “الله يأخذ حق أحمد من الظلّام”.

تنهار دموعها، وتُضيف، بعد صمتٍ دام بضع ثوانٍ، “إنهم أطفال، كانوا يعملون لمساعدة آبائهم (…) أحمد وآهنك ما ذنبهما أن يُقتلا وهم في ربيع أعمارهما, هما أبرياء .. الله ينتقم من إلي كان السبب”.

وبينما تسترق النظر إلى زوجها علاء الدين شيبي، الذي تستقر في قدماه ما يقارب 33  شظية ملتصقة بالشرايين، ولم يتمكّن الأطباء من إخراجها حتى الآن، تزيد الأم على كلامها، “كان رفيق أباه بالعمل يرافقه أينما ذهب، لا ينام الليل دون رؤية والده، كان متعلق به جداً”.

“ما ذنب الطفلين”

بعد يومين من الهجوم، شارك الآلاف من سكان القامشلي في مراسم تشييع الطفلين، وبقي علاء الدين، في المشفى برفقة صورة طفله، لم يساعده وضعه الصحي أن يحمل جثمان أحمد على أكتافه كما اعتاد ذوي الضحايا أن يفعلوا، بكى لحين عاد الجميع من المراسيم.

يقول الأب المفجوع، “عندما رأيت إصابتي شعرت أنني سأفارق الحياة ونطقت الشهادة، لكني لم أفقد الوعي، رأيت أحمد على جانبي نظرت إليه وقلت في نفسي ابني مات”.

وهو في حالته تلك، كان يطلب علاء الدين، المساعدة من الناس “لكنهم كانوا يخافون الاقتراب، أمعائي تقطّعت بسبب الانفجار”.

لم يكن الأب يُدرك أنه سيواجه هذا الموقف الأليم يوماً، كان طفله يرافقه إلى العمل، “كان يستيقظ قبلي مُفعماً بالطاقة، ويقوم بتشغيل السيارة، ليستعد ليومٍ جديد”.

وأحمد وآهنك، لم يكونا أول طفلين ضحية الهجمات التركية، ففي السادس عشر من الشهر الجاري، فقد طفل حياته وأُصيب أربعة آخرين في قصفٍ تركي طال كوباني وريفها.

أما آهنك، الذي كان يعمل في عطلته الصيفية مع عمه علاء الدين، كان أمامه طموحاً أن يصبح حارس مرمى شهير عندما يكبر، ويستعد لارتياد المدرسة الثانوية في العام الدراسي المقبل، لكن لم يسعفه الوقت.

يتساءل والد آهنك، أكرم شيبي  بكلمات مؤثرة: “ما ذنب الطفلين في هذه الحرب؟ لم نحارب أحد، فقط نريد العيش على أرضنا بسلام, ولا نريد الشرّ لأحد”.

وتجلس والدة آهنك، محفوظة عمر(40 عاماً)، بالقرب من صورة طفلها وتنحب على رحيله باكراً، وتقول، “أطفالنا لم يحملوا السلاح، ولم يحاربوا، فلماذا يتمُّ استهدافهم وقتلهم؟”.

تُضيف “عمر” التي يبدو من نبرة صوتها، مدى حزنها على طفلها، “الله ينتقم منهم”، في إشارة منها إلى تركيا.

 إعداد: نالين علي- تحرير: هوزان زبير