جائزة كتارا لروايتها الأولى.. فتحية دبش والمقاومة بالحب والكتابة  صدام الزيدي  ضفة ثالثة

img
أدب وفن 0 editor Hossein
غلاف رواية “ميلانين” الفائزة بجائزة كتارا والروائية فتحية دبش

قالت الروائية والمترجمة التونسية المقيمة في فرنسا، فتحية دبش، الفائزة بجائزة كتارا في فئة الروايات العربية المنشورة في دورتها السادسة لهذا الموسم (التي أعلنت نتائجها أمس الأول الثلاثاء بالعاصمة القطرية الدوحة)، إن ما تحققه جائزة كتارا من نجاحات كفيل بجعلها من أهم الجوائز الأدبية العربية.
وعن مشاعرها وهي تتلقى نبأ فوزها بهذه الجائزة عن روايتها الأولى “ميلانين”، قالت دبش إن “للفوز وبقطع النظر عن اسم الجائزة طعم الفرح والسعادات والتحليق.. انفعالات قد لا نعيها في اللحظة ولكننا حالما نهدأ نفتح القلب ونطلق زفرة ونقول: ’لقد فعلتها’”.

ضحكت وبكيت ورقصت
وأضافت دبش متحدثةً لـ”ضفة ثالثة”: “حين تلقيت خبر فوز روايتي (ميلانين) بالجائزة، وضعت الهاتف إثر الاتصال وتركت لجنوني الحلول في جسدي. لا أدري كيف تمالكت نفسي وشكرت المتصل. دخلت مباشرة إلى المواقع التواصلية أبحث عن يقيني. ثم ضحكت وبكيت ورقصت”.
وتابعت أنها أثناء تلقيها الخبر كانت في البيت وحدها، تقوم بترتيب فصل من كتاب نقدي مشترك يُستعجل صدوره، كاشفةً أنها ترددت في رفع سماعة الهاتف للوهلة الأولى “خاصة وأن العروض التسويقية القادمة من خارج فرنسا على الهاتف لا تهدأ وتسبب لها الصداع”، كما تقول. واستدركت دبش قائلة: “كم كانت بعيدة مني الجائزة”، منوهة في السياق نفسه بأنها لم تكتب “ميلانين” لغرض الجوائز ولا للفوز أو لمحاولة إحداث صدمة، إنما كتبتها لغرض الإبداع ولغرض القضية التي تطرحها حبًا في الكتابة الملتزمة والتزامًا بها.

مغامرة روائية
وتعترف فتحية بأن فكرة فوز روايتها بجائزة كتارا كانت بعيدة تماما عن ذهنها خاصة وأنها عندما أرسلتها لم تكن أبدًا تتوقع فوزها “فالتجريب في ميلانين مغامرة وللمغامرة شق آخر قد لا يستسيغه بعض النقد”. لكن بعد أن تأكدْت من أنها فازت فعلًا في فئة الروايات العربية المنشورة “استعدت نفسي وصحت: لقد فعلتها… فعلتها ميلانين وفازت. فعلها النقد وقبِل ميلانين بكل جنونها”.
وعن ظروف كتابتها لروايتها الأولى “ميلانين” التي حصدت جائزة كتارا المكرسة للرواية العربية، أوضحت دبش أنها كتبت الرواية بلذة وبوجع، مشيرة إلى أنها رواية تقنية وثيمات كثيرة: “كتبتها وأنا مليئة بالأسئلة وأنهيتها وأنا ممهورة بالأسئلة الأخرى”، مبينةً أنها اعتمدت فيها التجريب فكان التداخل الأجناسي واللغوي وغيرهما وكان أيضا تقاطع القضايا: قضايا الإنسان المختلف، قضايا الأنا والآخر، قضايا الهوية المركبة والتقاطعية والمتشظية.
وتابعت في هذا السياق بأنها لم تكتب “ميلانين” دفعة واحدة ولا كتبتها بصفة مسترسلة، بل كانت تغرق نفسها في تفاصيلها وكلما انتهت من بعضها استغرقت وقتا لتقتلع نفسها منه ولتواصل الكتابة؛ “وكنت أيضا منشغلة ببعض المخطوطات الأخرى والترجمة ومشاغلي الأخرى لذلك كنت أحيانا أتركها طويلا قبل أن أعود. وفي كل عودة كنت ألزم نفسي بتدقيق جديد”.

تونسية سوداء في فرنسا
صدرت “ميلانين” في العام المنصرم 2019، في طبعتين أولى ثم ثانية، عن دار “ديوان العرب” للنشر والتوزيع ببور سعيد- مصر، في 177 صفحة من القطع الوسط. الشخصية الرئيسة في المتن السردي للرواية تدعى أنيسة عزوز: صحافية تونسية تذهب إلى باريس في إطار العمل للتحقيق في موضوع المهاجرين العرب في فرنسا. تكشف عن جملة من العلاقات المتشابكة بين مفهوم الهوية الثابتة والهوية المتحولة ومن خلال هذا التحقيق تطرح أنيسة قضيتها هي كتونسية سوداء تعيش الإقصاء في تونس، ومن ثم تتقاطع الرؤى حول مفهوم الهوية والأنا والآخر وتطرح منطقة ثالثة بين منطقتين في تقديم رؤية لسؤال الهوية.
تدور أحداث الرواية بين تونس وفرنسا (الجنوب والشمال)، وتختلط الأزمنة بين حاضر وماض ومستقبل. ولا إشارة تاريخية دقيقة لزمن الرواية إلا في يوميات أنيسة عزوز والتي تؤطرها بـ”شتاء السترات الصفراء بفرنسا”، وهو حراك بدأ في خريف 2018.
تتقاطع حكاية أنيسة عزوز بحكاية رقية القايد وسهيل ولورانس وتصبح حكايات متناسلة لنفس القضية: الهوية. وتنتهي أحداث الرواية في نهاية مفتوحة، بالعودة إلى ذكريات الطفولة وبخبر يزفه أحمد إلى أنيسة يتعلق بنتيجة التحليل الجيني.


رواية ثانية
في القصة القصيرة، صدرت لفتحية دبش مجموعة قصصية قصيرة جدا بعنوان “رقصة النار”، عن دار الثقافية للنشر بالمنستير- تونس، 2017. ثم في 2018، صدر لها إصدار ثان في القصة القصيرة بعنوان “صمت النواقيس” وهو مجموعة قصصية سردية هجينة، عن دار “تطوير المهارات” للنشر والتوزيع بالقاهرة- مصر.
في “رقصة النار” التزمت دبش بالتجنيس، لكنها التزمت باختراقه والتجريب في “صمت النواقيس”. تناولت في المجموعتين قضايا إنسانية تمتد من قضايا الطفل وزنا المحارم مثلًا إلى قضايا المرأة والعنف المسلط على الإنسان عموما: سرد القضايا أكثر منها سرد الحكايا.
إلى ذلك، كشفت الروائية فتحية دبش في سياق حديثها لـ”ضفة ثالثة” عن رواية ثانية لها قيد الكتابة، ستكون جزءًا مكملا لرواية “ميلانين”، وعلقت بهذا الصدد قائلةً: “عجبا للحكايا والقضايا حين تتناسل وتتزايد وتتكاثر في جماجمنا.. روايتي الثانية مخطوط يصعد نحو النور قليلًا قليلًا”.

تجربة كوفيدية
قبل أشهر، واجهت الروائية والمترجمة فتحية دبش، كوفيد19، وجهًا لوجه، عندما تأكدت إصابتها بالعدوى، حيث تقيم في مدينة ليون الفرنسية. وكان عليها أن تخوض حربًا ضروسًا مع المرض في حجرة معزولة ببيتها على مقربة من زوجها وطفليهما، ما دفعها للاعتماد على تعليمات الطبيب وأيضا على وجبات شعبية من الأعشاب من الموروث التونسي القديم.
عن هذه التجربة الكورونية التي خرجت منها متعافية بمشيئة الله، تقول دبش: أنا لم أخرج من حربي ضد كورونا. انتصرت عليها ولكنني لا أركن إلى الطمأنينة مخافة أن تأخذني على حين غفلة. حين انزرع كوفيد19 فيّ كنت أوشكت على الهلاك. رأيت زوجي يبكيني، رأيت طفليّ يبكياني، رأيت أسرتي تبكيني وحتى مخطوطاتي والقضايا التي سوف أكتب… كل شيء كان يرثيني بينما كنت أغالب المرض. كنت أخشى أن أركن إلى النوم فلا أستفيق. كل ذلك لم يكن يثنيني عن التفكير بقضاياي ويفتح شهيتي على كتابات أخرى وكنت أرغم نفسي على المقاومة بالحب وبالكتابة. كان الحب عسيرا ومن خلف حجاب. كان الحب يصلني في ذبذبات الصوت وفي ما يمكن لي التقاطه والزج به في معدتي اليابسة وفي أحضان تروم حضني ولا تصلني. وحدها الكتابة كانت شبه ممكنة. فكنت أحاول إملاء بعض الجمل على جهازي أو كتابتها إلى أن صارت تسمى “جداريات العزلة” وهو مخطوط محترم، هو الآخر ينتظر.
وبهذا الصدد تجد فتحية دبش أن التجربة الكوفيدية المريرة التي خاضتها لأيام، علمتها أن الغرور بالدنيا خسران وأن الحب وحده، ذلك الذي كنا نضن به على الآخرين وهو اليوم ممنوع عنا وممنوعون عنه، هو وحده الدواء.

الانتصار بالحب
وتضيف متابعة استذكار يوميات المواجهة مع كورونا: “هذا الوباء جعلني أنظر حولي: كم كان هينا أن نتهادى حضنا وابتسامة وكلمة طيبة ونظرة طمأنينة.. لكننا لم نكن نفعل! كنا ننساق وراء عدوانيتنا حتى جاء كوفيد19 وحرمنا من كل ممكن. عندها فقط فهمنا أن الحياة تشبه الموت بلا حب ولا لقاءات ولا جلسات حول قهوة في شارع مزدحم ولا بسمات ترتسم فتنقشع سماواتنا. وفهمنا أنه لكي نحيا لا بد أن نتباعد وأن نتحابّ بشكل مختلف. هذه التجربة جعلتني أكتب تقريبا بشكل يومي. أكتب في كل شيء كأنني سأموت غدا وفي لا شيء كأن أمامي الدهر. كتابات أنشرها على الفيسبوك وأرصد تفاعلات الأصدقاء والمتابعين وانفعالاتهم وأحاول أن أحمل شيئًا من الحرص والحب للجميع”.

كتارا 2020
مساء الثلاثاء 13 أكتوبر/ تشرين الأول 2020، في فعالية أقيمت هذا الموسم عن بعد في ظروف جائحة كورونا، وتحت إشراف المنظمة العربية للتربية والثقافة والعلوم (ألكسو)، أعلنت المؤسسة للعامة للحي الثقافي كتارا بالدوحة، أسماء الفائزين بمختلف فروع الجائزة (الدورة السادسة 2020)، بمناسبة اليوم العالمي للرواية، حيث شهد هذا العام مشاركة كثيفة، وبلغ عدد الروايات المرشحة لفئة الروايات المنشورة، التي تعتبر الجائزة الأبرز ضمن جوائز كتارا، 930 رواية.
وفي سابقة هي الأولى، فاز الشاعر والروائي الفلسطيني الأردني إبراهيم نصر الله بجائزة كتارا للمرة الثانية، فئة الرواية المنشورة، عن روايته “دبابة تحت شجرة عيد الميلاد”، ليكون بذلك أول روائي عربي يفوز بهذه الجائزة عن هذه الفئة مرتين. وإلى جانب إبراهيم نصر الله وفتحية دبش، توج كل من الشيخ أحمد البان (موريتانيا)؛ فاتن المر (لبنان)؛ محمد المخزنجي (مصر)، بجوائز كتارا- فئة “الروايات العربية المنشورة”. وتبلغ قيمة كل جائزة 60 ألف دولار أميركي، إضافة إلى ترجمة الروايات الفائزة إلى اللغة الإنكليزية.
وفي تصريح صحافي، قال الدكتور خالد بن إبراهيم السليطي، المدير العام لـ “كتارا”، إن إقامة الدورة السادسة لهذه الجائزة عن بعد، فرضته جائحة كورونا كوفيد19، وكان من الصعب تأجيلها نظرا لارتباطه باليوم العالمي للرواية الذي اعتمد في الدورة العشرين لمؤتمر الوزراء المسؤولين عن الشؤون الثقافية في الوطن العربي، بمبادرة من كتارا.
كما أوضح السليطي أن فعاليات الدورة المرتقبة سيتم تنظيمها بكامل الفعاليات المصاحبة للدورات السابقة من خلال منصات ومعارض افتراضية، معربا عن أسفه من أن الفائزين في الدورة السادسة للجائزة لن يتمكنوا من تشريف حفل توزيع الجوائز بالحضور شخصيا إلى الدوحة، ونأمل أن يشرفونا في حفل توقيع أعمالهم الفائزة في الدورة السابعة للجائزة في 2021، ريثما تنفرج أزمة جائحة كوفيد19.

سيرة
فتحية دبش روائية وكاتبة قصة وناقدة ومترجمة، من مواليد مدينة مارث بتونس، متزوجة وأم لطفلين.
زاولت تعليمها الابتدائي والثانوي والجامعي في جزء منه بتونس قبل أن تهاجر إلى فرنسا سنة 1997 حيث التحقت بالجامعة من جديد وحصلت على شهادة ماجستير في اللغة والأدب العربي. حاصلة على شهادات أخرى في ميدان الطفولة والتربية (تنشيط رياض الأطفال وإدارتها) من معاهد فرنسية. اشتغلت بمهنة تدريس اللغة العربية في المعاهد الثانوية التونسية قبل هجرتها ثم أستاذة تعليم ابتدائي باللغة الفرنسية بالمدارس الفرنسية حتى أواخر 2012.
حائزة على جائزة ملتقى الأدباء الشبان بقليبية- تونس سنة 1996. انقطعت عن الكتابة لمدة عشرين سنة دون أن تفقد الشغف بالكتابة والنقد، ثم عادت بإصدار أول عنوانه “رقصة النار”، وهو مجموعة قصصية قصيرة جدا، 2017. تبعه إصدار ثان بعنوان “صمت النواقيس” وهو مجموعة قصصية سردية هجينة، 2018.
في 2019 صدرت روايتها “ميلانين” في طبعة أولى ثم طبعة ثانية.
شاركت في كتاب قصص قصيرة جدا بعنوان “ترانيم القصص” سنة 2018، وفي كتاب نقدي جماعي بعنوان “الأدب الوجيز: هوية تجاوزية”، انبثق عن ملتقى الأدب الوجيز، بيروت 2019. وصدر لها حديثًا كتاب ترجمي أول عن الفرنسية إلى العربية، “البحث عن دريدا/ دفاتر كاتب سيري” لبونوا بيترز، عن دار نشر في البصرة.

الكاتب editor Hossein

editor Hossein

مواضيع متعلقة

التعليقات مغلقة