هيمنت المقاربة القانونية ـ القضائية على تصوّر العدالة في مجتمعات ما بعد النزاع، إذ انصبت الجهود على آليات مثل، المحاكمات الجنائية الدولية، أو الوطنية، ولجان الحقيقة والمصالحة، وبرامج جبر الضرر الفردي، بوصفها الأدوات الأساسية لمعالجة إرث الانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان. غير أن هذا التمركز حول القانون، الذي اصطلح على تسميته بـ«الاختزال القانوني»، تعرّض لنقد متزايد، كونه يعالج العنف بوصفه سلسلة من الأفعال الإجرامية الفردية، لا نتيجة لبُنى تاريخية واقتصادية واجتماعية غير عادلة.
حسب روتي تايتل “لا يمكن فهم العدالة الانتقالية كمرحلة تقنية، أو إجرائية محضة، بل هي وضعية استثنائية تُعاد فيها صياغة العقد الاجتماعي، والعلاقة بين الدولة والمجتمع، ويُعاد التفاوض حول مفاهيم الشرعية، والمسؤولية، والذاكرة، والحقوق”.
يعكس هذا الفصل بين العدالة والاقتصاد، افتراضا ضمنيا مفاده أن العنف السياسي منفصل عن البنية الاقتصادية، وأن معالجة الجرائم بحد ذاتها كافية لمنع تكرارها. غير أن تجارب عديدة، من أمريكا اللاتينية إلى جنوب افريقيا، أظهرت أن الاقتصار على العدالة القانونية، دون تفكيك أنماط التفاوت البنيوي والنهب المنظّم، يؤدي إلى إنتاج “سلام سلبي”، يحافظ على علاقات القوة ذاتها التي غذّت العنف في الأصل. في حالتنا السورية، يصبح نقد المنظور الانتقالي التقليدي ضرورة ملحّة. فالعدالة، وفق هذا التصوّر، ينبغي ألا تقتصر على الاعتراف بالضحايا، أو معاقبة الجناة، بل يجب أن تستهدف تحويل الشروط البنيوية التي أنتجتها الديكتاتورية الأسدية، والتي جعلت الانتهاكات ممكنة ومربحة في آن واحد. ويشمل ذلك أنماط الملكية، وتوزيع الموارد، وعلاقات العمل والمحسوبيات، والاقتصاد السياسي للدولة السلطوية، ومركزة رؤوس الأموال في أيدي الفئات المرتبطة بها.
تنقل هذه المقاربة النقاش من سؤال: كيف نحاسب؟ إلى سؤال أعمق: ما الذي يجب تغييره كي لا يُعاد إنتاج العنف؟ وهنا يحتل البعد الاقتصادي موقعا مركزيا، لا بوصفه مكمّلا للعدالة، بل كأحد ميادينها الأساسية. فالاستيلاء المنهجي الذي مارسته السلطة الأسدية على الموارد، والتمييز الاقتصادي، والفساد البنيوي، وتحالف السلطة السياسية مع شبكات الريع، ليست مجرد خلفية للنزاع، بل آليات عنف بحد ذاتها. تكتسب هذه الإشكالية بعدا مضاعفا في سوريا مقارنة بتجارب بلدان أخرى خارجة من الحرب أو النزاعات الداخلية. فالاستبداد لم يكن سياسيا فحسب، بل تجسّد في نموذج متكامل من الاقتصاد السياسي القائم على الاحتكار، والزبائنية، وتحويل الدولة إلى أداة لإعادة توزيع الثروة لصالح دائرة ضيقة مرتبطة بالعائلة الأسدية، وبالأجهزة الأمنية. وقد شكّل هذا النموذج أحد الشروط البنيوية للانفجار الاجتماعي، وثورة الحرية عام 2011، ثم تحوّل خلال الحرب إلى اقتصاد حرب كامل، أصبحت فيه الانتهاكات، والتهجير، وتدمير الملكيات، مصادر تراكم رأسمالي لأمراء الحرب المرتبطين بالاستبداد.
وعليه، لا يمكن تصوّر عدالة انتقالية ذات معنى في سوريا دون تجاوز الإطار القانوني الضيق، والانتقال إلى مقاربة بنيوية تدمج الاقتصاد في صلب مشروع العدالة. فالمساءلة عن الجرائم لا تنفصل عن مساءلة أنماط الإفقار، ولا يمكن لجبر الضرر أن يكون فرديا في سياق دُمّرت فيه البنى المعيشية لمجتمعات كاملة. إن العدالة في السياق السوري ليست فقط عدالة تجاه الماضي، بل عدالة ضد إعادة إنتاجه بأدوات جديدة. يمكن الاستعانة بمفهوم “العنف البنيوي”، الذي يعرّف العنف بأنه كل بنية اجتماعية تمنع الأفراد من تحقيق إمكاناتهم الأساسية. ووفق هذا التعريف، فإن الفقر الممنهج، والإقصاء من العمل، والتمييز بين المواطنين في فرص العمل، وفقدان السكن، والتهجير القسري، تُعدّ أشكالا من العنف لا تقل خطورة عن العنف المباشر. وعليه، فإن العدالة الانتقالية في سوريا مطالَبة بالاعتراف الصريح بأن الاقتصاد كان ساحة انتهاك بحد ذاته. يُعدّ ملف السكن وحقوق الملكية من أكثر الملفات تعقيدا في مسارات العدالة الانتقالية. وقد عالجت تجارب دولية هذا التحدي بطرق متفاوتة. ففي جنوب افريقيا، ورغم نجاح لجنة الحقيقة والمصالحة في كشف الانتهاكات، فإن تجاهل مسألة إعادة توزيع الأرض أبقى التفاوت العنصري ـ الاقتصادي قائما، ما دفع عددا من الباحثين، بينهم محمود ممداني، إلى وصف التجربة بأنها “مصالحة بلا عدالة اجتماعية”. أما في البوسنة والهرسك، فقد قُدّمت تجربة أكثر تقدما في استرداد الملكيات، حيث أُعيدت ملايين العقارات إلى أصحابها الأصليين، رغم تعقيدات ما بعد التطهير العرقي، ما يدل على أن العدالة العقارية ممكنة سياسيا وتقنيا متى توفرت الإرادة.
كما يؤدي غياب فرص العمل للشباب والشابات، وتهميش الريف، والتفاوت بين المدن والمناطق الطرفية، إلى إنتاج جيوب فقر قابلة للتحول إلى ساحات صراع. وتؤكد تجارب دولية، مثل سيراليون وليبيريا، أن فشل برامج العدالة الانتقالية في خلق فرص عمل حقيقية للشباب أسهم في عودة العنف. من هنا، تصبح السياسات الاقتصادية التي تعطي أولوية لتأمين فرص العمل، وإعادة الإدماج الاقتصادي، جزءا من ضمانات عدم التكرار، لا مجرد برامج تنموية لاحقة. ويدخل ضمن هذه السياسات حماية الصناعات المحلية، وفرض شروط تعاقدية واضحة على المستثمرين الخارجيين، تلزمهم بالاعتماد على العمالة السورية المحلية وتدريبها، وعدم استقدام الأيدي العاملة الأجنبية إلا ضمن نسب محدودة جدا.
تحمّلت النساء في سوريا أشكالا متعددة من الانتهاكات؛ فإضافة إلى الاعتقال، والقصف، والتهجير، تعرّضت عشرات الآلاف من النساء لانتهاك فقدان المعيل، وتحمل أعباء الإعالة في ظل غياب شبه كامل للحماية الاجتماعية. وتقدّم تجربتا المغرب في جبر الضرر الجماعي، وبيرو في دمج النساء ضمن برامج التعويض، أمثلة على إمكانية ربط جبر الضرر بالتمكين الاقتصادي طويل الأمد. ويُعدّ تفكيك اقتصاد الحرب واستعادة الأموال المنهوبة جزءا أساسيا من مسار العدالة، إلى جانب تحديد مسؤوليات الفاعلين، بما في ذلك الدولة، والبلديات، والمستثمرين، والوسطاء القانونيين، الذين شاركوا في تقنين الانتهاكات الاقتصادية. وتشير تجارب مثل غواتيمالا وتونس، إلى أن تجاهل الفساد البنيوي يقوّض أي مسار عدالة انتقالية. وفي سوريا، حيث تداخلت شبكات رجال الأعمال مع الأجهزة الأمنية واقتصاد الميليشيات، يصبح تفكيك اقتصاد الحرب شرطا أساسيا للإنصاف، فالعدالة الانتقالية يمكن أن تشكّل لحظة تأسيسية لإعادة تعريف العلاقة بين الدولة والاقتصاد، إذا ما اقترنت بإصلاحات مؤسساتية حقيقية. كما أن استعادة الأموال المنهوبة تمثّل موردا مهما لجبر الضرر، وتمويل التعويضات للعائلات المنكوبة.
كما ينبغي تفكيك خطاب “التنظيم” و”التحديث” الذي غالبا ما يُستخدم لتبرير إعادة تشكيل الفضاءات العمرانية على حساب واقعها الاجتماعي والثقافي. وتُظهر تجربة إعادة إعمار وسط بيروت كيف أُفرغ المكان من طابعه التاريخي، وتحول إلى فضاء نخبوي منفصل عن محيطه، على حساب أصحاب المحلات والسكان الأصليين، لصالح تراكم ثروة فاحشة لدى فئات محدودة. وفي ظل شحّ الموارد المالية في سوريا، وغياب الرغبة المشروعة لدى الحكومة الانتقالية في اللجوء إلى القروض، يبرز سؤال جوهري: هل يُعتمد اقتصاد الإعمار كاقتصاد ريعي جديد؟ أم تُترك إعادة الإعمار للاستثمار وحده، مع تجاهل من يستفيد ومن يُقصى من أصحاب البلاد الحقيقيين، الذين تعرّضوا لانتهاكات اقتصادية ممنهجة على مدى عقود؟ أم تُوضع خطة وطنية شاملة لإعادة الإعمار، تأخذ في الاعتبار مصالح جميع السوريين، ويجري في إطارها استدعاء استثمارات خارجية متنوعة وفق شروط عادلة؟ إن الإجابة تقتضي بلورة مبادئ تخطيط بديلة قائمة على العدالة الانتقالية، تشمل آليات إعادة إعمار تشاركية، وضمان حق العودة واستعادة الملكية، وتقديم توصيات تشريعية ومهنية واضحة للمرحلة الانتقالية في سوريا. باختصار، من دون عدالة عقارية، وإدماج اقتصادي فعلي للشباب والشابات، وجبر ضرر مستدام، وتفكيك اقتصاد الحرب، تبقى العدالة الانتقالية مهددة بالتحول إلى إجراءات قانونية نخبويّة، منفصلة عن التجربة المعيشة لغالبية السوريين، وقابلة لإعادة إنتاج الانتهاكات ذاتها التي يفترض بها معالجتها.
كاتبة سورية