حلب (سوريا)- نجحت دمشق في إنهاء وجود قوات سوريا الديمقراطية (قسد) في حلب، بضغط عسكري ترافق مع تحركات دبلوماسية واتصالات خلف الكواليس أسفرت عن انسحاب المقاتلين المحسوبين على قسد إلى شمال البلاد وشرقها.
ويشكل خروج قوات سوريا الديمقراطية من ثانية كبرى المدن السورية مصدر ارتياح كبير بالنسبة إلى دمشق وأيضا أنقرة، التي لطالما ضغطت من أجل تنفيذ تفاهم حلب الذي جرى التوصل إليه في أبريل كخطوة نحو تطبيق اتفاق العاشر من مارس الذي تم بين الرئيس السوري أحمد الشرع وقائد قسد مظلوم عبدي.
ويرى مراقبون أن انسحاب المقاتلين الأكراد سيفقد قوات سوريا الديمقراطية ورقة ضغط مهمة على دمشق خاصة ان الانسحاب تم من مناطق إستراتيجية في المدينة، وسط مخاوف جدية من أن يفضي الانسحاب الاضطراري إلى تشدد أكبر من قبل قسد حيال تنفيذ اتفاق العاشر من مارس.
ويراهن المقاتلون الأكراد على دور واشنطن لمنع أي تغيير نوعي على الأرض، لكن الأميركيين بدوا أقرب إلى دمشق في موضوع الانسحاب الكردي من حلب، وهو ما دفع إلى الانسحاب الاضطراري من حلب رغم دلالاته السلبية على صورة التنظيم الكردي المدعوم أميركيّا، في رسالة تظهر دعم واشنطن للمضي في تنفيذ التسوية السياسية التي تضمنها اتفاق العاشر من مارس والتوقف عن وضع العراقيل أمامها.
وقبيل إعلان انسحاب المقاتلين الأكراد، دعا الموفد الأميركي إلى سوريا، توم باراك، إلى وقف فوري لإطلاق النار واستئناف الحوار بين الحكومة السورية وقسد.
جاء ذلك عقب اجتماع له مع الرئيس السوري أحمد الشرع. وقال باراك في منشور على منصة إكس إنه بحث مع الرئيس السوري سبل خفض التصعيد وتنفيذ الاتفاقات الموقعة بين الجانبين في مارس وأبريل.
وتولت الولايات المتحدة، على مدار الأشهر الماضية، رعاية مفاوضات بين الحكومة السورية وقوات سوريا الديمقراطية للتوصل إلى تفاهمات شاملة بشأن اتفاق العاشر من مارس، لكن تلك المفاوضات لم تحرز أي تقدم، وهو ما قاد إلى المواجهات في حلب.
وقال المبعوث الأميركي إن الحكومة السورية جدّدت التزامها باتفاقية الاندماج الموقعة في مارس 2025 مع قسد، والتي تنص على دمج هذه القوات ضمن المؤسسات السورية الرسمية، بما يحفظ الحقوق الكردية ويعزز وحدة سوريا وسيادتها.
وأعرب عن قلق واشنطن من التطورات الأخيرة في حلب، والتي قال إنها تثير تساؤلات حول الالتزام ببنود الاتفاق، داعيا جميع الأطراف إلى الوقف الفوري للأعمال العدائية والعودة إلى الحوار وفق اتفاقي 10 مارس و1 أبريل 2025.
بدوره حض الاتحاد الأوروبي الطرفين على استئناف الحوار السياسي. وشدد في بيان على أهمية حماية المدنيين وضمان إيصال المساعدات الإنسانية دون عوائق.
وأضاف البيان “نحث جميع الأطراف على تنفيذ وقف إطلاق النار الذي أُعلن اليوم (الأحد)، وعلى استئناف عاجل للحوار السياسي من أجل التوصل إلى حل شامل”.
وأعلنت قسد فجر الأحد انسحاب مقاتليها من حيي الأشرفية والشيخ مقصود في حلب، بعد أيام من الاشتباكات الدامية بينها وبين القوات الحكومية.
وقالت في بيان “وصلنا إلى تفاهم يُفضي إلى وقف إطلاق النار وتأمين إخراج الشهداء والجرحى والمدنيين العالقين والمقاتلين من حيي الأشرفية والشيخ مقصود إلى شمال سوريا وشرقها”.
وكتب قائد قسد في منشور على موقع إكس “بوساطة من أطراف دولية لوقف الهجمات والانتهاكات بحق أهلنا في حلب، توصلنا إلى تفاهم يُفضي إلى وقف إطلاق النار وتأمين إخراج الشهداء والجرحى والمدنيين العالقين والمقاتلين من حيي الأشرفية والشيخ مقصود إلى شمال سوريا وشرقها”.
وأكدت وكالة الأنباء السورية (سانا) خروج الحافلات التي تقل آخر دفعة من عناصر تنظيم قسد من الحيين. والسبت وردت من المدينة تقارير متضاربة، إذ أعلنت السلطات وقف القتال وقالت إنها بدأت بإخراج المقاتلين الأكراد من حلب نحو مناطق الإدارة الذاتية الكردية، في حين سارعت الأخيرة إلى نفي الإعلان.
واندلعت الاشتباكات بين القوات الكردية والجيش الثلاثاء في حيي الشيخ مقصود والأشرفية الكرديين في حلب، بعد فشل جولة محادثات عقدت في دمشق الأحد الماضي.
وأدّت المعارك إلى مقتل 21 مدنيا على الأقل وفق أرقام من الطرفين، ونزوح 155 ألف شخص من الحيين بحسب محافظ حلب. وكل طرف لام الطرف الآخر على بدء أعمال العنف في حلب.
وتمثل هذه المغادرة خروج القوات الكردية من جيوب حلب التي كانت تسيطر عليها منذ بدء الحرب السورية في عام 2011، بينما تواصل القوات الكردية إدارة منطقة شبه مستقلة في أجزاء كبيرة من شمال شرق سوريا.
◄ انسحاب المقاتلين الأكراد من حلب، يفقد قوات سوريا الديمقراطية ورقة ضغط مهمة على السلطة الانتقالية، وسط مخاوف جدية من أن يفضي ما حصل إلى تشدد أكبر من قبل قسد حيال تنفيذ اتفاق العاشر من مارس
ونقلت وكالة الأنباء السورية عن محافظ حلب عزام الغريب قوله إن “الأوضاع الأمنية تشهد عودة تدريجية للاستقرار في حيّي الشيخ مقصود والأشرفية لتعود المدينة إلى حالة من الأمان والاستقرار”.
وأضاف الغريب “الجهات المعنية تتابع أعمالها الميدانية بشكل مستمر لتثبيت الأمن وضمان عودة الحياة الطبيعية في جميع الأحياء”. وتابع “لقد طُويت صفحة القلق وعادت حلب اليوم آمنة بأهلها قوية بوحدتهم ومحصّنة بإرادتهم”.
وفي وقت لاحق أشارت قناة “الإخبارية السورية” إلى “دخول آليات مجلس بلدية حلب وفرق الدفاع المدني إلى حي الشيخ مقصود لإزالة السواتر التي خلفها تنظيم قسد تمهيدا لعودة الأهالي والحياة بشكل آمن”.
وتسيطر القوات الكردية على مساحات واسعة في شمال سوريا وشرقها، تضم أبرز حقول النفط والغاز. وشكّلت رأس حربة في قتال تنظيم الدولة الإسلامية وتمكنت من دحره من آخر معاقل سيطرته في البلاد عام 2019 بدعم من التحالف الدولي بقيادة واشنطن.
لكن تركيا، الحليف المقرب للقادة الجدد في دمشق، تنظر إلى مكونها الرئيسي على أنه امتداد لحزب العمال الكردستاني الذي وافق العام الماضي على إنهاء العمل المسلح بعدما استمر أربعة عقود ضد أنقرة. ونفذت تركيا ثلاث عمليات عسكرية لدفع القوات الكردية بعيدا عن حدودها، وهي تضغط اليوم على السلطة الانتقالية لعدم تمرير أي تنازل للجانب الكردي.
العرب اللندنية