خوشناف حمو.. كاتب
لا تُقاس القضايا الكبرى بعدد البنادق، ولا بامتداد خرائط السيطرة، بل بقدرتها على صون البشر الذين يُفترض أنهم جوهرها وغايتها. فحيثما يتحوّل الإنسان إلى تفصيلٍ ثانوي في الحسابات العسكرية والأمنية، تفقد السياسة معناها، ويغدو الصراع إدارةً مفتوحة للخسارة. من هذه الزاوية تحديدًا، تبدو تجربة الإدارة الذاتية بقيادة «قسد»، ومن قبلها حزب الاتحاد الديمقراطي، أقرب إلى نمط حكم أمني طويل الأمد، منه إلى مشروع سياسي قابل للاستدامة أو للتطوير التاريخي.
هذه القراءة لا تستهدف توصيف حدثٍ بعينه، ولا تنزلق إلى ثنائية الاتهام والتبرئة، بل تحاول مقاربة بنية التفكير السياسي التي حكمت التجربة، وانعكاساتها على المجتمع الكردي، وعلى المجال السوري الأوسع، في لحظة إقليمية تتكثّف فيها المقايضات وتضيق فيها هوامش الاختيار.
فمنذ سنوات، تقوم إدارة مناطق شمال وشرق سوريا على منطق أمني صارم، يرى في المجتمع خزانًا بشريًا قابلًا للتعبئة المستمرة، لا شريكًا سياسيًا ينبغي الحفاظ على رضاه ومشاركته. التجنيد الإجباري، وتوسيع دوائر الاشتباك، والزجّ بالشباب في معارك لا يملكون تعريفها ولا قرارها، ليست إجراءات معزولة، بل مؤشرات على عقل سياسي يُخضع المجتمع لضرورات الحرب الدائمة، دون أفق واضح للخروج منها.
هذا النمط من الحكم لا يكتفي باستنزاف الطاقة البشرية، بل يُنتج قطيعة متراكمة مع الحاضنة الاجتماعية. فحين تُدار الجماعة بمنطق الطوارئ المستمرة، يُختزل المواطن إلى وظيفة: مقاتل محتمل، أو مشتبه به، أو رقم في سجل التعبئة. ومع الزمن، تتآكل فكرة الانتماء نفسها، لتحلّ محلها علاقة خوف أو امتثال، وهي علاقة لا يمكن أن تشكّل أساسًا لأي تمثيل سياسي حقيقي.
الأخطر أن هذا الاستنزاف لم يُفضِ إلى مكاسب سياسية متناسبة مع كلفته. فلا ضمانات دولية صلبة، ولا اعتراف سياسي مستدام، ولا مشروع حكم قادر على التحوّل من شرعية السلاح إلى شرعية التعاقد الاجتماعي. وبهذا المعنى، يصبح الحديث عن «الضرورة الوجودية» خطابًا دفاعيًا يبرّر الخسارة، بدل أن يحمي الجماعة من تكرارها.
القومية، في معناها التاريخي، لم تنشأ بوصفها أداة تعبئة عمياء، بل كإطار لحماية الجماعة وصون مصالحها وكرامتها. وحين تُدار الجماعة بمنطق الدروع البشرية، تكون الحركة قد تخلّت عمليًا عن بعدها الأخلاقي، مهما رفعت من شعارات الهوية والحقوق.
غير أن اختزال الأزمة في سلوك «قسد» وحدها يُفضي إلى قراءة مبتسرة. فالمأزق الأعمق يكمن في الوهن البنيوي الذي تعانيه الحركة القومية الكردية في سوريا: ضمور الخيال السياسي، انغلاق القيادات التاريخية، وعجز مزمن عن إنتاج مشروع جامع يتجاوز منطق البقاء إلى منطق المستقبل.
هذا الوهن لم ينشأ فجأة، بل تراكم عبر عقود من العمل السياسي الدفاعي، الذي اكتفى بردّ الفعل على سياسات الإقصاء، دون تطوير رؤية إيجابية متكاملة للدولة، والمواطنة، والعلاقة مع المكوّنات الأخرى. ومع اندلاع الثورة السورية، لم تنجح النخب الكردية في استثمار اللحظة بوصفها فرصة لإعادة تعريف القضية الكردية ضمن أفق وطني ديمقراطي، بل انزلقت سريعًا إلى منطق الإدارة المغلقة، خوفًا من الفوضى أو المنافسة.
في ظل غياب البديل، استطاعت قوى الأمر الواقع أن تقدّم نفسها بوصفها الخيار الوحيد الممكن. وكلما غاب الأفق، تحوّل النقد إلى تهمة، والمساءلة إلى خيانة، والسياسة إلى إدارة أزمات مؤجلة. وهكذا جرى تفريغ القومية من بعدها التحرري، لتغدو لغة تبرير للسلطة، لا أداة لتحرير المجتمع.
إن حركة بلا دينامية داخلية، ولا تداول قيادي، ولا نقاش علني حول الخيارات، محكوم عليها بالجمود، مهما امتلكت من أدوات القوة. ومع الزمن، لا يبقى المجتمع أسيرًا فقط لسلطة الأمر الواقع، بل أعزل أيضًا من أي بديل منظم قادر على كسر هذه الحلقة.
ما يجري في أحياء الشيخ مقصود والأشرفية لا ينبغي قراءته بمنطق النهايات أو الانتصارات المطلقة. فالقضية الكردية ليست على وشك الانطفاء، كما أن أي طرف آخر لا يقف على أعتاب نصر سياسي مكتمل. فالأحياء لا تُهزم وحدها، والسيطرة المكانية، مهما بدت حاسمة، لا تُنتج بحد ذاتها شرعية ولا استقرارًا
.الأخطر في هذه اللحظة هو منطق المقايضة الذي يلوح في الأفق: أحياء مقابل نفوذ، جغرافيا مقابل صمت، وأوراق محلية تُدرج في بازار إقليمي أوسع، قد تصل امتداداته إلى ملفات بحجم الجولان أو الترتيبات الإقليمية الكبرى. في مثل هذه السياقات، يفقد مفهوم «النصر» معناه، ويغدو مجرد إعادة توزيع للخسارة، تُدفع كلفتها من أمن الناس واستقرارهم.
أي انتصار ذاك الذي لا يحمي السكان، ولا يقدّم أفقًا سياسيًا، ولا يمنع تكرار السيناريو ذاته في موقع آخر؟ إن الاحتفاء بالسيطرة في غياب مشروع سياسي جامع ليس سوى شكل من أشكال العمى السياسي، الذي يخلط بين القوة والقدرة، وبين الغلبة والشرعية.
وسط هذا الانسداد المركّب، يبرز المجتمع المدني، الكردي والسوري عمومًا، بوصفه المساحة الأكثر قابلية لتمثيل الأغلبية الصامتة: تلك التي لم تُستشر في قرارات الحرب ولا في تسويات السلم، لكنها دفعت كلفة الاثنين. ليس لأن المجتمع المدني يمتلك أدوات القوة، بل لأنه يمتلك — أو يفترض أن يمتلك — القدرة على إعادة تعريف السياسة خارج منطق السلاح والطوارئ.
في السياق السوري، يكتسب المجتمع المدني أهمية مضاعفة بوصفه الإطار العصري القادر على تمثّل تعقيدات المرحلة القادمة: إعادة بناء الثقة بين المكوّنات، الدفاع عن الحقوق الفردية والجماعية، والمطالبة بنماذج حكم تقوم على المساءلة والتشاركية، لا على الاحتكار الأمني. وهو، بخلاف الأطر القومية أو العسكرية المغلقة، يملك قابلية أوسع للتكيّف مع المتغيرات، ولإنتاج خطاب عابر للهويات الصلبة دون إنكارها.
قد لا يقدّم المجتمع المدني حلولًا سحرية، ولا يملك وصفة جاهزة للخروج من المأزق السوري، لكنه قادر على إعادة السياسة إلى معناها الأول: حماية البشر قبل إدارة الصراع، وبناء الأفق قبل إدارة الخوف. وفي لحظة تتكاثر فيها الأوهام، وتُستنزف فيها المجتمعات باسم الضرورة، قد يكون هذا الصوت الهادئ، العقلاني، هو الرأسمال الأخير المتبقي لمستقبل أقل عنفًا وأكثر قابلية للحياة.