الجيش السوداني يتهم منتقديه بـ«العمالة للسفارات» لوح بـ«ساعة الصفر» إذا لم تتفق الأحزاب على تشكيل حكومة بـ«مطلق الحرية». الشرق الاوسط

البرهان مجتمعاً مع سفيرة فرنسا لدى السودان رجاء ربيع الاثنين (سونا)
الخرطوم: أحمد يونس

أعلن الجيش السوداني، على لسان رئيس تحرير جريدته الرسمية «القوات المسلحة»، أنه سيتخذ قرارات تلبي أشواق وطموحات المواطنين الذين يتوقون إلى حكومة وطنية بفترة انتقالية تمهد لانتخابات يقول فيها الشعب كلمته. ولم تكشف المقالة الافتتاحية للصحيفة ماهية القرارات، ولم تحدد ساعة الصفر المتوقعة بأنها بـ«ميقات زماني قادم لا محالة»، فيما حذرت المعارضة من مغامرات وتدخل الجيش في السياسة.
وكان القائد العام للجيش السوداني الفريق أول عبد الفتاح البرهان حل، في أكتوبر (تشرين الأول) الماضي، الحكومة المدنية بقيادة رئيس الوزراء عبد الله حمدوك، وأعلن حالة الطوارئ وألقى القبض على القادة السياسيين والتنفيذيين قبل أن يطلق سراحهم، بيد أن المعارضة المدنية والحراك الشعبي يرفضان هذه الإجراءات وشرعا في مقاومتها باحتجاجات شعبية واجهتها السلطات ما أدى إلى مقتل 118 متظاهراً وإصابة الآلاف واعتقال المئات.
وقال العقيد إبراهيم الحوري رئيس تحرير صحيفة «القوات المسلحة» في المقال الافتتاحي الموسوم بـ«كلمة المنشور» على الصحيفة أمس، إن «ساعة الصفر ميقات زماني قادمٌ لا محالة، إذا كان منهج القوى السياسية ما زال محفوفاً بسلوك الغبينة… والتطاول على القوات المسلحة، ونسيان وتناسي هموم المواطن، وتأجيج الفتن لتأليب الرأي العام على ثوابت البلاد ومقدراتها».
وللجيش السوداني صحيفة يومية تعبر عن رأيه وتحدد توجهاته، ويتولى إدارتها وتحريرها ضباط برتب وسيطة على رأسهم ضابط برتبة عقيد يشغل منصب رئيس التحرير هو إبراهيم الحوري، ويكتب فيها عسكريون في الخدمة ومتقاعدون، وهي بمثابة «لسان الجيش» الإعلامي. ما يجعل مقالة رئيس التحرير اليومية، معبرة عن رأي القوات المسلحة.
وأوضحت الصحيفة في المقال الافتتاحي أنّ «الجيش الذي ما زال ينتظر أن تعود الأحزاب لرشدها وتعلن توحدها وتقدم ما هو ملموس وعملي في مستقبل حكم السودان، فالاستعداد للحرب يمنع الحرب ويُحقِق السلام».
و«ساعة الصفر» بالنسبة للجيوش هي اللحظة السرية التي تشن فيها الهجمات المدبرة والمخططة على الأعداء، لكنها عند الجيش السوداني تعني اللحظة التي يتحرك فيها وتسمع أثناءها «المارشات العسكرية». وقد شهد السودان «ساعات صفر» نتجت عنها الإطاحة بحكومات مدنية.
لكن لا يعرف على وجه التحديد، إلى ماذا يلمح محرر صحيفة «القوات المسلحة» بساعة الصفر، لا سيما أن القائد العام للجيش الفريق أول عبد الفتاح البرهان هو الذي يترأس البلاد حالياً، وأن الجيش عملياً هو الذي يحكم البلاد. واشترط المقال الموقع باسم العقيد الحوري على القوى المدنية لتجنب «ساعة الصفر» توحيد نفسها، وتكوين حكومتها بـ«مطلق الحرية»، وقال: «أما إذا لم تواكب ضخامة المسؤولية وحساسية المرحلة وتصلح من شأنها وتتستّر على فشلها بدعاوى هيكلة القوات المسلحة، فإنّ الجيش عندها وباعتباره الشريك الأساسي في الثورة والتغيير مع شعبه لن ينتظر أحزاباً لا يجمعها التوافق على حد أدنى من برنامج وطني متفق».
وهدد المقال بكشف من أطلق عليهم «الذين ينتقدون الجيش في الغرف المظلمة»، وبالمتآمرين عليه مع «عملاء السفارات». وقال: «الذي لا يعلمه هؤلاء، أن انتقاد الجيش والتآمر عليه في اجتماعات الغرف المظلمة مع عملاء السفارات، هو اتجاه مرصود بالأدلة والبراهين الساطعة، ومخطط مكشوف لدى الأجهزة الأمنية».
وأرجع المقال إجراءات قائد الجيش في أكتوبر الماضي، إلى أنها جاءت لوقف ما أطلق عليه «اكتمال حلقة التآمر»، بالقول: «حلقة التآمر عندما اكتملت أركانها قبل قرارات أكتوبر التصحيحية، أخرج الجيش عندها القرارات الجراحية واستعمل طبيبة المشرط واستأصل الدمامل».
وتعليقاً على مقال صحيفة الجيش، قال وزير شؤون مجلس الوزراء السابق والقيادي في تحالف «قوى إعلان الحرية والتغيير» خالد عمر يوسف لـ«الشرق الأوسط»، إنه يأمل ألا «يكون المقال معبراً عن الموقف الرسمي للقوات المسلحة السودانية».
وحذر يوسف من الزج بالقوات المسلحة في «أتون الصراع السياسي الحزبي، الذي يجب ألا تكون المؤسسة العسكرية جزءاً منه». وتابع: «القوات المسلحة السودانية ملك للشعب السوداني، تضررت بشكل بالغ من مغامرات الانقلابيين الذين استخدموها وجيروها في غير مهامها وغاياتها».
ووصف يوسف ما تنادي به القوى السياسية والمدنية بأنه «مشروع للبناء الوطني» الذي يضع البلاد على مسار التحول المدني الديمقراطي. وقال إن التحول المدني «يوفر بيئة مثالية لبلوغ المؤسسة العسكرية تمام وحدتها واحترافيتها وقوميتها بعيداً عن المعترك السياسي الحزبي، الذي لا تسمح قوانينها ذاتها ممارسته بواسطة منسوبيها».
وكان البرهان قد رهن في يوليو (تموز) الماضي، انسحاب الجيش من العملية السياسية بوفاق بين القوى المدنية، والذهاب إلى مجلس أعلى للقوات المسلحة، وهو ما رفضه تحالف المعارضة واعتبره مجرد «حيلة» يأخذ بها السلطات إلى القيادة العامة للجيش، وتشكيل حكومة ضعيفة لا تزيد على كونها «سكرتارية» للجيش يدريها من ثكناته، لا سيما أن قراره جاء بعد مبادرة مشتركة «أميركية سعودية» للتوسط بين الجيش والمدنيين.
ويطالب تحالف المعارضة الرئيس «الحرية والتغيير» بإعادة هيكلة الجيش السوداني ودمج قوات الدعم السريع فيه، وإنفاذ الترتيبات الأمنية مع الحركات المسلحة الموقعة لاتفاقية السلام مع الحكومة، وابتعاده عن ممارسة السياسة، وتفكيك التمكين «الإخواني» داخله، وتطوير عقيدته القتالية إلى الدفاع عن البلاد وحماية الدستور والديمقراطية والحكم المدني، وهو ما ترفضه قياداته الرأسية وتعتبره محاولة لحله وتفكيكه، وهو ما وصفته المقالة بـ«عدم احترام الجيش» ودوره.
وعند اتخاذ قرارات أكتوبر التي زعم أنها «إصلاحية»، أعلن البرهان عن تشكيل حكومة وإكمال المؤسسات في غضون شهر، لكنه فشل في تكوينها، وظلت البلاد بدون حكومة قرابة العام، كما لم يفلح قراره بإعادة رئيس الوزراء عبد الله حمدوك في نوفمبر (تشرين الثاني) الماضي، لممارسة مهام منصبه في حل الأزمة، لتحقيق إجماع جماهيري على قراراته، وتفاقمت الأزمة بعد تقديم حمدوك لاستقالته لفشله في تحقيق تأييد شعبي لعودته للحكم من حلفائه المدنيين.