علياء أمينة أحمد
منطق العنف الطائفي لا يعرف حدوداً، ولا يتوقف عند طائفة بعينها، بل يتغذّى على الصمت، وينتقل من فئة إلى أخرى. ويتعزز هذا المنطق بتواطؤ خارجي لا يقل خطورة، إذ تحكم الإرادة الغربية في المنطقة نظرة تختزل مجتمعاتها إلى “طوائف وقبائل متناحرة”، فتتعامل معها بوصفها غير مؤهلة لبناء دولة حديثة، ما يسهّل القبول بسلطات أمر واقع فصائلية باعتبارها “تناسب” هذه المجتمعات.
يخطئ من يختزل حالة العداء بين مكوّنات المجتمع السوري ويحصرها في حقبة الديكتاتورية الأسدية وحدها، كما يراوغ من يتواطأ مع سردية “تآخي الأديان” بوصفها حقيقة تاريخية أو بنيوية. فالصراعات بين الأديان والمذاهب والإثنيات في المنطقة سبقت تشكّل دولها الحالية، ومنها سوريا، بل إنها سبقت حتى تشكّل مفهوم الدولة الوطنية ذاته. تاريخ المنطقة حافل بتوثيق الصراعات بين أتباع الأديان الإبراهيمية، وداخل الإسلام نفسه (سنة/شيعة، مذاهب فقهية، مدارس عقدية)، ما أنتج تراثًا من الإقصاء والتكفير، يمكن تلمّسه حتى داخل الطائفة الواحدة أحيانًا. ولم تكن الصراعات القومية والإثنية أقل حدّة أو أثرًا، إذ شهدت المنطقة تاريخًا طويلًا من التنافس والإقصاء بين الهويات القومية واللغوية، قُمعت أو جُمِّدت قسرًا تحت أنظمة سلطوية، من دون معالجتها سياسيًا أو اجتماعيًا.
هذه الوقائع لا تعني استحالة التعايش بالمطلق، ولا تلغي وجود تجارب إيجابية تعكس عيشًا مشتركًا في مناطق مختلفة، لكنها تنفي سذاجة الادعاء بأن المجتمعات عاشت قبولًا متبادلًا طبيعيًا. فالتعايش الذي عرفته سوريا لم يكن نتاج عقد اجتماعي، أو مصالحة تاريخية، أو قبول حقيقي بالتعدد والتنوّع، وإنما كان أشبه بهدنة قسرية تفرضها سلطة مركزية قمعية، تصهر الجميع تحت سطوتها الأمنية، مع بعض التأثير للأعراف الاجتماعية التي تداري الخلافات أحيانًا، وتدير المشكلات من دون حلّها جذريًا.
منذ نشوء الدولة السورية في إطار تقسيمات اتفاقية سايكس – بيكو وتعديلاتها، لم تتشكّل فيها هوية وطنية جامعة، بل إنّ السلطات المتعاقبة حرصت على تجاهل التعدد بين مكوّناتها أو إخفائه، حتى بات تلامذة المدارس يعرفون عن التنوع في إفريقيا مثلًا أكثر مما يعرفون عن بلدهم. وقد تعزّز هذا الإخفاء الممنهج عبر سياسات تعليمية مستندة إلى خطاب قومي عروبي ذي صبغة إسلامية، قُدِّم بوصفه هوية جامعة، بينما عمل فعليًا على طمس التعدد الديني والقومي والثقافي.
يرفض كثيرون الاعتراف بأن النظام الأسدي المستبد لم يبتكر الطائفية، لكنه كرّسها وحوّلها إلى أداة من أدوات تأبيد حكمه. وقد استثمر في الطائفة العلوية استثمارًا طويل الأمد، وزرع في أذهان قطاعات واسعة من العلويين قناعة مفادها أن سقوطه يعني إبادتهم، فغذّى لديهم خوفًا وجوديًا من الآخر (مستثمرًا في مظلوميتهم التاريخية)، ولدى بقية المكوّنات خوفًا من وهم “العلوي الحاكم”، وهو وهم صدّقه حتى العلوي الفقير في تماهيه مع السلطة التي تزيده فقرًا، وتزرع الحقد تجاهه بما يضمن استمرار التناحر والانقسام. ولم يكن هذا الخوف وهميًا بالكامل، إذ عززته شعارات طائفية رُفعت في سياق الثورة من قوى لم تطلب الحرية وحقوق الإنسان فعلًا، بقدر ما سعت إلى استبدال مستبدّ بآخر باسم “الأكثرية”.
هكذا فُرزت الطائفة إلى شبيحة، وتجار دم، وغالبية مأسورة بخطاب الخوف. صحيح أن أفرادًا من جميع المكوّنات السورية ينضوون تحت هذه الفئات من دون استثناء، لكن، عموماً، أُلصق وصم التشبيح بالعلويين منهم، بينما سقط عن نظرائهم من الطوائف الأخرى.
وسط هذه السردية، تم تجاهل وتهميش وجود علويين/ات في صفوف المعارضة، أمضوا سنوات في سجون النظام ودفعوا أثمانًا مضاعفة، وشكّك رفاق لهم من طوائف أخرى تبنّوا موقفًا ذمّيًا في نضالهم، انطلاقًا من وهم أن التماهي مع السلطة “الغالبة” اليوم يوفّر الحماية لهم ولطوائفهم. هكذا، تهاونت بعض أجزاء من مجموعات الأقليات، كالمسيحيين والإسماعيليين وغيرهم، في إدانة الجرائم والانتهاكات الطائفية ضد العلويين. وبعض من كانوا ثوارًا ناضلوا ضد إجرام الأسد أعلنوا انتهاء ثورتهم مع تولّي السلطة الحالية الحكم، وبرر آخرون موقفهم المتخاذل بأنهم تعبوا من المعارضة ويريدون المشاركة في “بناء الدولة”.
هذا الموقف الذمّي نفسه اتخذه ناشطون ومعارضون دروز، تجاهلوا أو أنكروا مجازر الساحل، أو حتى برروها، لكنهم تراجعوا حين وصلت آلة الإجرام ذاتها إلى السويداء، وتحولوا هم أنفسهم إلى ضحايا المنطق نفسه.
هكذا يعيد بعضهم إنتاج حكاية ابن المقفّع عن الثيران الثلاثة، حين التزم الثوران الأسود والأحمر الصمت على افتراس الثور الأبيض، ظنًا منهم أن الأسد سيكتفي به، قبل أن يقول كلٌّ منهما لاحقًا: “أُكلتُ يوم أُكل الثور الأبيض”. فالصمت على الظلم، أو تبريره حين يقع على “الآخر”، ليس حيادًا، بل تواطؤ ومشاركة لن تحمي صاحبها من مصير مشابه.
التضحية بالآخر لا تحميك، بل تؤجّل دورك فحسب.
منطق العنف الطائفي لا يعرف حدوداً، ولا يتوقف عند طائفة بعينها، بل يتغذّى على الصمت، وينتقل من فئة إلى أخرى.
ويتعزز هذا المنطق بتواطؤ خارجي لا يقل خطورة، إذ تحكم الإرادة الغربية في المنطقة نظرة تختزل مجتمعاتها إلى “طوائف وقبائل متناحرة”، فتتعامل معها بوصفها غير مؤهلة لبناء دولة حديثة، ما يسهّل القبول بسلطات أمر واقع فصائلية باعتبارها “تناسب” هذه المجتمعات، بدل الالتزام بالقرارات الأممية ومسارات العدالة الانتقالية. هكذا وُضعت المحاسبة والإنصاف طيّ الأدراج، في شرعنة صريحة للإفلات من العقاب.
يبقى السؤال المثير للاهتمام: ما الذي أدى إلى ما يشبه الإجماع على كراهية العلويين؟
من منظور علم النفس الاجتماعي، يمكن تفسير هذه الظاهرة عبر آليات عدة، منها: (الإسقاط)، إذ تُسقط الجماعات شعورها بالذنب أو العجز أو الفشل على جماعة أضعف، فتحمّلها مسؤولية الخراب. وآلية (العدو المشترك)، حين تعجز الجماعات المتنازعة عن حل خلافاتها الداخلية، فتتوحّد مؤقتًا عبر خلق عدو خارجي يؤجّل صراعاتها. وآلية (نزع الإنسانية وشيطنة العدو)، إذ يُجرَّد أعضاء الجماعة المستهدفة من فردانيتهم وتنوّعهم، ويُختزلون في صورة نمطية واحدة.
وقد أدّى التعامل مع العلويين على هذا النحو إلى تكريس قناعة في أوساط غير قليلة العدد منهم، بأن النظام الأسدي كان “حاميًا” لهم فعلًا من الاستباحة على أساس طائفي متخيَّل أو مُعاد إنتاجه.
هذه القناعة أفضت إلى ما يُعرف بـ”عقلية الحصار”، حيث تنكفئ الجماعة على ذاتها، وتلجأ إلى آليات دفاعية كالتشدّد الهويّاتي أو الالتفاف حول قيادات دينية تعبّر عن “الأمان الرمزي”، في مواجهة خطاب عام ينزع عنها إنسانيتها، ويطالبها بالصمت حتى وهي تُستباح.
ما يحصل في سوريا اليوم ليس انتقالاً سياسياً، بل إدارة تفكك، تُستخدم فيها الطوائف وقودًا لتنفيذ مخطط يحفظ مصالح الدول الكبرى التي تريد إعادة ترتيب حصصها من الكعكة المقسّمة.
التحدي اليوم أمامنا كسوريين هو: نكون أو لا نكون.
هل نثبت أننا شعب جدير بالحياة الحرّة الكريمة، ولسنا مجرد قبائل همجية متصارعة؟ أم أن قدرنا العودة إلى الطوائف والاختناق داخلها؟
هل ثمة من يريد إعادة تعريف هوية وطنية جديدة تضمن لكل السوريات والسوريين، من دون استثناء، حقوقاُ متساوية خارج التقسيم الطائفي والعرقي، حتى لا يأتي يوم نقول فيه: “أُكلنا يوم أُكل الثور الأبيض؟”.
إقرأوا أيضاً: