نوروز سنجاري
يرى معارضون إيرانيون أن الصراع بين الشارع والنظام دخل مرحلته الأخيرة، مع تراكم عوامل انهياره، وأنه يعيش وضعاً حرجاً مع خشيته من فقدان السيطرة بنحو كامل، ما يدفعه للجوء إلى مزيد من العنف، وهو ما يجعلنا نرى أن السؤال لم يعد هل سيسقط النظام بل متى؟
دخلت التظاهرات التي تشهدها إيران أسبوعها الثالث، في إحدى أوسع موجات الاحتجاجات في تاريخ الجمهورية الإسلامية، إذ تظاهر الملايين رغم القمع واستخدام الرصاص ضدّهم، مطالبين بـ”بالحرّية وإسقاط النظام”، في أكثر من 185 مدينة في جميع محافظات البلاد، في حراك يرى نشطاء إيرانيون أنه فتح الباب الأوسع أمام التغيير.
مع استمرار الحراك الشعبي وشموله شرائح مجتمعية ومدناً لم تعرف الاحتجاج سابقاً، رغم لجوء السلطات إلى استخدام الرصاص الحيّ لتفريق المحتجّين وقطع كلّ وسائل الاتصال، قال الرئيس الأميركي دونالد ترامب إن الولايات المتّحدة “مستعدّة للمساعدة”، في وقت جدّد في نجل الشاه الأخير رضا بهلوي، دعوته للاستمرار في التظاهر وصولاً إلى السيطرة على مراكز المدن، بينما ردّ المرشد الإيراني علي خامنئي أن إيران لن تتهاون مع “المخرّبين” الذين يعملون لصالح جهات أجنبية، وكلّف الحرس الثوري بتولّي زمام الأمور.
التظاهرات التي بدأت نهاية العام 2025 من أسواق طهران العاصمة، ومن تجّارها تحديداً، كاحتجاج على الوضع الاقتصادي وانهيار العملة الإيرانية، تحوّلت خلال أيّام إلى حركة واسعة وشاملة لكلّ فئات المجتمع، مع مشاركة فئات غير مسبوقة وفي مدن عُرفت بولائها للنظام.
تجاوزت الاحتجاجات عتبات اجتماعية وجغرافية ورمزية رئيسية، ووصلت إلى معاقل النظام والأحياء الحضرية الأكثر ثراءً، وامتدّت إلى الجامعات، والمراكز التجارية التقليدية، على الرغم من مواجهة المتظاهرين بكلّ أشكال القمع بما فيه الرصاص الحيّ، بحسب منظّمات حقوقية، وهو ما أدّى إلى مقتل وجرح المئات واعتقال الآلاف.
يقول علي صديقي، وهو ناشط كردي من مدينة إيلام: “الآن نقف عند مفترق طرق حاسم، لم تستطع القوى الأمنية إلى الآن إيقاف التظاهرات والاعتصامات التي شملت كبرى مدن البلاد، لكنّنا لا نعرف كم ستستمرّ وسط القمع؟”.
ويضيف عبر الهاتف من إيلام: “سنعرف ذلك خلال أيّام، ربما سيتحدّد مصير هذه الموجة من خلال ردّ فعل النظام وموقف الجهات الخارجية الفاعلة، لا يمكن الجزم بشيء”.
الاحتجاجات التي بدأت في سوق طهران الكبير، المعروف باسم البازار، في 28 كانون الأوّل/ ديسمبر 2025 برفع مطالب اقتصادية، كنتيجة لتفاقم المعاناة المعيشية، سريعاً ما امتدّت لتشمل الشوارع والجامعات، وفي غضون أيّام، تحوّلت التجمعات المتفرقة إلى مظاهرات كبيرة، والمطالب الاقتصادية إلى مطالب سياسية وهيكلية.
واجهت السلطات الحركة الاحتجاجية الجديدة التي تنشط في ساعات المساء، كما الإضرابات الصباحية واسعة النطاق وإغلاق المحال التجارية في أنحاء البلاد، بحملات اعتقال جماعية، وقيود على الاتّصالات وقطع متكرّر للإنترنت وخطوط الهاتف، وصولاً الى تهديد المتظاهرين بتهم خطيرة تصل عقوبتها إلى الإعدام.
المرشد وترامب
مع تصاعد زخم التظاهرات والاعتصامات يوم الخميس 8 كانون الثاني/ يناير، حتى إن مدناً كاملة خرجت عن سيطرة النظام طوال ساعات المساء والليل، أكّد المرشد الأعلى علي خامنئي في كلمة له يوم الجمعة أن الجمهورية الإسلامية لن تتراجع، واتّهم قوى مدعومة من الخارج بتأجيج الاضطرابات، وحذّر من أن دونالد ترامب “سيُطاح به”.
وقال خامنئي: “هناك بعض المحرّضين الذين يسعون لإرضاء الرئيس الأميركي بتدمير الممتلكات العامّة. الشعب الإيراني الموحّد سيهزم جميع الأعداء. أدعو ترامب بشكل عاجل إلى التركيز على مشاكل بلاده”.
وأكّد المرشد في الخطاب الذي بثّه التلفزيون الرسمي، أن إيران لن تتهاون مع من وصفهم بـ”المخرّبين” و”مثيري الشغب” الذين يعملون لصالح جهات أجنبية “وقاموا بالتخريب لإرضاء ترامب فقط”، مشدّداً على أن الشعب الإيراني “يرفض العمالة والعملاء”، وعليه “الحفاظ على وحدته ليُسقط أعداءه”، مؤكّداً أن “إيران لن تتسامح مع المرتزقة الذين يعملون لصالح الأجانب”.
وردّ ترامب: “إيران في ورطة كبيرة. يبدو لي أن بعض الجماعات تسيطر على مدن، في حين لم يكن أحد يتوقّع ذلك قبل أسابيع قليلة. نحن نراقب الوضع عن كثب”، مضيفاً: “لقد صرّحتُ بوضوح تامّ أنه إذا بدأوا بقتل الناس كما فعلوا في الماضي، فسنتدخّل، وسنوجّه لهم ضربة قويّة”.
وفي آخر تصريح له عن إيران، أعلن ترامب في تدوينة على منصّته عن استعداد الولايات المتّحدة لمساعدة الشعب الإيراني، دون ذكر مزيد من التفاصيل، كما نشر رسالة تضامن مع من يقفون في وجه النظام الإيراني، قال فيها: “إيران تتطلّع إلى الحرّية، ربما أكثر من أيّ وقت مضى، والولايات المتّحدة على أُهبة الاستعداد لتقديم المساعدة”.
بينما هناك أنباء عن تأهّب إسرائيل لأيّ تطوّر إذا تدخلت الولايات المتّحدة.
وأفادت صحيفة “تلغراف” البريطانية أن خامنئي وضع قوّات الأمن في حالة تأهّب قصوى، وأمر الحرس الثوري بتولّي زمام الأمور في قمع المتظاهرين، وكشفت أن مسؤولين إيرانيين يقولون إن مستوى التأهّب أعلى ممّا كان عليه خلال حرب الأيّام الاثني عشر، وأنه تمّ تفعيل “مدن صواريخ” تحت الأرض لمواجهة التهديدات الخارجية.
وردّ وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو، بتدوينة على منصّة “إكس” في العاشر من كانون الثاني/ يناير، أن الولايات المتّحدة تدعم الشعب الإيراني في ظلّ الاحتجاجات المناهضة للحكومة التي تشهدها البلاد، والتي تغذّيها الأوضاع الاقتصادية المتردّية، وكتب أن “الولايات المتّحدة تدعم الشعب الإيراني الشجاع”.
بينما مدّد رضا بهلوي نجل شاه إيران الأخير، دعوته عموم الإيرانيين إلى الاحتجاج لتغيير النظام حتى يوم الأحد.
تحوّل كبير بعد عشرة أيّام
شهد يوم 7 كانون الثاني/ يناير، تحوّلاً في طبيعة الاحتجاجات ووتيرتها، بحسب ناشطين سياسيين، من حيث الانتشار والحجم والمطالب المرفوعة، فالتجمّعات المتفرّقة تحوّلت إلى تظاهرات كبيرة شملت مدناً رئيسية مثل طهران وتبريز ومشهد وشيراز وأصفهان وقم، كما امتدّت الاحتجاجات إلى المحافظات ذات الأغلبية الكردية مثل كردستان وأذربيجان الغربية، بالإضافة إلى إيلام وكرمانشاه التي شاركت منذ الأسبوع الأوّل، كما استمرّت الاحتجاجات في المدن الصغيرة، في المقابل استنفرت الأجهزة الأمنية لمواجهة المحتجّين ولجأت إلى القوّة المميتة، حيث سُجّل العديد من حالات إطلاق النار.
يقول حسين عليزاده: “إن حدّة القمع المتصاعدة ضدّ المتظاهرين، تكشف عن مخاوف الدولة أكثر ممّا تظهر قوّتها وسيطرتها على المشهد”، ويضيف: “مع الاعتقالات الجماعية والاستهداف المباشر للمتظاهرين بالرصاص الحيّ، تبدو السلطات أشبه بقوّة هشّة تستعدّ للانهيار… ربما يظهر ذلك في المدن ذات الأغلبية الكردية أكثر من غيرها، حيث يُنظر إلى المعارضة هناك على أنها تهديد وجودي تاريخي”.
آخر مرّة شهدت فيها إيران اضطرابات على نطاق وطني مماثل كان قبل نحو أربع سنوات، عندما أشعلت وفاة (مهسا/ جينا أميني)، الشابّة التي كانت محتجزة لدى شرطة الآداب، شرارة واحدة من أوسع الاحتجاجات المناهضة للحكومة منذ تأسيس الجمهورية الإسلامية في عام ١٩٧٩.
وهزّت تلك التظاهرات التي اندلعت في منتصف أيلول/ سبتمبر ٢٠٢٢ أركان الدولة، وتركت صدى كبيراً خارج إيران أيضاً، خاصّة وأن المطالب الرئيسية تركّزت على “الحرّيات”، وعُرفت التظاهرات لاحقاً باسم “حركة مهسا أميني” و “المرأة، الحياة، الحرّية”، لكنّها قُمعت في نهاية المطاف بالقوّة، بعد اعتقالات جماعية واسعة.
مشاهد صادمة
تنتشر في صفحات وسائل التواصل الاجتماعي في إيران، فيديوهات كثيرة توثّق للحركة الاحتجاجية، بينها فيديوهات لمظاهرات مسائية كبرى بمشاركة الآلاف، وأخرى لمراكز شرطة مطوّقة بالمتظاهرين أو صور تُحرق لقادة إيرانيين، ومن بين أكثر الفيديوهات تداولاً مشهد اشتعال النيران بجانب من جامع “الرسول” في طهران، بينما يهتف عشرات المحتجّين “إيران… إيران”.
مشهد آخر انتشر يوم الأربعاء في السابع من كانون الثاني/ يناير، يُظهر قيام متظاهر في طهران بتغيير اسم أحد الشوارع إلى اسم ترامب، وذلك بعد أن هدّد الرئيس الأميركي بالتدخّل في حال قتلت السلطات الإيرانية المتظاهرين.
مشهد آخر انتشر بشكل واسع جدّاً في وسائل التواصل الاجتماعي، يُظهر تجمّع الآلاف في مدينة آبدانان في محافظة إيلام الكردية، مساء الثلاثاء في السادس من كانون الثاني/ يناير، وهم يمزّقون أكياساً من الأرز وينثرون حباته في الهواء، ليُظهروا أن مشكلتهم ليست قوت العيش فقط، إنما النظام ككلّ.
وقال ناشطون في المدينة، إن المتظاهرين قاموا باقتحام متجر لشركة “أفق كورش” التابعة للجيش الإيراني، وأخذوا أكياس الأرزّ منه، ثم قاموا بتمزيقها بتلك الصورة.
وكانت الاحتجاجات قد بدأت من البازار (السوق الكبير) في طهران، والتجّار هناك كانوا من أوّل الجماعات التي احتجّت علناً، حيث أغلقوا متاجرهم على خلفية انهيار العملة الايرانية، ونزلوا إلى الشوارع للمطالبة بتدخّل الحكومة لتحقيق الاستقرار في الأسواق، في تحرّك نادر وصادم بسبب امتلاكهم علاقة وثيقة بالسلطة، وهتفت الحشود من هناك ضدّ القيادة الإيرانية.
ويرى الناشط الكردي ريبين رحماني أن الحكومة تواجه “أزمة في شرعيتها”، وفقدت نفوذها الوهمي الذي كانت تتمتّع به عبر قوّاتها الوكيلة في المنطقة، وعليها أن تستسلم لإرادة الشعب بدل أن تواصل قمعها الشديد “الذي ربما فقط يضيف بضعة أيّام إلى عمرها”.
وعن طبيعة الانتهاكات التي وقعت في المدن الكردية وحجم القمع وكثافته هناك، مقارنة بأجزاء أخرى من إيران، يقول ريبين: “إن القمع في المناطق الكردية متجذّر في منظور النظام الأمني، فهي تتعامل مع جميع القضايا السياسية والاجتماعية وحتى الثقافية في هذه المناطق بنهجٍ عسكري وأمني”.
ويضرب على ذلك مثلاً بالقول: “يُشير تقرير نشرته ماي ساتو، المقرّرة الخاصّة للأمم المتحدة المعنيّة بحقوق الإنسان في إيران في آذار/ مارس من العام الماضي، إلى أنه بين العامين 2010 و2023، أُعدم ما لا يقلّ عن 154 سجيناً لأسباب سياسية، نحو 49% منهم أكراد؛ هذه الإحصائية تُشير بوضوح إلى التمييز الهيكلي والقمع المزدوج في هذه المناطق”.
ويقول الناشط المدني الموجود في أوسلو عيسى بازيار: “إن التظاهرات أكثر اتّساعاً وشمولية، وهناك شعور أكبر بالأمل رغم الخسائر في الأرواح… وشعور إيجابي بالتضامن بينهم”.
ويضيف: “هناك انتهاكات جسيمة لحقوق الإنسان وقعت خلال الاحتجاجات الحالية. قبل بضع ليالٍ، داهمت السلطات مستشفى في إيلام لخطف الجرحى، وهو ما يُعدّ انتهاكاً لاتّفاقية جنيف وبروتوكولها الإضافي ونظام روما الأساسي”.
ويتابع: “كما انتُهكت حقوق الأطفال بشكلٍ خطير؛ إذ خُطف أطفال من منازلهم، وهناك خمسة أطفال اعتُقلوا في دهلران. علاوة على ذلك، يُعدّ استخدام الأسلحة العسكرية دون اتّباع البروتوكول انتهاكاً آخر لمعاهدة جنيف”.
ويختم مشيراً إلى انتهاكات لحقوق السجناء السياسيين والمدنيين بموجب “قواعد مانديلا”: “تعرّض العديد من السجناء للتعذيب الشديد أثناء احتجازهم، لا سيّما ستّار زيدي وبيجن كريميان، وهما متظاهران مدنيان اعتُقلا خلال هذه الاحتجاجات، وتعرّضا إلى الضرب والتعذيب”.
موقف الدولة الإيرانية
الموقف الرسمي الإيراني الذي صدر عن وزارة الخارجية الإيرانية في الثامن من كانون الثاني/ يناير، اعترف ضمنياً بحصول تظاهرات واسعة، بينما حاولت السلطات في تصريحاتها التركيز على المطالب الاقتصادية للاحتجاجات وكونها تأتي نتيجة للعقوبات، كما ركّزت على الدعم الأميركي لها.
الخارجية الإيرانية ذكرت أن “إيران تعترف بالاحتجاجات السلمية وتبذل قصارى جهدها لتلبية المطالب المشروعة للشعب في إطار القانون”، بينما قال رئيس السلطة القضائية الإيرانية غلام حسين محسني أجه إي، خلال اجتماع المجلس الأعلى للقضاة: “نستمع إلى أصوات المتظاهرين والمنتقدين الذين يُبدون قلقهم عن حقّ، على سبل عيشهم والوضع الاقتصادي. سنواجه من يسعون لاستغلال الوضع الراهن لإثارة الفوضى وزعزعة أمن البلاد وشعبها”.
ووصف محسني أجه إي بعض المتظاهرين في إيران مؤخّراً بـ”المخربين”، مؤكّداً أنه لن يلتزم الصمت بعد الآن تجاههم، وقال: “إن الولايات المتّحدة وإسرائيل قد أعربتا رسمياً وعلناً عن دعمهما للمتظاهرين، ولذلك لن نتساهل بعد الآن مع المخرّبين”.
وبحسب وكالة أنباء “تسنيم” الإيرانية شبه الرسمية، أعلنت منظّمة استخبارات الحرس الثوري الإسلامي في العاشر من يناير كانون الثاني/ يناير عن اعتقال مواطن أجنبي بتهمة “جمع معلومات لصالح إسرائيل”، وزعمت أنه “دخل هذا الأجنبي البلاد عمداً متخفّياً، مُرسَلاً من جهاز استخبارات الكيان الإسرائيلي، وقد ألقت استخبارات الحرس الثوري القبض عليه أثناء جمعه معلومات وتقييمه لأوضاع العمليّات الإرهابية، التي يقوم بها شركاؤه. كما عُثر، خلال تفتيش أمتعته ومخبئه، على وثائق قاطعة تثبت تجسّسه”.
ولم يُقدّم البيان مزيداً من التفاصيل، بما في ذلك هويّة المعتقل، أو وقت اعتقاله، أو مكان احتجازه.
ما الذي يميّزها هذه الاحتجاجات عن حركة مهسا أميني في عام 2022؟
الكثير من المراقبين يعتبرون هذه التظاهرات امتداداً لتظاهرات مهسا أميني في العام 2022، على الرغم من أنها لم تصل إلى الآن إلى ذلك الحجم والسعة داخلياً، والتعاطف الدولي خارجياً، لكن هناك اختلافات أساسية، فالتظاهرات الحالية بدأت من العاصمة طهران ومن داخل السوق الذي تقليدياً يدعم السلطة الإيرانية، بينما بدأت تظاهرات أميني من مدينة سقز الكردية الصغيرة التي ولدت فيها الفتاة.
وتعلّق الباحثة داستان جاسم، وهي زميلة مشاركة في المعهد الألماني للدراسات العالمية والإقليمية، بالقول إن تظاهرات اليوم دون شكّ هي امتداد لما حدث في العام 2022 “بينما يشير الكثيرون إلى اختلاف الأوضاع الاقتصادية هذه المرّة، فإن العامل الأهم هو أننا نعيش في عالم ما بعد أحداث 7 أكتوبر، وفي ظلّ رئاسة ترامب الثانية. لذا لدينا وضع جيوسياسي مختلف تماماً، وإيران أضعف بكثير”.
وبشأن موقف المعارضة الإيرانية، ترى الباحثة المقيمة في باريس، أن “الوضع أكثر تقلّباً، فبينما تمكّنت الأحزاب الكردية الإيرانية من تنظيم نفسها وعقد مؤتمر مهم في أيلول/ سبتمبر 2025 في ألمانيا، اتّفقت فيه على نقاط رئيسية”، يبدو الانقسام ماثلاً في موقف باقي القوى الإيرانية “بسبب عدم رغبة المدافعين عن النظام الملكي (الأسرة البهلوية ورغبتهم في عودة النظام) في التنسيق مع الآخرين، وعزوف واسع النطاق عن معالجة قضيّة حقوق الأقلّيات”.
وترى الباحثة أن الطابع المركزي لحركة الاحتجاج يمثّل عاملاّ أساسياّ في استمرارها، لكنّها تشير إلى أن الأمور أكثر تعقيداً بكثير فيما يتعلّق بتغيير النظام “نرى الآن أن ترامب، في ما يتعلّق بفنزويلا، يُفضّل التعاون مع المؤسّسة الفنزويلية لتحقيق مآربه، بدلاً من تغيير النظام برمّته على غرار العراق”.
وتقول جاسم: “فيما يخصّ إيران، أرى أنه سيفعل الشيء نفسه. صحيح أن حرب الأيّام الاثني عشر أضعفت إيران، لكنّ ترامب لم يذهب إلى أقصى حدوده، وكذلك إسرائيل. ليس بسبب أنهم يُفضّلون النظام القائم، لكنّهم لا يُحبّذون استبداله بنظام غير مستقرّ، وحتى الآن، ما زالت المعارضة الإيرانية، وخاصّة الجالية السياسية في المهجر، ضعيفة للغاية لدرجة يصعب معها تخيّل قدرتها على تولّي زمام الأمور في ظلّ الجمهورية الإسلامية”.
المحرّكات والرغبة الغربية
يقول الناشط والكاتب الإيراني، الموجود في ألمانيا بجار ملكي: “إن أحد الأسباب التي ساهمت في خروج المتظاهرين هو الاقتصاد، لأن النظام لم يعد يستطيع تلبية مطالب المواطنين، بالإضافة الى الجانب السياسي”، ويضيف معلّقاً على امتداد الاحتجاجات لعموم إيران وفي مناطق لم تعرف التظاهر سابقاً: “بعدما حصل في مدينة آبدانان من تظاهرات حاشدة، انكسر حاجز الخوف، وتحوّل ما حصل فيها إلى مثال للجميع، ليخرجوا بعشرات الآلاف للشوارع”.
وعن دور رضا بهلوي نجل شاه إيران الأخير، الذي دعا عموم الإيرانيين إلى الاحتجاج لتغيير النظام، يعلّق ملكي: “لا يمكن إنكار تأثير دعوات رضا بهلوي، لكنّه ليس المحرّك الأساسي، هو حاول أن يركب الموجة عندما علم باستعداد الناس ورغبتهم للخروج، كما كان للأحزاب الكردية دور كبير حين أصدرت بياناً موحّداً تدعو الناس فيه إلى الإضراب العامّ والمشاركة في الاحتجاجات”.
وعن محرّكات الاحتجاج يقول: “إلى جانب مطالب الأقلّيات كالعرب والكرد والبلوش، كانت للأغلبية الفارسية أيضاً في طهران والمدن المحافظة والدينية مثل قم ومشهد وشيراز، مطالب متعلّقة بالاقتصاد وبالوضع العامّ بسبب فشل النظام، كلّ ذلك حرّك المحتجّين”، ويتابع: “الإيرانيون اليوم يريدون مواكبة العالم، إلا إن نظام الحكومة الايرانية رجعي وتقليدي، لهذا خرجت المدن ذات الأغلبية الفارسية أيضاً إلى الشارع”.
ويخلص إلى القول: “يمكننا أن نرى بوادر انهيار النظام الإسلامي وسلطته، هذا احتمال كبير، لكنّ الدول الغربية تفضّل أن يحدث إصلاح في إيران على أن يتمّ تغيير الحكم بالكامل، هذا الخيار أقلّ تكلفة بالنسبة إليهم، هم يخشون أن يؤدّي انهيار النظام إلى صراعات داخلية طويلة تخرج عن سيطرتهم ولا تخدم مصالحهم”.
موقع درج