بعد أن شاب وعينا القديم واغبرّ كثيراً، يمكن القول إن كلاً من ماركس وشومبيتر لم يكونا على صواب تام من حيث النبوءة على الأقل. هما تقدّما بأطر غير مكتملة لفهم تطوّر الرأسمالية ومستقبلها، واستنتجا زوال الرأسمالية بشكلٍ متباين. وبشكلٍ عام، نحن نعرف ماركس أكثر ممّا نعرف جوزيف شومبيتر.
ما طرحه الأخير هو أن تطوّر الرأسمالية نحو الاشتراكية سيكون بعواملها الداخلية، وليس بنتيجة ثورة البروليتاريا وبقية الأجندة، وظهر خطأ الرأيين كما أرى، وما زال الناس يبحثون عن طريق العدالة والمساواة. لكنّ الذي يهمّنا اليوم في أفكاره هو مفهوم» التدمير الخلاق»، الذي يعيد تركيب دورة ماركس الاقتصادية بطريقته التي ليس محل مناقشتها هنا، لأنه بهذا المفهوم، يكون قد سبق المحافظين الجدد وسياساتهم بعد منعطف الحادي عشر من سبتمبر، وكوندوليزا رايس عام 2006 بمفهومها حول «الفوضى الخلاقة»، أو»التدمير الإبداعي»، مع حرب لبنان وتحوّلات القضية الفلسطينية.
جاءت عملية اعتقال مادورو من قصره في كاراكاس تحت اسم «العزم المطلق»، ولم يحتجّ أحد – أو لم أسمع بشيء من ذلك – على الاسم، كما كان الاعتراض سابقاً على اسم «العدالة اللانهائية»، حين أطلِق على حرب أفغانستان بعد عملية سبتمبر. قيل وقتها إن العدالة اللانهائية من اختصاص الله وحده، وليس أيّ إنسان، حتّى لو كان جورج بوش وطاقمه المحافظ مع كوندوليزا رايس. في حين أُطلق على مهاجمة ليبيا للإطاحة بعنف بالقذّافي اسم «فجر الأوديسيه»، أو «فجر حورية البحر» الرومانسي في عهد أوباما.
كانت حرب العراق 2003 مهمة في إطار التدمير والفوضى كاستراتيجية. وقد وضع البعض الربيع العربي، ضمن ذلك الإطار أيضاً، وليس في إطار انتفاضة الشعوب ضدّ الاستبداد. يمكن تفهّم تردّد الغرب (أوباما) في الدعم في البداية، ثمّ التركيز على سياسات محاربة داعش، مع التحفّظ على التغيير الديمقراطي، حتّى نضوج «الفوضى» في ذلك الإطار، إذا كنّا أكثر تسامحاً. في ذلك المجال ذاته تندرج أيضاً «حرب» الرسوم الجمركية والمعارك المرافقة، أو المتوازية معها، التي أحدثت هزّة عميقة وحالة عدم يقين وذهول، لم يكن أي تقوقع على الذات لينفع معها. ذلك تدمير من المستوى النوويّ في الواقع، أو أنه قد استخدم سلاحاً نووياً كما يُقال. ذلك الدمار وانعدام اليقين في الاقتصاد الدولي هو فوضى أيضاً.
توجيه ضربة قاصمة للنظام الدولي السائد بعد الحرب الكونية الأخيرة، من خلال رفض كلّ أشكال ومستويات العولمة، إلّا حين تكون أمريكية ورفع شعار الانعزال وراء ستار «نصف الكرة الغربي»، الذي كان أولى ثمراته ما حدث في فنزويلا، وما يُطرح حول السيطرة على نفطها ومقدّراتها.. ذلك فوضى.
جاءت عملية السابع من أكتوبر، وما تلاها من حرب تدميرية كاسحة أيضاً في هذا الإطار، وأرادتها إدارة ترامب لاحقاً كذلك. أضاف مشهد الخراب في غزّة فصلاً أعنف من فصول الخراب في دول الربيع العربي، ولم يقابله إلّا عروض السمسرة والبناء والسياحة مع عمليّات التهجير وسفك الدماء وكلّ أنواع المآسي المبتكرة.
وترافق فصل غزّة – المستمرّ حتى الآن- مع فصلين مستقطعين آخرين لا يقلان أهمّية عنها: تدمير في لبنان تحت عنوان تدمير حزب الله، وضرب القدرات الإيرانية النووية والصاروخية ومعها تلك الاقتصادية والاجتماعية، بانتظار السياسية. بذلك يكون شعار استراتيجية الأمن القومي الأمريكية حول «نقل الأعباء» في الشرق الأوسط مستقبليّاً أكثر منه سياسة جارية، أو أنه مجرّد إرضاء لأهل المنطقة؛ وربما يكون التخلّي عن مركزية الشرق الأوسط ودفعه جانباً أيضاً، مجرّد «إعادة تمركز» يهدف إلى مزج بعض عناصر الانكفاء إلى الداخل الأمريكي، أو داخل الأمريكتين، بعناصر من إعادة السيطرة العالمية إلى ما كانت عليه بعد الحرب العالمية، بل خلالها وأثناءها. وربّما كان إعلان إدارة ترامب عن طموحها لزيادة ميزانية الدفاع في عام 2027 بأكثر من خمسين في المئة، اعتماداً على دخل زيادة الرسوم وزيادات الإتاوات المقبلة، دليلاً على ذلك.
تلك الإدارة ما زالت على ذلك المسار وفي بداياته، ليس تحت غطاء الحرب والسياق العسكري وحده، وإنّما أيضاً من خلال سياسة جماعة «لنجعل أمريكا عظيمة من جديد»، الذين دعموا عودة ترامب واعتبروها معركتهم، وحقّقوا تغييراً كبيراً في المؤسسة والاستراتيجيات وكلّ شيء، على ما يتطلّبه مفهوم التفوّق المطلق وسياسة الفرض والإجبار مع عقلية المقاول والمراهن وفارض كمية الخراج.. أو الريع. وفي منطقة حققت فائضاً مغرياً من طريق الريع، مهما كانت نواياها للخروج منه، ولو جزئياً، يمكن تحقيق شراكات بمنطق مختلف، في شرق أوسط جديد مختلف، تتصوّره الإدارة الأمريكية، وتحاول المواءمة بينه وبين ذلك الذي تريده الحكومة المتطرّفة في إسرائيل.
يقول الطرفان إن مقدّمات ذلك الشرق الأوسط قد تحقّقت بعد السابع من أكتوبر 2023، بإزالة حماس من المعادلة الفلسطينية، وبتوجيه ما يمكن أن يكون ضربة حاسمة – أو تكاد تكون كذلك – لحزب الله، ثمّ بما حققته عملية «مطرقة منتصف الليل» من تخفيض الخطر النووي الإيراني، وضرب أدوات النظام هناك، أو معظمها في المنطقة، وخصوصاً بعد سقوط النظام السوري واستبداله بحكومة يغلب عليها القبول، بما لم يمكن قبوله في السابق، تحصيناً لسلطتها وتثبيتاً لها.. على الرغم من أن الثقة بذلك النظام الجديد، أو قيد التشكّل ما زالت محدودة، كما ورد في «استراتيجية الأمن القومي». لكنّ الشرق الأوسط ليس بالسهولة التي تتصوّرها الإدارة الأمريكية، بحيث يقبل بالسلام الذي تريده، بسبب صعوبة تحقيق أي تقدّم في ظلّ العقبات المتوقَّعة. والأمر الأهمّ من ذلك هو صعوبة معالجة السياسة الإسرائيلية، وتذليل ممانعتها لأية تنازلات يمكن المساومة من خلالها، بل هي على العكس ما زالت تقوم بتحديث المصاعب التي تخلقها، وتزيد منها ومن حرارتها الحارقة.
وعموماً، ما زال الرئيس ترامب يزيد من حجم لقمته بالتدريج، ومن دون استراحة، وهو يستهدف مثلاً، كوبا وكولومبيا بعد فنزويلا: الأولى لأنّها يسارية وفاشلة وقريبة، والثانية لأنّها مصدر رئيس لتصنيع المخدّرات وتصديرها. لكنّ الاستراتيجية الجديدة لا تستثني شيئاً من أمريكا اللاتينية، وها هي تتمدّد- بالتوازي- إلى الخارج نحو غرينلاند، مستهدفة القطب الشمالي وموارده ومزاحمة الصين وروسيا عليه، ومستهدفة أوروبا أيضاً في واقع الأمر.
لقد استطاع دونالد ترامب وسياساته إخراجنا وإخراج العالم من الصندوق، من دون استعدادات كافية لذلك، بفرض أن العالم قادر على ذلك. وسوف تهبّ عاصفة كبرى في كلّ مكان من هذا العالم المصاب والمريض أساساً. تبدو أوروبا في حالة عاجزة عن مواجهة ذلك التغيير بأمن اقتصادي وسياسي كافٍ وهي تتدحرج نحو الميدان الروسي- الأوكراني، في حين لم تتّضح استراتيجية الصين لذلك الوضع تماماً بعد، لكنّها قادرة على الردّ أكثر من غيرها، وترتبك الأمم المتحدة مع الهجوم عليها وعلى النظام والقانون الدوليين.
أمّا في الشرق الأوسط، فقد أثبت الإيرانيون قدرتهم على متابعة الاهتمام بأقدارهم، ولو بالصوت والتعبير والاحتجاج؛ في حين ما زال الناس في فلسطين وسوريا ولبنان واليمن وربما العراق على قلق وحيرة وإحساس بالعجز.. وكأنّ الريح تحتهم، كما قال المتنبي.
كاتب سوري
القدس العربي