في خضم الخلافات التي تجتاح المنطقة العربية، تبقى سوريا حالة معقدة تتطلب فهماً عميقاً لجوهر تكوينها المجتمعي. إن الدروس المستخلصة من سنوات الصراع تؤكد حقيقة مركزية: سوريا ليست بلد أغلبية صافية، بل هي بلد أقليات متجاورة ومتداخلة، تشكّل في مجموعها أكثرية. هذا الواقع الديموغرافي والاجتماعي المعقد ليس نقطة ضعف، بل يمكن أن يكون مصدر قوة إذا ما أُحسن توظيفه في بناء عقد اجتماعي جديد. أي مشروع سياسي مستقبلي لا يضمن حقوق هذه المكونات جميعاً، ولا يشركها فعلياً في إدارة الشأن العام وصنع القرار، سيظل مشروعاً هشاً وقابلاً للانفجار في أي لحظة. ولعل ما يعزز هذا التوجه هو التجارب التاريخية المتعددة في المنطقة التي أثبتت أن الاستقرار الحقيقي لا يتحقق عبر هيمنة مجموعة على أخرى، بل عبر نظام عادل يضمن حقوق الجميع.
الدعوة إلى تجاوز خطاب الشيطنة والاتهامات المتبادلة، والتي ظهرت بوضوح في الخطاب الموجه تجاه الدروز بشكل عام وحكمت الهجري بشكل خاص، ليست دعوة لتبرير مواقف سياسية، بل هي ضرورة منهجية لفهم أعمق لجذور الأزمة. إن تجاهل المخاوف الحقيقية للمكونات الاجتماعية المختلفة، أو اختزالها في مؤامرات خارجية، هو نهج عقيم لم يعد مقبولاً في تحليل الواقع السوري المعقد. فالمخاوف التي تعبر عنها الأقليات السورية ليست اختراعاً حديثاً، بل لها جذور عميقة في التاريخ السوري الحديث، وهي تحتاج إلى معالجة جذرية عبر حوار وطني صريح وشامل.
لقد كتبت سابقاً في صحيفة العرب اللندنية عن ضرورة تجاوز النظرة الأحادية للواقع السوري، مؤكداً أن مستقبل سوريا مرهون بقدرة النخب السياسية على صياغة رؤية جامعة تعترف بالتنوع وتضمن حقوق الجميع. واليوم، أجد نفسي مضطراً للتأكيد على هذه الفكرة نفسها، لكن بدرجة أكبر من الإلحاح، فالأزمة السورية وصلت إلى مفترق طرق حاسم: إما المضي نحو مصالحة وطنية حقيقية تعترف بالجميع، أو الاستمرار في دوامة العنف والانقسام التي تهدد بزوال الكيان السوري نفسه.
هشاشة مجتمعية
◄ جوهر الأزمة السورية، فيما يتعلق بمسألة الأقليات، يكمن في أزمة ثقة عميقة. فالأقليات السورية لن تكفيها الوعود والشعارات البراقة حول المساواة والمواطنة
لا يمكن فهم الحاضر السوري دون العودة إلى جذور التاريخ الحديث. لقد عانت سوريا لعقود من الشحن الأيديولوجي والاصطفافات الطائفية التي عملت على تعميق الهوة بين مكوناتها الاجتماعية. منذ الاستقلال، مروراً بمراحل الحكم المتعاقبة، ظل السؤال حول طبيعة الدولة وهويتها من أكثر الأسئلة إلحاحاً وإثارة للجدل. ففي الوقت الذي سعت فيه بعض النخب إلى بناء دولة مركزية قوية على نموذج الدولة القومية الأوروبية، وجدت مكونات اجتماعية عديدة نفسها على هامش هذه الرؤية، تخشى على هويتها ومصيرها في دولة لا تعترف بتنوعها الداخلي.
لقد دفعت الأقليات السورية أثماناً باهظة في مراحل تاريخية مختلفة، وهذه الذكريات لا تزال حية في الوجدان الجمعي لهذه المجتمعات. التجارب المتراكمة خلقت حالة من عدم الثقة بين الدولة وبعض مكونات المجتمع، وبين المكونات نفسها في أحيان كثيرة.
والأمر الأكثر إشكالية هو أن الحكومات السورية المتعاقبة لم تنجح في بناء عقد اجتماعي مدني حقيقي يطمئن الجميع. فالدساتير والقوانين، رغم ما احتوته من نصوص حول المساواة والمواطنة، لم تترجم فعلياً إلى ممارسات مؤسسية تضمن المشاركة العادلة للجميع في السلطة والثروة. بل إن بعض السياسات، خاصة في المجال الاقتصادي والتعليمي، ساهمت بشكل غير مباشر في تعميق الفجوات بين المناطق والطوائف، مما غذى مشاعر الغبن والإقصاء.
لقد كتبت مرة عن “الذاكرة التاريخية الجريحة” للأقليات في سوريا، وكيف أن هذه الذاكرة تشكل عاملاً حاسماً في تشكيل مواقفها السياسية. فالخوف من تكرار تجارب الماضي ليس وهماً، بل هو استجابة عقلانية لتجارب حية في ذاكرة الجماعة. وهذا ما يفسر، جزئياً على الأقل، حذر بعض المكونات من الانخراط الكامل في الثورة السورية في بداياتها، أو تحفظها على بعض شعاراتها. فهذه المكونات كانت تتساءل بقلق: ماذا سيكون مصيرنا في سوريا الجديدة؟ هل سنكون مواطنين متساوين أم سنصبح مرة أخرى تحت رحمة أغلبية مسيطرة؟
مطالب مشروعة
يأتي الحديث عن حكمت الهجري كمثال صارخ على تعقيد الوضع السوري وتداخل العوامل الداخلية والخارجية في تشكيل المواقف السياسية. فالهجري، الذي يطالب بحكم ذاتي أو كيان مستقل للدروز في سوريا، يمثل في ظاهره حالة انفصالية خطيرة تهدد الوحدة الوطنية. ولكن النظرة الأعمق تكشف عن ظروف معقدة دفعت إلى ظهور مثل هذه المطالب.
◄ حان الوقت لتجاوز خطاب الطوائف والمذاهب والإثنيات وبناء هوية وطنية جامعة تتسع للجميع هوية لا تلغي الانتماءات الجزئية بل تضعها في إطار الانتماء الوطني الأوسع.
صحيح أن هناك روايات عن دعم إسرائيلي لمشروع الهجري، وهذا ما يجعل موقفه مشبوهاً وخطيراً. فالدعم الإسرائيلي لأي مشروع في سوريا لا يمكن أن يكون بريئاً، وهو يستهدف بلا شك إضعاف الدولة السورية وتفتيتها. ولكن في نفس الوقت، لا يجب أن نستخدم هذه الحالة كشماعة للهجوم على الطائفة الدرزية بأكملها، أو لوصم جميع الدروز بتهمة الخيانة والتعاون مع العدو. مثل هذا التعميم غير العادل لا يخدم إلا تعميق الانقسامات ويدفع بمزيد من الدروز نحو الانكفاء أو حتى نحو دعم مشاريع انفصالية بدافع الخوف واليأس.
الأمر الذي يحتاج إلى تأمل موضوعي هو أن الحكومة السورية الانتقالية نفسها، أو بعض أطراف المعارضة، لم تتردد في الحديث عن إمكانية التفاوض مع إسرائيل تحت شروط معينة. وهذا لا يعني تبرير التعامل مع إسرائيل، بل يدعونا إلى النظر إلى الأمور بموضوعية وبدون انفعال.
إن ظاهرة حكمت الهجري، رغم كل ما فيها من إشكاليات، تلفت انتباهنا إلى حقيقة مهمة: عندما تشعر مكونات اجتماعية بأنها مهددة في وجودها وهويتها، وقد فقدت الثقة في الدولة المركزية وفي المشاريع السياسية المطروحة، فإنها قد تلجأ إلى خيارات متطرفة تبدو للآخرين خيانة. والحل ليس في شيطنة هذه المكونات، بل في معالجة الأسباب التي دفعت بها إلى مثل هذه الخيارات اليائسة.
وعود الزائفة
إن جوهر الأزمة السورية، فيما يتعلق بمسألة الأقليات، يكمن في أزمة ثقة عميقة. فالأقليات السورية لن تكفيها الوعود والشعارات البراقة حول المساواة والمواطنة. فالتاريخ الطويل من الخيبات جعل هذه المكونات حذرة وشكاكة تجاه أي خطاب سياسي جديد. وهي تخشى، بدرجات متفاوتة، أن تكون الحكومات ذات الطابع الديني أو الشرعي مجرد مرحلة “تتمسكن إلى أن تتمكن”.
هذه المخاوف ليست وهمية أو مبالغاً فيها. فتجارب دول الجوار تظهر كيف يمكن أن تتحول الديمقراطية العددية إلى أداة لهيمنة الأغلبية على الأقليات، خاصة عندما تكون هذه الديمقراطية مجردة من الضمانات الدستورية والمؤسسية الكافية.
إن إبراز هذه المخاوف على أنها مشروعة هو الخطوة الأولى نحو معالجتها. فالنخب السياسية السورية، سواءً في النظام أو في المعارضة، لم تتعامل بجدية كافية مع هذه الهواجس. بل إن بعض الخطابات السياسية، زادت من هذه المخاوف من خلال خطاب يستند إلى مفهوم “أغلبية سنية” تواجه “أقليات” متحالفة مع النظام أو مع الخارج.
الحل الحقيقي لمخاوف الأقليات لن يأتي عبر خطابات طمأنة، بل عبر دستور مدني يضمن الحقوق والحريات للجميع، ويمنع أي هيمنة فئوية أو طائفية. دستور يقر بحقوق الثقافات واللغات المختلفة، ويضمن تمثيلاً عادلاً للجميع في مؤسسات الدولة، ويضع آليات لحماية التنوع ومنع الاستبداد بالأغلبية. وهذا لا يعني إقامة نظام محاصصة طائفية جامد، بل نظام ديمقراطي تعددي حقيقي يعترف بالتنوع ويحوله إلى مصدر قوة وإثراء للدولة والمجتمع.
لطالما سيطر على الخطاب السياسي السوري، سواءً الرسمي أو المعارض، مفهوم “الأغلبية السنية” في مواجهة “أقليات” متحالفة مع النظام. هذا التصور الثنائي المبسط لا يعكس الواقع السوري المعقد. فسوريا هي فسيفساء دينية وطائفية وإثنية معقدة، حيث تشكل الأقليات مجتمعة أغلبية سكانية إذا ما أخذنا في الاعتبار التنوع الهائل داخل المجتمع السوري.
فبالإضافة إلى العلويين والدروز والإسماعيليين والمسيحيين بمختلف طوائفهم، والإثنيات مثل الأكراد والتركمان والشركس والأرمن، هناك تنوع كبير داخل المجتمع السني نفسه بين مدن والأرياف، وبين تيارات فكرية ودينية مختلفة. هذا التنوع الهائل يجعل من المستحيل الحديث عن كتلة سنية موحدة، أو عن كتلة أقليات متجانسة.
إن أي مشروع وطني مستقبلي لا يعترف بهذه الحقيقة الديموغرافية والاجتماعية المعقدة سيظل مشروعاً ناقصاً ومهدداً بالانقسام. فالدولة السورية الحديثة يجب أن تقوم على فكرة المواطنة المتساوية التي تحترم التنوع وتضمن حقوق الجميع، لا على فكرة الهيمنة العددية لمجموعة على أخرى.
◄ ظاهرة حكمت الهجري، رغم كل ما فيها من إشكاليات، تلفت انتباهنا إلى حقيقة مهمة: عندما تشعر مكونات اجتماعية بأنها مهددة في وجودها وهويتها، وقد فقدت الثقة في الدولة المركزية وفي المشاريع السياسية المطروحة، فإنها قد تلجأ إلى خيارات متطرفة تبدو للآخرين خيانة
لقد حان الوقت لتجاوز خطاب الطوائف والمذاهب والإثنيات، وبناء هوية وطنية جامعة تتسع للجميع. هوية لا تلغي الانتماءات الجزئية، بل تضعها في إطار الانتماء الوطني الأوسع. فالسوري هو ذلك الشخص الذي يشعر بالانتماء إلى سوريا كوطن نهائي، بغض النظر عن دينه أو طائفته أو إثنيته.
الطريق إلى المصالحة
طريق المصالحة في سوريا يبدأ بالاعتراف بالخطأ التاريخي المتمثل في محاولة صهر التنوع السوري في بوتقة أحادية. وهذا الاعتراف ليس ضعفاً، بل هو قوة وبداية للشفاء. فالدولة التي تعترف بتنوعها وتضمن حقوق جميع مكوناتها هي دولة قوية ومتماسكة، أما الدولة التي تحاول قمع هذا التنوع أو تجاهله فهي دولة هشة ومعرضة للانفجار في أي لحظة.
الخطوة العملية الأولى على هذا الطريق هي وضع دستور مدني كامل، دستور يقطع مع الماضي ويرسخ لمستقبل جديد. دستور يضمن المساواة الكاملة بين جميع المواطنين بغض النظر عن الدين أو الطائفة أو الإثنية، ويفصل الدين عن الدولة بشكل واضح، ويحمي الحريات الأساسية بما فيها حرية الاعتقاد والتعبير.
ولكن الدستور وحده لا يكفي. فالنصوص الدستورية الجميلة يمكن أن تبقى حبراً على ورق إذا لم تترجم إلى ممارسات مؤسسية وسياسية حقيقية. لذلك، يجب أن يصاحب الدستور الجديد إصلاح شامل لمؤسسات الدولة، خاصة المؤسسات الأمنية والقضائية، لضمان تطبيق الدستور وحماية الحقوق التي يقرها.
إشراك الأقليات في الحكم ليس تنازلاً أو منّة من أحد، بل هو ضرورة لبقاء سوريا موحدة ومستقرة. فالدولة التي تستبعد جزءاً من مواطنيها، أو تهمشهم، لا يمكن أن تكون دولة قوية أو مستقرة. المشاركة الحقيقية تعني تمثيلاً عادلاً في مراكز القرار، وفي تقلد المناصب العليا في الدولة، وفي توزيع الثروة والموارد التنموية بين المناطق المختلفة.
وأخيراً، نحتاج إلى خطاب سياسي جديد، خطاب يركز على الشراكة لا على الهيمنة، وعلى المصالحة لا على الإقصاء، وعلى البناء لا على الهدم. خطاب يعترف بأخطاء الماضي ويتطلع إلى مستقبل أفضل للجميع. هذا الخطاب يجب أن تتبناه جميع الأطراف السياسية، بغض النظر عن مواقعها الحالية، إذا كانت تريد حقاً لسوريا أن تخرج من نفقها المظلم.
هواجس أمنية
أي حكومة انتقالية تأتي بعد نظام استبدادي طويل، تواجه معضلة أمنية معقدة: فهي تخشى، وبحق، من تسلل عناصر من فلول النظام البائد إلى داخل مؤسسات الدولة الجديدة، مستخدمة خبراتها البيروقراطية والأمنية المتراكمة لعملية اختراق منهجي. هذا الاختراق قد يتخذ أشكالاً متعددة: من التلاعب بالمعلومات وإفشاء الأسرار، إلى عرقلة القرارات التنفيذية، بل وحتى التخطيط لعملية انقلابية أو تخريبية تهدف إلى إفشال التجربة الديمقراطية الناشئة وإعادة النظام القديم بأشكال جديدة. هذه المخاوف ليست مرتعاً للخيال، بل لها سوابق تاريخية في تجارب الانتقال الديمقراطي في دول عديدة، حيث نجحت عناصر النظام القديم في اختراق الدولة الجديدة وإفشالها من الداخل، إما لاستعادة مواقعها القديمة، أو لمجرد الانتقام من قوى التغيير التي أنهت هيمنتها.
هذه الهواجس الأمنية تزيدها تعقيداً في الحالة السورية طبيعة النظام السابق، الذي بنى دولة أمنية معقدة وشبكات مصالح متشابكة تخترق كل مفاصل المجتمع. فالنظام لم يكن مجرد مجموعة من الأفراد في مراكز قيادية، بل كان بنية تحتية أمنية واقتصادية وإدارية مترابطة، تطورت على مدى عقود لتكون قادرة على الصمود وإعادة إنتاج نفسها حتى في ظل الظروف الصعبة. عناصر هذه البنية قد لا تكون جميعها مقتنعة بأيديولوجية النظام، لكنها مرتبطة به بمصالح مادية ومعيشية، وتخشى على مستقبلها في نظام جديد قد يحاسبها أو يزيحها عن مواقع النفوذ والامتياز. ولذلك، فإن مقاومة هذه العناصر للتغيير قد تأخذ أشكالاً خفية ومتطورة، مستفيدة من ضعف مؤسسات الدولة الانتقالية وافتقارها للخبرة والمعلومات الكاملة عن بنية النظام القديم وتشابكاته.
بالإضافة إلى ذلك، ثمة تخوف حقيقي من أن بعض عناصر النظام القديم قد تحاول استغلال آليات الديمقراطية والمشاركة الواسعة للتسلل إلى مراكز القرار. ففي ظل نظام ديمقراطي جديد يفتح الباب للمشاركة السياسية للجميع، قد يجد أعضاء النظام السابق، خاصة أولئك الذين لم تثبت عليهم جرائم واضحة، فرصة للانضمام إلى أحزاب جديدة أو حتى تشكيل أحزاب خاصة بهم، مستغلين شبكات علاقاتهم السابقة وقدراتهم المالية المتراكمة.
هذه المخاوف كلها حقيقية ومبررة، وتستوجب معالجة حكيمة من قبل القوى السياسية التي تتولى مسؤولية المرحلة الانتقالية. فالتهاون مع هذه المخاوف أو تجاهلها قد يكون بمثابة انتحار سياسي للتجربة الديمقراطية الناشئة. ولكن، وفي نفس الوقت، يجب أن ننتبه إلى خطورة استخدام هذه المخاوف الأمنية كمبرر لتعليق أو تأجيل المشروع الديمقراطي المدني، أو لتبني إجراءات استثنائية تقوض مبدأ المشاركة والتمثيل العادل.
المخاوف التي تعبر عنها الأقليات السورية ليست اختراعاً حديثاً بل لها جذور عميقة في التاريخ السوري الحديث وهي تحتاج إلى معالجة جذرية عبر حوار وطني صريح وشامل.
أن تجنب وضع دستور مدني وحكومة تشاركية بحجة المخاوف الأمنية سيكون بمثابة انتصار غير معلن للنظام القديم. فالنظام الاستبدادي كان يبرر قمعه وانتهاكاته دوماً بحجة الحفاظ على الأمن ومكافحة التآمر. وإذا تبنى النظام الجديد نفس الخطاب، حتى لو بنوايا مختلفة، فإنه سيكون قد سقط في الفخ الأيديولوجي للنظام القديم، وسيفقد الشرعية الأخلاقية التي قام عليها.
ديمقراطية تتسع للجميع
الحل الأمثل يكمن في تطوير آليات ذكية تتعامل مع المخاوف الأمنية دون التضحية بالمشروع الديمقراطي المدني. فهناك تجارب عالمية عديدة في إدارة الانتقال الديمقراطي في دول خارجة من حكم استبدادي، يمكن الاستفادة منها. من هذه الآليات إنشاء لجان للحقيقة والمصالحة، ووضع برامج لإعادة تأهيل ودمج موظفي الدولة السابقين، مع استثناء أولئك المتورطين في جرائم ضد الإنسانية أو انتهاكات جسيمة لحقوق الإنسان. كما يمكن إنشاء هيئات أمنية ومخابراتية جديدة تحت إشراف مدني ديمقراطي صارم، مع تطبيق برامج تدقيق وفحص دقيقة للموظفين الجدد، دون أن يتخذ ذلك طابعاً انتقامياً أو إقصائياً عاماً.
والأهم هو أن تتم هذه الإجراءات في إطار دستور مدني واضح يحمي حقوق الجميع، ويضع آليات للرقابة والمحاسبة تمنع أي انحراف أمني في المستقبل. فالدستور المدني ليس ترفاً فكرياً، بل هو الضمانة الأساسية ضد عودة الاستبداد بأشكاله الجديدة. وهو الذي يضع الحدود الواضحة بين الأمن الوطني المشروع، والقمع السياسي المرفوض. وبالتالي، فإن المضي قدماً في وضع هذا الدستور وتشكيل حكومة تشاركية هو في صميم المعركة الأمنية، وليس خارجها.
إن المخاوف الأمنية في مرحلة الانتقال الديمقراطي هي مخاوف حقيقية وتستوجب معالجة جدية، ولكن لا يمكن السماح لها بأن تصبح عائقاً أمام بناء الدولة المدنية الديمقراطية التي يتوق إليها السوريون. فالخيار ليس بين الأمن والديمقراطية، بل بين أمن قمعي هش، وأمن ديمقراطي متين يقوم على شرعية شعبية ومشاركة واسعة. السوريون جميعاً قد تعبوا من شماعة الأمن التي علقت عليها الأنظمة كل انتهاكاتها، وهم اليوم يريدون أمن الإنسان والمواطن، لا أمن النظام والحاكم. وهذا لن يتحقق إلا بدولة مدنية ديمقراطية تتسع للجميع، وتحمي الجميع.
شيطنة حكمت الهجري أو أي زعيم آخر لن تحل المشكلة السورية، بل ستزيدها تعقيداً. المصالحة الوطنية الشاملة التي ندعو إليها ليست مجرد شعار سياسي، بل هي ضرورة وجودية لسوريا. مصالحة تعترف بمخاوف الأقليات وتطمئنها عبر مؤسسات مدنية ودستور حديث، ومشاركة حقيقية في الحكم. مصالحة تتجاوز منطق الانتقام والثأر، وتنظر إلى المستقبل بثقة وأمل.
مستقبل سوريا لن يكون إلا بتعايش مكوناتها جميعاً، وباعتراف كل منها بالآخر وبحقه في الوجود والاختلاف. فالأقليات السورية ليست عبئاً على الدولة، بل هي ركيزة أساسية في بناء الدولة الجديدة، ومصدر إثراء للثقافة والهوية الوطنية. وسوريا القوية المستقرة الديمقراطية التي نحلم بها هي سوريا التي تتسع للجميع، والتي يحافظ فيها كل مواطن على هويته الخاصة وهو في نفس الوقت فخور بانتمائه الوطني الجامع.
لقد دفع السوريون ثمناً باهظاً، وحان الوقت لوقف النزيف والبدء في عملية شفاء حقيقية.