أمضى «أحمد» سنوات طويلة جداً عاملاً في مرفأ اللاذقية، ومع ذلك توجّه إلى المعبر الحدودي البري البعيد الذي تم نقله إليه طالباً الالتحاق بعمله الجديد، وعن رحلته تلك يقول بصوت منكسر في رسالة صوتية: «رحت اليوم عَ المعبر وتعذبت لوصلت.. المكان بعيد.. بس الطريق كانت حلوة جداً والناس مضيافين وكرام لكن المشكلة كانت بالمعبر! وصلت الساعة 12، قابلني مدير التنمية الإدارية بعد ما نَطَّرني نص ساعة مع أنو ما كان عنده حدا. رفض أنه يعملّي «مباشرة عمل» بحجة تَأخُّري بالالتحاق. فَرجيته الرسالة اللي أجتني عالواتس، وأنه أنا انطلب مني الالتحاق اعتباراً من 30 الشهر ومعي مهلة 15 يوم للالتحاق. قلّي: هاد القانون ما عم نشتغل عليه. قلتله: على أي قانون عم تشتغل؟ بعدها رجع قلّي: أي صح معك 15 يوم لتلتحق بس بناء على قانوني أنا مو قانونك، وطَلَّعلي من الدرج ورقة فيها قرار نقلنا على المعابر صادر قبل أسبوع من موعد تبليغنا بالقرار برسالة واتس آب».

في مخالفة لأبسط بديهيات القرارات الإدارية، أصرَّ مدير التنمية الإدارية في المعبر على أن مهلة الالتحاق تبدأ من تاريخ صدور القرار وليس من تاريخ تبليغ العامل المنقول به. يقول «أحمد» بغضب إنه شرح للمدير كيف أنه راسلَ الإدارة العامة للمعابر قبل أن يقطع كل هذه المسافة من اللاذقية لكنه لم يحصل على أي رد، وأنه راجع مديرية التنمية الإدارية فطلبوا منه الالتزام بمضمون الرسالة. لكن ذلك كله كان دون جدوى، إذ رفض المدير إلحاقه بعمله، ورفضَ السماح له بمقابلة مدير المعبر أيضاً.

«أحمد» هو اسمٌ مستعار لأحد الموظفين المشمولين بقرارات نقل طالت اثنين وسبعين موظفاً في مرفأ اللاذقية، ومئة وعشرين موظفاً من مرفأ طرطوس، إضافة إلى عشرات العاملين في مؤسسات أخرى ذات صلة بالنقل البحري من بينها إدارة الموانئ. وقد تم نقل هؤلاء الموظفين إلى معابر برية هي: معابر جرابلس والحمام والراعي مع تركيا في محافظة حلب، ومعبر البوكمال مع العراق في محافظة دير الزور.

وكانت إدارات المرافئ والموانئ قد منحت عدداً كبيراً من الموظفين إجازات مأجورة قسرية منذ آذار (مارس) 2025، الأمر الذي دفع عدداً كبيراً منهم إلى تقديم استقالاتهم، وتشمل قرارات النقل التي صدرت مؤخراً أولئك الذين لم يقدموا استقالاتهم قبلها، والذين يُفترَض أن يتم إنهاء إجازاتهم المأجورة بموجب قرار صادر عن «الأمانة العامة لرئاسة الجمهورية»، وهو ما يبدو أن الهيئة العامة للمنافذ نفذته فعلاً لكن من خلال قرارات نقل تعسفية يستحيل على أغلب المنقولين تنفيذها.

وتم تبليغ قرارات النقل للموظفين عبر رسائل «واتس آب» فردية بتاريخ التاسع والعشرين من تشرين الثاني (نوفمبر) الماضي، غير أن الموظفين اكتشفوا لاحقاً أن القرار كان قد صدر قبل ذلك بأسبوع، أي في الثالث والعشرين من الشهر ذاته، عن الهيئة العامة للمنافذ والجمارك، وهي جهة إدارية تم إحداثها مؤخراً بمرسوم رئاسي في تشرين الثاني (نوفمبر) الماضي، ضمّت تحت سلطتها جميع المعابر البرية والبحرية وما يتصل بها من مرافئ وجمارك.

وبسبب الفارق الزمني بين تاريخ صدور القرار وتاريخ تبليغه، لم يتبقَّ أمام الموظفين سوى أيام قليلة للالتحاق بمراكز عملهم الجديدة، بدلاً من مهلة الأسبوعين التي يكفلها القانون الأساسي للعاملين في الدولة، الذي لم يطرأ عليه أي تعديل حتى الآن. وقد وصف «أحمد» وضعه، الذي يشاركه فيه عدد كبير من الموظفين، بأنه «مأزق حقيقي»، مُشيراً إلى أن حجب معلومات أساسية أدى إلى وضعهم في خانة المتأخرين عن الالتحاق، ما قد يترتب عليه اعتبارهم مستنكفين عن العمل أو بحكم المستقيلين.

جهود الاعتراض على قرارات النقل في اللاذقية

في إطار اعتراضهم على القرار، توجّه الموظفون المتضررون في اللاذقية بدايةً إلى القضاء لتسجيل شكوى رسمية، إلا أنه جرى رفض تسجيل الشكوى. بعد ذلك قصدوا مبنى المحافظة، وهناك حاول أحدهم شرح القضية لأحد المسؤولين، غير أن موظفاً في المحافظة قاطعه بالقول: «والله ما صار عليكم شيء، شوفوا شو صار فينا بإدلب، بيوتنا انقصفت وتشردنا». وقد ردَّ عليه الموظف الذي تحدث باسم زملائه قائلاً: «يا أخي، حاسب اللي قصفكم وعاقبه، ليش بدك تعاقبني أنا وهالموظفين؟ شو عملنا لك؟».

لم تتوقف تحركات الموظفين عند هذا الحد، بل واصلوا طرق جميع الأبواب الممكنة لإلغاء القرار، وفي الثالث من كانون الأول (ديسمبر) تقدَّمَ عشرات الموظفين المنقولين من مرفأ اللاذقية بعريضة إلى «نقابة عمال النقل البحري والجوي»، طالبين أن ترفعها بدورها إلى «الاتحاد العام لنقابات العمال».

نعرض هنا نص العريضة كاملاً لأنه كفيلٌ بشرح معظم أبعاد القضية:

«السيد رئيس نقابة عمال النقل البحري والجوي

الموضوع: وقف الإجراءات غير القانونية بحق العاملين في شركة مرفأ اللاذقية، وطلب الالتزام بأحكام القانون الأساسي للعاملين في الدولة والقرارات النافذة.

بتاريخ  29-11-2025 مساء الجمعة وردتنا رسائل على الواتس أب:

السلام عليكم (الاسم الثلاثي) بناءً على مقتضيات المصلحة العامة تم نقل مكان عملك إلى معبر (اسم المعبر) ابتداءً من يوم الأحد الموافق 30-11-2025م. يرجى الالتحاق بمكان العمل يوم الأحد.

ملاحظة: هذا الرقم مخصص للإبلاغ  فقط وغير مخصص للرد.

قرارٌ يمنح 36 ساعة لنكون متواجدين في مكان العمل الذي يبعد ما يزيد عن ٥٠٠ كم سفر عن مواقع سكننا، علماً أننا موقوفون قسراً عن العمل وممنوعون من دخول المرفأ منذ مطلع شهر آذار من هذا العام، أي منذ تسعة أشهر، رغم صدور القرار رقم 2533 تاريخ 27-8-2025 عن الأمانة العامة لرئاسة الجمهورية، الذي تضمّنت الفقرة (ح) منه العمل على تدوير العاملين ضمن الجهة العامة الواحدة أو بين الجهات العامة الأخرى ضمن المحافظة الواحدة بالتنسيق مع وزارة التنمية الإدارية.

وبدلاً من تطبيق الفقرة الأخيرة من القرار المذكور، القاضية بتكليف الجهات العامة بالإيعاز إلى مدراء التنمية الإدارية لديها بإنهاء الإجازة المأجورة والعودة للعمل اعتباراً من تاريخ 1-9-2025، تم إلزامُنا بالتوقيع قسراً على تعهد يتضمن قبولنا بالتكليف بعمل أدنى أو تكليفنا بالعمل في أي مكان آخر، رغم أن التكليف بعمل أدنى وفقاً للقانون يكون في حال إلغاء الوظيفة وهنا لم يحدث ذلك.

وانسجاماً مع نصوص مواد القانون الأساسي للعاملين في الدولة، والذي بموجبه نحن عاملون مؤصَّلون في الملاك العددي الدائم لشركة مرفأ اللاذقية، ومع القرار الصادر عن الأمانة العامة أعلاه، فإن إدارة شركة مرفأ اللاذقية لم تعمد إلى تطبيق القرار الصادر عن الأمانة العامة لرئاسة الجمهورية والمستند الى القانون الأساسي للعاملين في الدولة وإلى الإعلان الدستوري، وبدلاً من إعادتنا للعمل تم توظيف عاملين جدد خلافاً للفقرة (أ) من قرار الأمانة أعلاه، التي نصَّت على عدم الإعلان عن إجراء مسابقات للتعيين أو التعاقد أو التوظيف بكافة أشكاله إلا في حالات الضرورة القصوى، وبناء على مذكرة تبريرية تُبيّنُ عدم توفر الاحتياج والاختصاص من داخل الملاك العددي للجهة العامة وباقي الجهات الأخرى وبالتنسيق مع وزارة التنمية الإدارية.

وحيث أن الإدارة لم تعمد إلى تسجيل طلبات الاعتراض على قرارات النقل في الديوان العام، فقد جئنا لتثبيت اعتراضنا على هذه القرارات وللمطالبة بحقوقنا القانونية .

بناءً على ما تقدّم، يرجى العمل بالتنسيق مع الأخوة في اتحاد عمال المحافظة والاتحاد العام لنقابات العمال للعمل على:

1- وقف جميع الإجراءات غير القانونية المتعلقة بنقلنا أو تكليفنا عبر رسائل الواتس آب.

2- إعادتُنا إلى عملنا السابق بوصفنا عاملين مؤصَّلين وليس من حق الإدارة إقصاؤنا عن العمل، خاصة بعد صدور قرار الأمانة العامة لرئاسة الجمهورية بانتهاء الإجازات المأجورة بتاريخ 1-9-2025، وتمكيننا من ممارسة عملنا ورفع الحظر المفروض علينا منذ تسعة أشهر دون مستند قانوني، أو نقلنا إلى أي جهة ترونها مناسبة ضمن محافظة اللاذقية وفقاً لقرار الأمانة العامة لرئاسة الجمهورية».

من جهته، قام الاتحاد المهني لعمال النقل في 4 كانون الأول (ديسمبر) برفع كتاب إلى الاتحاد العام لنقابات العمال يعرض فيه ما يلي:

«تقدم إلينا /102/ عاملة وعامل بكتاب بتاريخ 3-12-2025، يطلبون فيه:

– وقف جميع الإجراءات المتعلقة بنقلهم عبر رسائل الواتس آب.

– إعادتهم إلى أماكن عملهم عملاً بقرار الأمانة العامة لرئاسة الجمهورية رقم 2533 تاريخ 22-8-2025، أو نقلهم إلى أي جهة ترونها مناسبة ضمن محافظة اللاذقية وفقاً لقرار الأمانة العامة.

إننا في نقابة عمال النقل البحري والجوي نؤيد مطالب العمال، ونرجو منكم وقف مواعيد القرار والعودة عنه حفاظاً على الاستقرار العائلي والأسري لعمالنا.. شاكرين تعاونكم».

«محمد» اسم مستعار لأحد الموقّعين على العريضة الاحتجاجية، وهو يقول: «توجهنا بدايةً إلى القضاء لتسجيل اعتراضنا بشكل قانوني أمام المحكمة، إلا أن القاضي رفض تسجيل الاعتراض، وقال لي: ماذا تظن نفسك؟ هل نحن في سويسرا؟». يقول «محمد» إنه يدرك تماماً الواقع الذي يعمل فيه، ويعرف أنه ليس في سويسرا، فقد أمضى 25 عاماً في مجال تشغيل السفن، من بينها عشر سنوات عمل خلالها مديراً للعمليات في شركة CMA الفرنسية، قبل أن يتفاجأ بقرار نقله إلى معبر البوكمال عبر رسالة واتس آب.

يوضح «محمد» حجم التغييرات التي طرأت على القطاع البحري في السنوات الماضية، قائلاً إن عدد العاملين في مرفأ اللاذقية كان يقارب 1700 موظف، من بينهم نحو 1200 من الفئة الأولى، والبقية من العمال والحراس والسائقين. ومنذ عام 2020 وحتى اليوم، خرج من المرفأ مئات من موظفي الفئة الأولى، بعضهم تم فصله، وآخرون قدموا استقالاتهم تحت ضغوط مختلفة. ويُقدِّر «محمد» أن عدد موظفي الفئة الأولى المتبقين لا يتجاوز 300 موظف، من بينهم 73 شملهم قرار النقل الأخير.

ويرى «محمد» أن مشكلات القطاع العام معروفة، ومن أبرزها ما يُعرف بـ«البطالة المقنّعة» نتيجة تَركُّز أعداد كبيرة من موظفي الفئة الأولى في مؤسسة واحدة، إلا أنه يؤكد وجود بدائل عديدة لمعالجة هذه المشكلة، مثل دعم الموظفين بقروض صغيرة لبدء مشاريع خاصة، أو تقديم حوافز للقطاع الخاص لتوظيفهم، أو إتاحة فرص جديدة للموظفين ذوي الخبرة لإثبات كفاءتهم بدل إقصائهم.

إحلال معايير الولاء محل الكفاءات

في محافظة اللاذقية، تم إلحاق ست مؤسسات عامة ذات صلة بالنقل البحري بالهيئة العامة للمعابر، وهي: مرفأ اللاذقية، مؤسسة النقل البحري، التوكيلات الملاحية، مؤسسة التدريب والتأهيل، المدرسة البحرية، وإدارة الموانئ. وبحسب إفادات الموظفين، فقد ترافق هذا الإلحاق مع تغييرات واسعة شملت استبدال موظفين جدد بعدد كبير من موظفي الساحل السوري، معظمهم من محافظة إدلب، حيث اعتُمد معيار «الولاء والخلفية الثورية» بدلاً من المؤهلات العلمية أو الخبرة العملية.

ويُشير الموظفون الذين تحدثتُ إليهم إلى أن أغلب المُعيَّنين الجدد لا يحملون شهادات جامعية ولا ينتمون إلى الفئة الأولى، في حين تبدأ رواتبهم من 300 دولار أميركي بينما تبلغ رواتب موظفي الساحل نحو مليون ومئة ألف ليرة سورية (ما يعادل 100 دولار تقريباً)، سواء نُقِلوا أم لا. يعتبر الموظفون هذا التفاوت تمييزاً واضحاً، يبدأ من طبيعة القرارات وآلية تبليغها، مروراً بحجب المعلومات، وصولاً إلى إقصاء أصحاب الخبرة وتعيين موظفين برواتب أعلى ومن دون مؤهلات مماثلة.

من وجهة نظر بعض من تحدثت معهم، يحمل هذا التمييز بُعداً طائفياً وليس بُعداً متعلقاً بالولاء فقط، ذلك أن الأغلبية العظمى من الموظفين والموظفات المنقولين والمنقولات ينحدرون من الطائفة العلوية. وسواء كان الأمر متعلقاً بتمييز طائفي أم تمييز على أساس الولاء، فإن الأمر يبدو من وجهة نظر كثير منهم أشبه بعقوبة على ذنب لم يرتكبوه.

استقالات قسرية

تعمل السيدة أمل في مرفأ اللاذقية منذ ثلاثين عاماً، وتمتلك خبرة واسعة، إذ شاركت مع خبراء دوليين في إعداد خرائط هيدروغرافية لميناء اللاذقية، وأسهمت في إعداد مخططات رئيسية لمرفأ جيزان في المملكة العربية السعودية. ورغم ذلك، فوجئت بقرار نقلها إلى معبر البوكمال البري.

تقول أمل إن الانتقال إلى منطقة بعيدة وغير آمنة، وبتكاليف معيشية لا يغطيها راتبها، جعل القرار غير قابل للتنفيذ عملياً أو إنسانياً. وتُشير إلى أن الطريق إلى البوكمال يمر بمناطق غير مستقرة، إضافة إلى بعدها الجغرافي وغياب أي دعم سكني أو لوجستي.

قدّمت أمل استقالتها في اليوم التالي لتلقيها رسالة النقل، أي في 30 تشرين الثاني (نوفمبر)، وتمت الموافقة عليها في اليوم نفسه من قبل إدارة مرفأ اللاذقية، تماماً كما حصل مع موظفين آخرين قدّموا استقالاتهم. ويرى الموظفون الذين تحدثتُ إليهم أن القبول الفوري للاستقالات يُعزز الاعتقاد بأن قرارات النقل تهدف فعلياً إلى دفعهم للاستقالة.

في المقابل، لم تُصدر حتى الآن براءات ذمة للموظفين المستقيلين، ما يمنعهم من الالتحاق بأعمال أخرى، وذلك بحجة انتظار موافقة مدير الهيئة العامة للمنافذ على الاستقالة وانتظار تعليمات إدارية لاحقة لم تصدر رغم مرور أكثر من شهر على قبول بعض الاستقالات.

مخالفات قانونية مُحتملة

في مرفأ طرطوس، صدر قرار مماثل بنقل 120 موظفاً من الفئة الأولى إلى معابر برية خارج المحافظة، وهو ما يعتبره الموظفون مخالفاً للقانون الأساسي للعاملين في الدولة، الذي تمنع المادة 31 منه نقل الموظفين خارج محافظاتهم دون موافقة لجنة يشارك فيها رئيس اللجنة النقابية التي يتبع لها العامل، وهو ما لم يحدث.

وقد تقدَّمَ الموظفون المنقولون باعتراض رسمي يُطالبون فيه بإلغاء القرار، أو نقلهم إلى مؤسسات أخرى ضمن المحافظة بالتنسيق مع الجهات المختصة، ومن بينهم «سامر» الذي رفض الالتحاق بمكان عمله الجديد واصفاً إياه بـ«المنفى»، لكن دون أن يتقدم باستقالته.

وقد اعتصم عدد من الموظفين والموظفات أمام مبنى محافظة طرطوس بعد أيام قليلة من تلقيهم قرارات نقلهم، وقابلهم المحافظ ووعدهم بمتابعة قضيتهم، لكن دون جدوى حتى الآن. بالمقابل، التحق بعض الموظفين المنقولين من طرطوس بمعبر جرابلس، وذلك بعد تلقيهم وعوداً تتعلق بالسكن، ورفع الرواتب، واعتماد نظام دوام بالتناوب. إلا أن هذه الوعود، بحسب إفاداتهم، لم تُنفَّذ، وطُلِبَ منهم الالتزام بالدوام اليومي بالراتب السابق نفسه، مع تحمُّل أعباء السكن والمعيشة، فضلاً عن تعرضهم لمعاملة تمييزية، كما أشاروا إلى عدم معرفة رؤسائهم في العمل بما تعنيه كلمة «الفئة» في القانون الأساسي للعاملين في الدولة، وجهلهم بأحكام القانون بشكل عام.

*****

يؤكد «أحمد» تَمسُّكه بحقوقه وأنه سيحاول المطالبة بها بكل الوسائل القانونية، مُشيراً إلى أنه بعد أكثر من 20 عاماً من الخدمة في مرفأ اللاذقية، يجد نفسه اليوم بلا عمل وبلا راتب تقاعدي، مع التزامات مالية وقروض مصرفية، وهو حال عشرات الموظفين الآخرين.

يجد عشرات الموظفين أنفسهم أمام قرارات نقل تجبرهم على قطع مئات الكيلومترات إلى مناطق بعيدة جداً عن بيوتهم وعبر طرق غير آمنة لهم، ما يضعهم في عزلة داخل بيئة لا يعرفونها بعيداً عن عائلاتهم في إجراء لا إنساني يشبه الاجتثاث، وفي ظل رواتب لا تكفي لتغطية مصاريف استئجار منزل ونفقات معيشة عائلة في حال أرادوا اصطحاب عائلاتهم، ويبقى الموظف مهدداً برفض قرار المباشرة واعتباره مستقيلاً لتأخُّره حتى لو حاول الالتحاق فعلاً.

تتعدى خطورة القضية، بالتأكيد، حدود الموظفين وعائلاتهم المتضررة، لتطرح سؤالاً جوهرياً حول واقع القطاع العام اليوم، ومستقبل الخبرات في ظلّ هذه السياسات الارتجالية التي لا تعمل بقانون واضح، وربما تعترف بقانون ولا تعمل بما يرد فيه، وهذا هو التحدي الحقيقي الذي يحتاج إجابات محددة.