-
-
.ياسين السويحة.. الجمهورية .نت
-
تعيش إيران منذ أكثر من أسبوعين موجة احتجاجات جديدة وعارمة، بدأت بإضرابٍ في البازار احتجاجاً على التضخّم وانهيار القدرة الشرائية، لتتوسّع سريعاً في مختلف أنحاء البلاد. وفي حين تسعى «الجمهورية الإسلامية» للتعتيم على ما يجري عبر قطع الإنترنت، وغيرها من القيود على وصول الأخبار والمعلومات، إلا أن ما رشحَ حتى الآن يُظهِرُ مستوىً كبيراً من القمع، إذ تجاوزت تقديرات عدد القتلى الآلاف الثلاثة حسب تقديرات المؤسسات الحقوقية. لإحاطة أفضل حول الملامح الاجتماعية لهذا الحِراك المُنتفِض، مشتركاته مع الموجات الاحتجاجية السابقة وعناصره الجديدة في الشوارع والساحات، حاورنا نادر طالبي، الناشط السياسي الإيراني، والباحث والأستاذ الزائر في العلوم الاجتماعية ودراسات الهجرة في المعهد البَرْلِينِي للبحوث الإمبريقية في مجال الاندماج والهجرة (BIM) في جامعة هومبولت في برلين؛ والحائز على الدكتوراه في العلوم الاجتماعية من جامعة لانكستر عن أطروحة بعنوان «سلطة الدولة والثورة: نحو تحليلٍ استراتيجي-علائقي لثورة 1979 في إيران».
* * * * *
بناءً على ما نعرفه حتى الآن، وبالمقارنة مع موجات الاحتجاج خلال العقدين الأخيرين، ما الملامح الجديدة في الانتفاضة الإيرانية الحالية؟
من المُحتمَل أننا شهدنا بين الخميس والجمعة الماضيين أكبر مظاهرات ليوم واحد في تاريخ إيران ما-بعد 1979. لا أعني أن هذين اليومين شهدا أكبر مظاهرة في تاريخ كل مدينة على حدة، لكن إذا قارنّا هذه الانتفاضة بموجة 2022 سنُلاحظ اختلافاً واضحاً في النمط. آنذاك كانت الاحتجاجات تشتعل في مدينة أو اثنتين، ثم تنتقل إلى منطقة، فمدينة ثالثة، ثم منطقة جديدة… لم نرَ سابقاً هذا المستوى من التكثيف المتزامن. وقد جاء هذا التصعيد بعد نحو عشرة أيام من الارتفاع التدريجي في حدّة الاحتجاج.
الجديد أيضاً أن هذه الاحتجاجات تنفجر في ظل معيشة تزداد استحالة يوماً بعد يوم. الوضع المعيشي سيئ منذ فترة طويلة نتيجة مزيج الفساد والسياسات النيوليبرالية للنظام، لكنه ازداد سوءاً مؤخراً ضمن سياق أشبه بـ«الليمبو» ما بعد الحرب. التضخم ينهش القدرة الشرائية، والطبقات الوسطى تنزلق نحو الفقر، في حين بات الفقراء جياعاً. كان إضراب بازار طهران الشرارة الأولى، لكن الاحتجاج سرعان ما توسّع ليشمل مجمل جوانب الحياة المتأزمة، في ظل انهيار القدرة الشرائية واقتطاعات الإنفاق العام.
هناك استمراريات مع الانتفاضات السابقة، لا سيما في طريقة خروج الناس إلى الفضاء العام، لكن اللافت هو النمو الكبير لدور الأحياء والهوامش مقارنة بالموجات الماضية. في 2009 تركزت المظاهرات في الشوارع المركزية للمدن الكبرى. ومنذ 2017 بدأت جغرافيا الاحتجاج تمتد نحو الأحياء والمدن الأصغر، لكن هذه الموجة هي الأوضح والأوسع في هذا الاتجاه.
وكما في كل الاحتجاجات منذ 2017 وصولاً إلى لحظة 2022 الثورية، يجب فهم هذه الانتفاضة ضمن سياق النضال من أجل «استرداد الحياة». ورغم أن قضية النساء أقل حضوراً رمزياً مقارنة بلحظة جينا 2022، فإنها باتت مُتضمَّنة بشكل راسخ في المطلب العام. منذ 2022 أصبحت مشاهد تحدي النساء للسلطة ونزع الحجاب جزءاً بنيوياً من شكل الاحتجاج.
أيضاً، هذه أول مرة لا يكون فيها مصدرُ الخشية هو قمع النظام وحده. فهناك احتمالات حقيقية لعمل عسكري أميركي-إسرائيلي، وهذا يُدخل عوامل تعقيد ويخلط الأوراق.
أيضاً، وحسب ما نعرفه، درجةُ وحشية النظام في قمع الاحتجاجات خرقت مستوىً جديداً في إيران مقارنةً بالسنوات الماضية.
إضافة إلى ملمح جديد آخر هو الحضور الأوضح لمناصري رضا بهلوي، وريث الشاه، في الشوارع.
هل توسّعت الاحتجاجات طبقياً وقطاعياً منذ 2009؟ في الثورة الخضراء كان مركز الاحتجاج الطبقات الوسطى وطلاب جامعات المدن الكبرى، أليس كذلك؟
لدي بعض التحفظ على هذا التوصيف. صحيح أن انتفاضة 2009 قُدِّمت خطابياً بوصفها حركة ليبرالية للطبقات الوسطى، لكن الواقع كان أكثر تعقيداً وتفصيلية. الأهم أن منطق 2009 كان إصلاحياً: إصلاحية راديكالية، نعم، لكنها بقيت ضمن منطق «الإفحام» إن صح التعبير، أي إثبات خطأ النظام أخلاقياً وسياسياً ودفعه إلى التراجع.
سادت آنذاك رغبة واضحة في عدم التطرّف، وبرزت المظاهرات الصامتة. أتذكر مشاركتي في مظاهرة صامتة حاولتُ خلالها الهتاف بإسقاط النظام، فقوبلت بالرفض وطُلِب مني الالتزام بالصمت. في الانتفاضات اللاحقة، بدأ الرفض الجذري للنظام يظهر في مراحل أبكر، بالتوازي مع انتقال الاحتجاج من المراكز إلى الأحياء، ومن المدن الكبرى إلى البلدات: من المراكز إلى الهوامش.
تدريجياً، رأينا حضوراً أكبر لهذه الهوامش وثقةً أعلى بنفسها في التعبير السياسي. انتفاضة جينا 2022، على سبيل المثال، انطلقت من كردستان. لا أذكر ذلك بوصفه محدداً وحيداً لطابع الانتفاضة، بل للدلالة على تحوّل مهم: لم تعد الهوامش تنتظر المركز كي يتحرك.
الموجة الحالية هي الأوسع جغرافياً، وهي أيضاً أكثر عنفاً من حيث نمط الاحتجاج والدفاع عن النفس. لم يعد هناك سعي لـ«الإفحام الأخلاقي» للنظام. المنطق السائد اليوم هو: إذا ضربونا، سنرد. لا يمكنك الاستمرار في طلب حياءِ مَن «لا يستحي»، بل عليك دفعه بعيداً كي تستعيد حيّك وشارعك ومدينتك… وحياتك. هذا المنحى بدأ في 2017، ونراه اليوم في أوضح صوره.
قلتَ إن الحضور الرمزي لقضية النساء أقل من 2022 لكنه بات مُتضمَّناً عضوياً. هل يُمكن أن توضح ذلك؟
أَعتبرُ انتفاضة جينا 2022 لحظةً ثورية بامتياز، ذات صدى عالمي، ليس فقط بدافع التضامن مع إيران، بل لأن شعار «المرأة، الحياة، الحرية» ألهم نضالات أخرى حول العالم. القراءة الليبرالية تختزل ذلك في «حقوق النساء» أو «الحجاب»، وهما قضيتان مهمتان بلا شك، لكنني أرى المسألة أعمق: الأبارتهايد الجندري جزء جوهري من ممارسة الجمهورية الإسلامية للسلطة، بما فيه فرض الحجاب. لهذا أصبحت النساء يَختصرنَ ويُمثّلنَ مُجمَلَ القمع والظلم الذي يُمارسه النظام. خلعُ الحجاب علناً ليس احتجاجاً على فرض الحجاب فقط، بل فعل عصيان شامل. خلال السنوات الماضية، بات شائعاً السعي لتحويل أحياء كاملة إلى فضاءات عصيان، يُسقَط فيها فرض الحجاب كتعبير عن تحرير هذه المناطق من سلطة النظام.
بهذا المعنى، أصبح نضال النساء جزءاً عضوياً من جوهر الاحتجاج العام، تماماً كما أصبح شعار إسقاط النظام مرادفاً لشعار «المرأة، الحياة، الحرية». كلاهما تعبيرٌ عن نضال لاستعادة الحياة، وبالتالي هما نضالان نسويان، لا بالمعنى الليبرالي الضيق، بل بمعنى استعادة شروط الحياة نفسها.
صحيح أن هذا البُعد أقل بروزاً رمزياً مما كان عليه في 2022، حين تمركزَ الشعار وتحوّلت أجساد المحتجّات إلى تجسيد للاحتجاج، لكن أثر تلك اللحظة كان عميقاً. لقد أعادت تشكيل طبيعة النضال، فصار أكثرَ اهتماماً بالرعاية وبسياسات الحياة، وأقل ذكورية، وأبعد عن مفهوم الثورة المُتمركز حول «الشرف» الرجولي الذي هيمن طويلاً في منطقتنا، بما في ذلك الانتفاضات العربية.
هل هناك عنصرُ جيل «زد» في هذه الاحتجاجات، كما رأينا في المغرب؟
إيران بلد شاب ديموغرافياً، لذا من الطبيعي أن يكون للشباب حضور بارز. لكن ما نراه هو مشاركة أجيال متعددة. جيل «زد» الإيراني هو، في معظمه، أبناء من وُلدوا في ظل الجمهورية الإسلامية، وأبناء جيل علّقَ آمالاً طويلة على التيار الإصلاحي، وهي آمال لم تَعُد قادرة على استيعاب حجم الغضب الحالي.
هذا الجيل لم يَعِش أسوأ مراحل العنف في الثمانينيات، كما أن جائحة كورونا عطّلت الجامعات كفضاء عام وكحيّز هيمنة لقرابة سنتين، ما أضعفَ الدور الأبوي للنظام. لذلك قد يمتلك هذا الجيل مفردات وأدوات مختلفة. مع ذلك، أتحفّظ على اختزال هذه الانتفاضة في جيل بعينه.
الباحث والناشط السياسي الإيراني نادر طالبي هل انتهت ثنائية إصلاحيين/محافظين في إيران؟
منصب رئاسة الجمهورية في إيران أقرب إلى رئاسة حكومة خاضعة لسلطة المرشد، وحتى هذه الصلاحيات محدودة. هذا يحُدد معنى وحدود وصول «إصلاحي» إلى الرئاسة.
لوجود تيار إصلاحي وظيفتان: داخلية وخارجية، وكلتاهما متعلقتان بإدارة الآمال. داخلياً، يقدّم الإصلاحيون وعداً بإمكانية تحسّن المعيشة والحريات من داخل النظام، ومن دون «مغامرات خطرة». وكثيراً ما يُستَخدَم المثال السوري كتحذير. خارجياً، يمنح هذا التيار سردية مريحة للأوساط الراغبة في التعامل مع إيران، بزعم دعم «الاعتدال» في مواجهة المتشددين.
لكن التيارين، الإصلاحي والمحافظ، يمران اليوم بأزمة عميقة. لم تعد هذه المنظومة قادرة على إدارة آمال الناس، ولم يعد هناك من يراهن جدياً على الإصلاحيين. بل أذهب أبعد: أعتقد أن خامنئي فضّلَ دائماً وجود رؤساء إصلاحيين لا يتحدّون سلطته، لأنهم يُشكّلون شماعة مثالية لتعليق الإخفاقات، كما نرى اليوم في خطاب أنصاره حول الأزمة الاقتصادية.
ما القاعدة الاجتماعية للنظام اليوم؟
يصعب عليّ تَخيُّل وجود قاعدة صلبة مؤيدة للنظام خارج دائرة المستفيدين المباشرين. هناك بالطبع تَدرُّجات: من لا يؤيد النظام لكنه لا يجرؤ على الاحتجاج، ومن يؤيده لكنه غير مستعد للقتل دفاعاً عنه.
على مدى 47 عاماً، نجح النظام في خلق قاعدة من «المتورطين» في جرائمه، ممن لا يستطيعون تَخيُّل حياة من دونه، ويوقنون أنهم سيُحاسَبون إن سقط. هذا الترابط المصيري هو عصبيتهم الأساسية، وهؤلاء هم القوة الضاربة للنظام.
كانت هناك أيضاً شعبية لمظهر القوة، لكنها تآكلت بشدة وبسرعة بعد حرب الأيام الاثني عشر. الجميع يعاني التضخم، لكن بعضهم كان يتباهى بـ«العزة القومية». هذا الزهو تلاشى بعد الضربة التي تلقاها النظام والصورة التي بدا عليها بعدها.
هل ازدادت شعبية وريث الشاه اليوم؟
نعم، شعبيته ارتفعت، لكنها ما زالت محدودة وغير مُهيمنة. أقرأ هذا الارتفاع بوصفه تعبيراً عن خيبة الأمل من البدائل الأخرى، لا تعبيراً عن أمل. شعبيته مركزيةُ الطابع، ولا تظهر مثلاً في كردستان أو أذربيجان أو خوزستان.
هو نشطٌ إعلامياً منذ فترة طويلة، وحاول أن يبرز خلال انتفاضة 2022، لكن من الصعب تسويق وريث الشاه كبطل لـ«المرأة، الحياة، الحرية». يُمثّل للبعض وسيلة ناجعة لإيذاء النظام اليوم، وفي لحظات اليأس قد يكون ذلك كافياً. لا أكثر. فهو يفتقر للكفاءة والكاريزما، وذاكرةُ الاستبداد الشاهنشاهي ما زالت حيّة. يُضاف إلى ذلك طبيعة الفريق المحيط به، ذي التوجهات اليمينية المتطرفة، التي تُمجّد نماذج كـبينوشيه في تشيلي، أو تدعو صراحةً لإعدامات جماعية.
ولأنه يُدرك أن شعبيته مرتبطة بصورة القادر على إيذاء النظام، بات يلتحق أكثر بإسرائيل ويتصرف كناطق غير رسمي لبروباغندتها، بدلاً من ممارسة سياسة إيرانية فعلية تقوم على بناء تحالفات.
ومع كل التقدير المتحفظ لمدى قوّته وشعبيته الفعلية، لا يمكن إنكار أن الهتاف له ولعودته بات حاضراً في الشارع. وهذا جديد.
وماذا عن الشتات الإيراني؟ هل هناك جديد هذه المرة؟
في 2022، كانت القوى التقدمية في الشتات هي المبادِرة. هذه المرة، سبقتها القوى الملكية من حيث سرعة التحرك، وليس بالضرورة الحجم. يعود ذلك، بحذر، إلى خيبة الأمل من الخيارات التقدُّمية، وعجزها التنظيمي. يلعب احتمال التدخل العسكري الأميركي–الإسرائيلي دوراً كبيراً أيضاً.
أمام التدخّل العسكري هناك قولان سهلان: قول أنصار الجمهورية الإسلامية، وقول الأوساط المتحمّسة لإسرائيل والمتحلّقة حول وريث الشاه. ما بين القولين هناك حاجةٌ للتركيب وفهم تعقيدات الوضع وتوقع وترقّب عواقبه، لكن ليس سهلاً على الخيارات التقدمية والجمهورية أن تصيغه وأن تتعامل معه وسط الظروف الحالية، ولعل هذا ما يُفسر سرعة مبادرة الخيارات الملكية في حشد الشتات الإيراني هذه المرة مقابل تلكؤٍ أو حيرةٍ من أوساط سياسية أخرى.
-
