-
-
..زينة شهلا
-
تم تغيير أسماء من تحدّثنا إليهم في هذه المادة، واستبدالها بأسماء مستعارة، بناء على طلبهم.
*****
«نريد إقامة فعالية أو جلسة حوار عن إعادة الإعمار أو الخدمات أو ما شابه ذلك؟ لا مشكلة. أمّا إذا كان الموضوع حول المواطنة، أو المركزية الإدارية، أو مجلس الشعب، أو الدستور، فالأمر قد يتطلّب موافقة. صارت هناك حالات عديدة لمنع أنشطةٍ كهذه، وقد يُحل الموضوع من خلال العلاقات الشخصية و’الشطارة’، لكن غالباً ما يكون رد الفعل الأول هو المنع»، تقول سامية، وهي ناشطة في إحدى المبادرات المدنية والثقافية في دمشق.
وتتابع: «منذ نحو شهرين كان لدينا نشاط عن المواطنة والهوية والسلم الأهلي في مدينة حماة، وتقدمت الجهة الراعية للنشاط بطلبٍ للحصول على موافقة، وجاء مع الرفض. والسبب: ‘هذه مفاهيم سياسية، والأفضل أن تتولى الأمانة العامة الحديث عنها’. وأضافوا: ‘نحن سنُقيم محاضرات عن الموضوع ليكون هناك مصدرٌ واحدٌ للمعلومة، فلا يُمكننا السماح بالفوضى بهذا الخصوص’».
وتُشير سامية إلى أنّ هذا الجواب الذي باتت تتلقاه كثير من المنظمات ليس نهائياً: «بالنقاش والأخذ والرد يُمكننا إقناعهم، لكن أن نصل إلى هذه المرحلة من الرقابة بعد عامٍ واحدٍ على سقوط نظام الأسد هو نذير خطر».
ما تتخوّف منه سامية بات هاجساً مشتركاً في الآونة الأخيرة لدى كثير من ناشطي وفاعلي المجتمع المدني والشأن العام في مختلف المحافظات السورية، مع ازدياد ووضوح تدخل «الأمانة العامة» في أي نشاط متعلق بالشأن السياسي، بدرجات متفاوتة تبعاً للمنطقة وسياقها، وكذلك المنظمة والأشخاص المعنيين.
في دمشق وحلب على سبيل المثال، تُقام كثير من الأنشطة ذات الطابع المدني والسياسي من دون الحصول على موافقات مسبقة، لكن ذلك قد يعتمد على مكان إقامتها أيضاً، سواء كان مقهى أو فندقاً أو مقراً لإحدى المنظمات. في المقابل يبدو الأمر أكثر صعوبة في محافظات أخرى مثل حمص أو حماة. ففي مدينة سلمية في ريف حماة مثلاً، أعلنت «هيئة العمل المدني» في أواخر تشرين الثاني (نوفمبر) الفائت، إلغاء ندوة حوارية بعنوان «الفكر السياسي: ضرورة أم لا؟»، وذلك «بقرار من مديرية المنطقة تحت ذريعة أن الهيئة غير مرخّصة، رغم أننا تقدّمنا بطلب الترخيص، والقانون الناظم لعمل الجمعيات يُتيح ممارسة الأنشطة إلى حين صدور القرار النهائي بشأن الطلب» بحسب سامية.
ما هي الأمانة العامة للشؤون السياسية؟
هي قسم يتبع لوزارة الخارجية السورية، استُحدث في شهر آذار (مارس) 2025، ويتولى الإشراف على إدارة وتنظيم النشاطات والفعاليات السياسية داخل سوريا، والمشاركة في صياغة السياسات العامة والخطط المُتعلقة بالشأن السياسي، والعمل على إعادة توظيف أصول حزب البعث وأحزاب الجبهة الوطنية التقدمية المُنحلة. وبالفعل، وضعت الأمانة يدها على عدد كبير من مباني حزب البعث لتصبح مقرات لها.
وتتضمن الأمانة العامة ستة مكاتب، هي: الشباب، وشؤون المرأة، والتعاون النقابي، والفعاليات، والتنمية المجتمعية، وشؤون الطوائف.
وفعلياً، فإن الأمانة العامة هي وريث «إدارة الشؤون السياسية» التي ظهرت منذ سنوات كجسم مرتبط بأبي محمد الجولاني، ثم تحولت عام 2024 إلى «المديرية العامة للشؤون السياسية» في «حكومة الإنقاذ السورية» العاملة في إدلب، ولعبت دوراً كبيراً في مفاصل داخلية وخارجية أثناء معركة ردع العدوان حتى سقوط نظام الأسد.
قليلة ومُقتضبة جداً هي الأخبار المنشورة عن «الأمانة العامة للشؤون السياسية»، ولا تتعدى أخباراً عن اجتماعات تُعقَد لمناقشة الخطط وتقييم العمل وبحث سُبل التعاون مع المؤسسات الحكومية، إلى جانب بعض الزيارات الرسمية وأنشطة لمديرها محمد كحالة، وفُرَص التوظيف. وقد يُلاحظ حضور أعضائها بين الفينة والأخرى لبعض الفعاليات والأنشطة والاحتفاليات. وليست لديها قناة تلغرام على سبيل المثال أسوةً بمعظم الإدارات الحكومية السورية حالياً، في حين أن لمديرها كحالة حساب رسمي على منصة إكس. كما أن علاقاته مع مختلف الإدارات والكيانات سواء الحكومية أو الخاصة ما تزال مبهمةً في كثير من الأحيان.
وهناك تقارير تتحدث عن تدخلات واضحة لها في عمل نقابات مهنية وعمالية من خلال تعيين مباشر لمجالس إدارتها بما يتناقض مع استقلاليتها، وقد تحدث للجمهورية.نت أشخاص من نقابات في دمشق بالفعل حول محاولات حثيثة من الأمانة العامة للتدخل في عمل بعض إدارات النقابات. كما صدرت خلال الأشهر الماضية تعميمات عن وزارات عدة تطلب الإبلاغَ عن أي فعاليات «ذات طابع سياسي أو مجتمعي أو أهلي»، مع توضيح ماهية الفعالية وبرنامجها ومنظميها للحصول على موافقة لإقامتها.
فعلى سبيل المثال، في شهر تشرين الثاني (نوفمبر)، صدر تعميم عن وزارة السياحة يقضي «بعدم إقامة أي مؤتمرات أو منتديات أو فعاليات تتعلق بالشأن السياسي دون حصول الجهة المنظمة على موافقة مسبقة من الأمانة العامة السياسية حسب الأصول». وقد تواصلت الجمهورية.نت مع المكتب الإعلامي لوزارة السياحة، وكانت الإجابة بأن «التعميم هو ضبط وقوننة للملف ليس أكثر. على مَن يريد إقامة فعالية سياسية والحديث بالسياسة أن يكون متخصّصاً في الموضوع».
تخوفات كبيرة
يتخوّف كثيرون اليوم من توغل الأمانة العامة في الحيّز العام، وكأنها ستُشكل بديلاً ما عن القيادة القطرية أو عن حزب البعث، الذي لطالما عرفناه بأنه «قائد الدولة والمجتمع».
تُعبّر وفاء، وهي مديرة برنامج في إحدى منظمات المجتمع المدني في دمشق، عن هذه التخوفات خلال حديثها مع الجمهورية.نت: قائلة «أردنا عقد جلسات حوارية في مناطق مختلفة في أنحاء سوريا حول العدالة الانتقالية، ولم نُمنع فعلياً، لكن كانت هناك مطالب من الإدارة السياسية في بعض المناطق، يُمكن القول إنها ارتقت لمستوى محاولة التحكم بالمضمون أو فرض حضورهم، ودفعنَا ذلك إلى تغيير عناوين الجلسات إلى أخرى أقل إشكالية، رغم أننا نرى بأن العدالة الانتقالية هي شيء يملكه الشعب السوري بأسره ولا يمكن سلبه الحق في الحوار حوله».
حالياً، وعند التنسيق لنشاط في منطقة ما، يعمل فريق وفاء مع منظمة محلية تمتلك معرفة أكثر حول الإجراءات المطلوبة والعناوين «المقبولة» من قبل الجهات الرسمية في المنطقة، وكيفية التعامل معهم. تقول وفاء: «للأسف بما أننا نعمل مع جهات محلية لديها تخوفات دائمة من وقف عملها من قبل الإدارة السياسية بشكل أساسي، فلا يُمكننا القيام بأي عمل في أي منطقة خارج دمشق إلى أن تُعطي المنظمة المحلية الشريكة الضوء الأخضر».
من حمص تتحدث فاطمة، وهي متطوعة في إحدى المبادرات المدنية: «لاحظنا في الأشهر الأخيرة زيادة تدخل المكتب السياسي في بعض الأنشطة المدنية، إذ يتم التدقيق مثلاً على التدريبات المرتبطة بالتثقيف السياسي، مع إحراج المنظمة لتوجيه دعوة لأحد أعضاء المكتب السياسي».
ومن ريف دمشق، تتناول رشا وهي مديرة إحدى منظمات المجتمع المدني حادثتين مثيرتين للقلق: «أقمنا فعالية تعريفية حول مجلس الشعب تزامناً مع الانتخابات، فحضر أعضاء من الأمانة العامة للشؤون السياسية في ريف دمشق وقالوا: ‘مانكم آخدين موافقة وهالمرة تجاوزاً رح نخليكم، بس ما تصوروا وتنزلوا منشور عن الموضوع’». وتضيف رشا: «في فعالية لاحقة أردنا إقامتها في أحد الفنادق، طُلب منا الحصول على موافقة وزارة الشؤون الاجتماعية والأمانة العامة للشؤون السياسية ووزارة السياحة، واستهلكنا الكثير من الوقت والجهد في إجراءات بيروقراطية مزعجة لا معنى لها. لا يعقل أن نحتاج يومين من ‘الركض’ بين الوزارات من أجل فعالية مدنية لا تتجاوز مدتها ساعتين. هل عدنا للعقلية القديمة الخاصة بالموافقات الأمنية؟».
ويُشير آخرون ممن تحدثنا معهم إلى أنهم، في حال اضطرارهم للحصول على موافقة الأمانة العامة، قد يجدون أنفسهم مضطرين إلى قبول حضور أحد موظفيها ضمن الفعالية «كرقيب» عليها.
«لا بد من المقاومة»
تتخوف ريم، وهي ناشطة مدنية من مدينة اللاذقية، من «المسايرة» وغياب «مزاج عام للاعتراض على تدخلات الأمانة العامة لدى كثير من المنظمات والناشطين، خاصة المقربين من دوائر الحكم على اختلافها، بل وتقبّل هذه التدخلات أحياناً بكل صدر رحب». توضح شارحةً: «اقترحتُ على المجموعة التي أعمل معها تنفيذ مشروع توعية مدنية، ألفباء المشاركة السياسية والانتخابات وغيرها من المفاهيم، فأثار الموضوع حفيظة البعض وطلبوا أن نغير الموضوع لآخر ‘مناسب’، ولم يقبلوا حتى بفكرة تغيير العنوان».
وتعتقد ريم جازمةً بأن الحصول على الموافقات لعقد أي نشاط مدني ذي صبغة سياسية يخضع لاعتبارات عدة، منها أحياناً المعرفة والعلاقات الشخصية والانتماء المناطقي والطائفي، وحتى «الخلفية الثورية». وتشعر بالأسف لأن بعض الناشطين يكتفون بشبكات علاقاتهم لتيسير أمورهم، دون محاولات التدخل مثلاً لمساعدة آخرين «غير محسوبين على السلطات الجديدة».
وهي ترى ضرورة «استثمار مساحات العمل المدني المتاحة حالياً للوصول إلى إطار قانوني واضح وشفاف لعمل المجتمع المدني، وآليات تسجيل تتمتع بالحرية والمرونة والحماية، وأن يأخذ المجتمع المدني حريته واستقلاليته ودوره الرقابي على الدولة، وأن يكون عمله واقعياً ومتناسباً مع الاحتياجات، من دون أن نوضع في خانة المنتقدين على الدوام، فلا بد من فهم أهمية المجتمع المدني القوي، وأن حريته واستقلاليته ودوره الرقابي كلها تتناسب طرداً مع الدولة القوية وليس العكس». وهذا لا يُمكن القيام به بشكل إفرادي، بل يتطلب عملاً تشارك فيه شبكة واسعة من منظمات المجتمع المدني، وحول هذه النقطة تشرح وجهة نظرها: «السلطة عموماً راضية عن المنظمات الإغاثية وتُقدم لها تسهيلات ووصولاً أكبر بكثير من المنظمات الحقوقية، وفي الوقت نفسه تعوّل على الجهات التي تنسجم وتتماهى معها دون اعتراض. لا بد من التنسيق بين المنظمات على اختلافها لتستفيد من الفرص نفسها وكي لا نترك العمل الإغاثي بعيداً تماماً عن الحقوقي».
من جهتها تنتقد فاطمة طريقة التعامل الحالية من قبل المنظمات والمبادرات المدنية مع المكتب السياسي في حمص، مُعتبِرة أنها ليست الطريقة المُثلى وفق تعبيرها: «أعتقد بأن جانباً من المسؤولية يقع علينا، فلا يُفترض أن نعطي هذه الأهمية للمكتب و’نروح برجلينا لعندهم’، لكنني أعي بأن السبب وراء ذلك هو التخوفات المرتبطة بأيام حكم الأسد والاعتياد على الحصول على موافقات لأيّ نشاطٍ مهما كان».
وتُضيف وفاء: «العمل والتواصل مع الجهات الرسمية المعنية بعمل المنظمات مهم، لما لذلك من دور في حماية المساحة المتاحة لعمل المنظمات، التي تقلّصت قليلاً منذ ستة أشهر حتى الآن، الأمر الذي يُمكن أن يكون خطيراً في حال استمراره. لا نتواصل مع هذه الجهات من منطلق الحصول على موافقة، وإنما لضرورة العمل مع أي جهة معنية في أي موضوع سواء كان سياسياً أو حقوقياً أو مجتمعياً. من المهم الاستمرار بعقد الجلسات الحوارية، حتى وإن اضطر المجتمع المدني لاستخدام العناوين ‘المقبولة’ لترسيخ وتعزيز ثقافة الحوار المجتمعي، ما يجعل تقييد هذه المساحة أصعب لاحقاً».
تواصلت الجمهورية.نت مع المكتب الإعلامي للأمانة العامة للشؤون السياسية، لطلب تعليقهم حول دورهم الفعلي حالياً بما يخصّ عمل وأنشطة المجتمع المدني، وكذلك حول تخوفات الناشطين من اشتداد وتيرة الرقابة على عملهم، إلا أن المكتب اعتذرَ عن الرد على أسئلتنا «حالياً».
-
