الإشكاليات الغائبة عن الموقف الكردي حيال سياسات بايدن) شفان ابراهيم

img

تتقاطع القضية الكردية في سوريا مع قضايا الشرق الأوسط كجزء من “النقاط الساخنة”، ومشاركتها في رهاناتها الخاسرة على التغييرات التي تطال البيت الأبيض، ولم تصل لدرجة التعامل بنوعٍ من الخشية مع هذه التغييرات. وفي ظل القناعة الراسخة للكرد بعدم جدية شركائهم سواء في المعارضة السورية، أو التشكيلات المحلية التي تأسست تباعاً خارج سيطرة السلطة  في دمشق، بالوقوف على تاريخية وجودهم في المنطقة، وحقهم في خصوصية سياسية، أو حتى نظام الأسد نفسه الذي لا يبدي أي استعداد لتقديم أي حل سياسي، ولو على مستوى إشباع غريزة البقاء لديهم، أو تركيا التي لا تزال تُمني النفس بالمزيد من التوسع في الجغرافية الكردية السورية. لا يجد الساسة الكُرد بديلاً عن الرهانات على نتائج الانتخابات وتصريحات المرشحين.

 أمام هذه اللوحة، لا يبدو أي حل أمام النخب الكردية سوى الانتظار إلى حين تنفيذ الرئيس الأميركي “جو بايدين” لتصريحاته، “غير الملزم بها”، حيث صرح لموقع desmoinesregister.com “باع الرئيس دونالد ترامب حلفاء الولايات المتحدة ومنح تنظيم داعش “فرصة جديدة للحياة” بسحب قواته من سوريا”.

وسبق أن صرح لـــ” “The Wall Street Journalفي نوفمبر/تشرين الثاني الحالي، “بأنَّ الاحتفاظ ببضع مئات من القوات لحماية الأكراد أمر منطقي للغاية”. وهو ما يشي بإمكانية احتفاظ الرئيس “بايدن” رسمياً بوحدات صغيرة من القوات الأميركية في شرق سوريا في الوقت الراهن.

لكن ثلاث مشكلات مركبة تواجه بايدن، فيما يخص شرق الفرات والتي لا طاقة للكرد بالانفكاك منها. المشكلة الأولى: علاقة الكُرد مع دمشق، وبقاء القوات الأميركية، ومحاولات الساسة الكُرد لإدخال حقوقهم ضمن الدستور المقبل. هذه المشكلة تتعلق بتوقيت تنفيذ القرار 2254، وتحديد نوعية وشكل إدارة المنطقة الحالية التي تسيطر عليها قوات سوريا الديمقراطية، وهو ما يؤكد أن الانتقال السياسي مرهون ببقاء القوات الأميركية بالقرب من حقول النفط السورية لإجبار السلطة على التفاوض بشأن الانتقال السياسي المنشود.

لكن القرار الأممي الذي ينص أيضاً على وقف إطلاق النار، ليس فقط لم يصل لمرحلة التنفيذ والتطبيق، بل وتغيرت موازين القوى اليوم، بعكس ما كان عليه إبان إصداره، فالمعارضة السورية تضاءلت وخسرت غالبية مناطق سيطرتها، مقابل تمدد سيطرة قوات النظام وروسيا، وهو ما يؤثر على الموقف الكردي عامةً، بل وهو ما يدفع الجميع إلى إثارة سؤال مهم يخص جميع السوريين، وخاصة الكُرد كونهم الساعين نحو خصوصية سياسية دستورية ومطالبين بإدارة مناطقهم، سؤال لماذا سيوافق بشار الأسد والذي يتمتع بأقوى وضع عسكري منذ بدء الحرب قبل10سنوات، على التفاوض بشأن استسلامه؟ خاصة أن الطبقة السياسية للنظام السياسي في دمشق لا تزال تتمسك بمقولة “الدستور دون إملاءات خارجية” وهي أي اللجنة الدستورية برمتها، ليست سوى محاصصة دولية وبقرار دولي وموافقة إقليمية.. الموقف الأميركي حيال دمشق سيتضح عبر توسيع أو تقليص العقوبات، خاصة “قانون قيصر” وبقاء القوات الأميركية في الشمال الشرقي، وقضية تدفق الأموال صوب دمشق؛ وإعادة الأعمار وعودة النازحين، قبل أو بعد الانتقال السياسي.

المشكلة الثانية: تُركز بعض الأقلام والسياسيين الكُرد على تصريحات سابقة مناوئة لجون بايدن حيال الرئيس التركي “رجب أردوغان” ويأملون أن لا تقدم الإدارة الأميركية أي تنازلات

لأنقرة في هذا الملف. حيث سبق أن أكّد بايدن، في تصريحات متلفزة سابقة أن “على أميركا أن تدعم المعارضة التركية، وتُشجّعها على تولّي الأمور وهزيمة أردوغان، ليس عن طريق الانقلاب، إنما عبر العملية الانتخابية”، وأن “آخر شيء سأفعله لأردوغان، هو التنازل له في ما يتعلق بالأكراد” ويأمل الكُرد أن يكون “بايدن” بعيداً عن التفاهم مع الرئيس التركي وفصائل المعارضة السورية. وعقد الأمل على تصريح مرشح مُنافس لمرشح آخر، يحمل من الهم أكثر من الفرح. تماماً كما حصل مع تصريح “ترامب” الذي سبق أن أكد أنه لن يسمح لتركيا بالدخول إلى رأس العين وتل أبيض، وفي المحصلة كانت مجرد أقاويل. وأيضاً تتحدث بعض النخب السياسية الكردية بإيجابية كبيرة عن بايدن، لكنه إن تحدث عن خروج الهويات الكردية غير السورية من المنطقة، ومن بينهم العمال الكردستاني سيقولون “لا يحمل أي شعبية وليس لها دور”. عمق هذه المشكلة تتجسد بالرؤية نفسها، فموقف بايدن هو من الرئيس التركي، وليس من تركيا كدولة تشكل سندا وسدا ورأس حربة أميركية في المنطقة، وتشكل جزءاً أساسياً من الاستراتيجية الأمنية الأميركية تجاه عدد من المناطق والأقاليم كالقفقاس وروسيا وحوض البحر الأسود وإيران، وتمسك أميركا بتركيا كدولة إسلامية تقول إنها ديمقراطية، ولم تكترث جميع الإدارات الأميركية لوضع كُرد في تركيا ولا لقضية الديمقرطية. عدا عن توسع الرغبة الأميركية بمحاصرة الصين وإيران وروسيا، وتجدها في التطلعات التركية نحو ما تسميه المجال الحيوي التركي -العثماني في آسيا الوسطى. وهي المنطقة التي تحكمت بها روسيا حتى نهاية حقبة الحرب الباردة، وتنظر موسكو إلى تلك المنطقة على إنها إرث سياسي جغرافي قديم وتسميه بالمجال الحيوي السوفييتي –الروسي. أمام هذا التعقيد في التشبيك حول العديد من الملفات الأميركية أو التي تهم أميركا، ومكانة ودور تركيا المحوري فيها، هل يُمكن تفضيل منطقة محلية تعج بالخلافات، وغير مستعدة لتنفيذ الرؤية الأميركية حيال عدد من القضايا، على العلاقات التاريخية القديمة جداً والمنفعة الاستراتيجية العميقة بين تركيا وأميركا لصالح الكُرد في سوريا؟

أما المشكلة الثالثة: يُشكل موقف “بايدن” وفريقه، حول ما يحملون من ليونة في تعاملهم مع إيران، والسعي إلى فك العزلة والعقوبات الاقتصادية عن طهران أم لا؛ لأنها تنعكس مباشرة حول التطبيع مع سوريا وإمكانية انتهاج سياسات أوباما تجاه الملف السوري. إضافة إلى إمكانية إشراك روسيا في حوارات على شاكلة تحديد وتوضيح خطوط التماس ومنع التجاوز الذي تقوم بها روسيا ضمن مناطق وجود القوات الأميركية في شرق الفرات، أي أن يكون لإدارة بايدن نفوذ على روسيا أكثر من حالة الرخاوة التي اتبعها ترامب، وهي تشكل الفرصة الأكثر مناسبة لإدارة أميركا للملف السوري ووسيلة للتسوية السياسية. حيث يشكل الموقف الأميركي من إيران وروسيا المغير الرئيس والعميق بالنسبة لمستقبل القضية الكردية في سوريا، والتي رُبما تشكل طوق نجاة للكرد في سوريا.

إلى ذلك فإن الاكتفاء بتصريحات “نارية” للمرشحين الأميركيين، لن يأتي بشيء جديد للقضية الكُردية في سوريا.

الكاتب editor Hossein

editor Hossein

مواضيع متعلقة

التعليقات مغلقة