رغم امتلاء الذاكرة السورية بالوجع والأحداث الدامية، وبصور الجرائم غير المسبوقة التي ارتُكبت بحق السوريين، ورغم أن تلك الذاكرة لا تكاد تجد فراغًا لأحداث أخرى يمكن تخزينها من جديد، إلا أن قدر الشعب السوري مرتبط بتلك الذاكرة، وليس لديه الرفاهية التي تتيح له مسح أحداث لا يمكن مسحها أو تجاوزها، وخاصة تلك المرتبطة بقهره ومعاناته الطويلة وجراحه التي لم تشفَ بعد.
ورغم ضخامة حدث سقوط نظام الأسد، وآثاره الإيجابية التي ساهمت في خلق حالة من الترفّع عن الكثير من التفاصيل المؤلمة، إلا أن ذاكرة الدم وذاكرة الجريمة تبقى أثرًا محفورًا لا يمحوه الزمن ولا يموت بالتقادم، ومن المؤكد أن شفاء تلك الجروح لا يمكن أن يتم إلا من خلال مراجعة التجاوزات وأصحابها، والتدقيق في مفهوم المسامحة بحيث لا يشمل مرتكبي الجرائم، وهذا لا يمكن أن يتحقق إلا من خلال تحقيق العدالة.
ثمّة أحداث تستبعدها الذاكرة في فترة معينة ولفترة محددة، حيث تنشغل بترتيب الأولويات، لكن ما كان يبدو مؤجّلًا يعود في لحظة حين يفرض نفسه على تلك الذاكرة. وهذا ما حصل حينما ظهر اسم معراج أورال فجأة، وعاد للتداول في الأيام الأخيرة، بعد انتشار خبر عودته إلى المشهد السوري من البوابة القَسَدية، الأمر الذي نكأ جرحًا عميقًا كان السوريون يؤجلون التفكير فيه، وفي الوجع المرافق له، بسبب ازدحام المهام والأولويات في يومياتهم المتعبة.
وكما يعود القاتل الطليق إلى مكان جريمته ليتفقد آثارها، ويطمئن على اكتمال عناصر تلك الجريمة، وليتأكد من أنه لم يترك أدلة قد تساهم في الكشف عن هويته، ينبش أرشيف الإجرام نفسه تلقائيًا في لحظات تاريخية فارقة، ليعيد تصدير جريمته القديمة، ويذكّر الضحايا والباحثين عن العدالة بضرورة إعادة ترتيب الأولويات، وملاحقة مجرمي الحرب الذين ظنوا أنهم أفلتوا من الذاكرة، وأن باستطاعتهم استئناف عملهم المتوحش كما لو أنهم يدافعون عن قضية، فيما هم مجرد مرتزقة تحت الطلب.
ذلك ما فعله المجرم معراج أورال في سياق ظهوره المفاجئ، حين دخل إلى مناطق سيطرة قسد، معلنًا جاهزيته للمشاركة في فتح صفحة جديدة في سجل الجريمة، قبل أن يعود ويختفي إثر المتغيرات الكبيرة التي شهدتها منطقة الجزيرة العربية، والتي أفشلت مشروعه ومشروع داعميه، من خلال انتصارات عديدة حققتها الإدارة السورية على التنظيم؛ أحدها عسكري، تمثل في المواجهة السريعة التي حصلت في حلب، وأدت إلى طرد قسد منها، ومن بعدها من الرقة ودير الزور، وثانيها سياسي يمكن تلخيصه في الاتفاق الموقع بين الحكومة السورية وقسد، والذي يقضي بانسحاب قسد من أماكن سيطرتها السابقة، وتسليم مناطقها للحكومة السورية، رغم تهرّب مظلوم عبدي من استحقاقات هذا الاتفاق، إضافة إلى انتصار دبلوماسي كبير تمثل في المرسوم الذي أصدره الرئيس الشرع، ونصّ على الاعتراف بكل حقوق الكرد الوطنية والثقافية، وتحقيق مطالبهم المشروعة، مما أدى إلى سحب الذرائع التي كانت جماعة قسد تتخفى وراءها، وتعتمد عليها لصناعة حالة عداء بين الكرد والعرب.
ورغم الغياب الطويل لمعراج أورال عن المشهد السوري، إلا أن ارتكاباته المتوحشة التي مارسها ضد السوريين تُعد صفحة شديدة السواد، لكنها كانت مطوية بشكل مؤقت بسبب ازدحام الملفات التي يشهدها الواقع السوري الجديد. فبعد فترة قصيرة من اندلاع الثورة السورية ضد النظام البائد، ظهرت مجموعات كثيرة تبنت الدفاع عن كرسي الأسد؛ كان منهم متطوعون على أسس طائفية، مثل الميليشيات التابعة لإيران وحزب الله، ومنهم مجرد مجموعات مرتزقة تقتل من أجل المال، دون أن تلتفت إلى هوية القتيل، أو تعنيها هوية القاتل أيضًا.
لكن الكيالي، أو (أورال)، كان من ضمن أخطر من ناصر نظام الأسد حينها على الأساسين معًا: الطائفي والارتزاقي. وهو الملقب بـ«جزار بانياس»، والذي تزعم ما يسمى المقاومة السورية في لواء إسكندرون، وجاء حينها إلى سوريا لينافس على الجريمة، وقد استطاع أن يثبت تفوقه في هذا المجال، ولهذا احتفى النظام البائد به، ونال حظوة كبيرة لدى محور الممانعة، قبل أن يختفي عن المشهد بعد أن أتم مهمته الإجرامية المتوحشة، التي أودت بحياة الآلاف من الأبرياء السوريين.
ساهمت الهزيمة التي تعرض لها محور الممانعة في صناعة صدمة مدوية للمحور برمته، لكن كثيرين ممن ينتمون إلى ذلك المحور لم يعترفوا بالهزيمة، ولا سيما بعد حالة التسامح التي أعلن عنها الرئيس الشرع بعد التحرير، والتي فهمها الكثيرون ممن يُحسبون على ذلك المحور على أنها حالة ضعف. ومن خلال هذا التفسير الخاطئ، بدأت فلول الحلف بمحاولة تجميع ذاتها من جديد، وهي تبحث عن خاصرة رخوة تستطيع من خلالها إفساد النصر الكبير على الأسد، وإفساد فرحة السوريين في استرداد بلدهم، بعد أن ظنوا لسنوات طويلة أن ذلك سيبقى مجرد وهم، من جراء الوقائع المتلاحقة التي كانت تشير إلى إمكانية بقاء الأسد في السلطة.
ورغم أن اسم معراج أورال لم يظهر ضمن الأسماء التي قادت تحركات فلول الأسد بعد أحداث الساحل، إلا أنه عاد للظهور فجأة حين احتدم الصراع بين الحكومة السورية وتنظيم قسد. ظهر أورال في اللحظة الخاطئة، حيث اعتقد، ككثيرين غيره، أن تنظيم قسد يمكن أن يكون حصان طروادة لإعادة احتلال سوريا من قبل المنظومة المهزومة ذاتها. ويبدو أنه اختار أن يغتنم الفرصة التي يستطيع من خلالها احتلال موقع هام، فيما لو نجح تنظيم قسد في تحقيق أوهامه وأوهام داعميه، وتلك هي طبيعة المجرمين الانتهازيين الذين لا يتورعون عن الاصطفاف مع الجريمة، مهما كان مدى وحشيتها، من أجل تحقيق مصالح شخصية على حساب الدم الذي يُراق على مذبح المصالح.
ظاهرة معراج أورال تتكرر في المشهد السوري الحاضر اليوم، فهناك نسخ كثيرة عنه؛ منها من هو أقل إجرامًا، ومنها من هو مشابه، لكن التطابق في التفكير الإجرامي يوحد ما بين القتلة، بصرف النظر عن كمّ الجرائم المرتكبة، ويوحد أيضًا العقاب الذي يجب أن يُفرض على المرتكب. فمحاسبة المجرم تستهدف الفعل الإجرامي ذاته، أما عدد الجرائم، فذلك يمكن أن يوسّع العقاب، لكنه لا يخفف من فكر الجريمة، حتى لو كان عدد الجرائم المرتكبة أقل.
وهنا لا بد من العودة إلى مفهوم العدالة، والتفريق بينه وبين مفهوم المسامحة، الذي استغله كثيرون وفسروه على أنه حالة ضعف يمكن الركوب عليها لإعادة الحياة السورية إلى المستنقع القديم. فلا تزال ثمة أعداد كبيرة ممن يتبنون فكر معراج، ويتحيّنون الفرصة للعودة من أية بوابة يمكنهم من خلالها الوصول إلى غاياتهم. وها هنا يأتي دور الدولة الجديدة، التي يتوجب عليها إغلاق كل البوابات في وجه أولئك المتسللين، أو من يحاولون التسلل لارتكاب جرائم جنائية أو سياسية أو أخلاقية، وتحديدًا أمام أولئك الذين فقدوا امتيازاتهم، ولا يزالون يبحثون عن طريقة لاستردادها.
يتفاقم ألم الضحايا وهم يرون كثيرًا من جلاديهم، أو من أعوان جلاديهم، أو ممن ساهموا في المطالبة بجلدهم وإبادتهم، طلقاء. وبعض هؤلاء يُعاد تصديرهم إلى الواجهة من جديد، ويُمنحون مساحات في تخصصات مختلفة لممارسة أدوار قيادية في بعض المؤسسات، التي من المفترض أن تكون نظيفة ومقطوعة الصلة بالعهد البائد. وكما عاد معراج أورال، يمكن لكثير من الخلايا النائمة المضادة لمفهوم الدولة أن تتحيّن الفرص للعودة وممارسة التخريب، وهذا نوع من الجريمة في ظل بحث السوريين عن آليات بعيدة كل البعد، ومقطوعة الصلة بآليات نظام الفساد والقتل والإبادة، الذي أسس له الوريث المخلوع.
تلفزيون سوريا
