نشر الموقع الثقافي العربي “ضفة ثالثة” بتاريخ 30-12-2025 و01-01-2026 ملفًّا مهمًّا عن السيرة الذاتية تحت عنوان: “لماذا نكتب سيرتنا الذاتية؟” أعدّته الشاعرة والناقدة اللبنانية دارين حوماني. تضمّن الملف إضاءات لافتة عن هذا السّؤال المحوري قدّمت من قبل عينة من الكتاب والكاتبات العرب الذين أبدعوا في هذا الجنس الأدبي. هكذا في القسم الأول تحدّث كل من محمود شقير (فلسطين)، وبشير البكر (سورية)، وهدى النعيمي (قطر)، وعبده وازن (لبنان)، وجميلة حسين (لبنان)، أما في القسم الثاني فقد تحدث كل من سيف الرحبي (عُمان)، وعبد الفتاح البشتي (ليبيا)، وسلمى سلامة عبيد (سورية)، وعمر أبو القاسم الككلي (ليبيا)، وآمال مختار (تونس)، وطنوس شلهوب (لبنان).
يتبيّن من خلال الآراء النقدية المختلفة التي عبّر عنها هؤلاء الكتّاب والكاتبات، أن الفورة التي تشهدها السيرة الذاتية في السياق العربي ترتبط من جهة بالحاجة الفردية والجماعية إلى البحث عن الهوية والسعي من أجلها، ومن جهة أخرى فإن ازدهار هذا النوع الأدبي ليس بعيدًا عما يتخبط فيه العالم المعاصر من أزماتٍ وتوتراتٍ وصراعاتٍ وما يترتب عليها من عدم استقرارٍ. ولا شكّ في أن السيرة الذاتية في هذا الخضمّ تعدّ مفتاحًا أساسيًّا لأنها تتيح إضفاء معنى على التجربتين الفردية والجماعية.
رغم أن العينة المختارة لا تختزل مشهد السيرة الذاتية في فضاء الأدب العربي المعاصر، فإنها تبرز بوضوح الأهمية التي باتت تكتسيها الكتابة عن الذات في سياق الأدب العربي، بكلّ ما يتفرّع عن هذه الكتابة من أنواعٍ أو جنسياتٍ مرتبطة بسرد الذات كالمذكرات واليوميات الخاصة والتخييل الذاتي والسيرة الروائية ورواية السيرة الذاتية والبورتريه وغيرها. هذا ما دفعنا إلى طرح السؤال التالي: لماذا باتت السيرة الذاتية تحظى بهذه المكانة المهمة في الأدب العربي المعاصر بعد الوضعية الهامشية التي أحاطت بها منذ “الأيام” (1929) لطه حسين، و”سبعون” (1959) لميخائيل نعيمة، وصولًا إلى “الخبز الحافي” (1982) لمحمد شكري؟
| لماذا باتت السيرة الذاتية تحظى بهذه المكانة المهمة في الأدب العربي المعاصر بعد الوضعية الهامشية التي أحاطت بها منذ “الأيام” لطه حسين، و”سبعون” لميخائيل نعيمة، وصولًا إلى “الخبز الحافي” لمحمد شكري؟ |
يستطيع القارئ لهذا الملف المثير للأسئلة أن يتبيّن أن السيرة الذاتية تعدّ في طليعة الأشكال الفنية من حيث القدرة على سبر غور الأسئلة المقلقة التي تشغل بال الفرد والمجتمع، والتعبير عنها. ورغم طابعها الخاص، وارتباطها بتجربة المترجم لذاته منذ التنظيرات المبكرة التي حاولت الإمساك بمفهومها كدراسة جورج ميش تحت عنوان “تاريخ السيرة الذاتية” (1907)، فإن الإقبال المتزايد عليها من قبل الكتاب والكاتبات، خلال العقود الأربعة الأخيرة، وقيمة الأعمال المنجزة في إطارها، كل ذلك يؤكد بالملموس أن هذا الشكل الفني بمكنته أن يقول الشيء الكثير عن الإنسان والعالم الذي يعيش فيه، وأن يقدّم من خلال التجارب والوقائع والأحداث المستعادة ما من شأنه أن يرمّم الاختلالات، ويجعل العالم أجمل. فهي الشكل الأسمى لفهم الحياة، إذ فيها يكتسب الماضي دلالاتٍ أعمق في ضوء الحاضر من خلال عملياتٍ من الانتقاء والتوليف والإدماج في كلٍّ متكاملٍ بحيث تبدو القصة أشدّ ارتباطًا بمسار الحياة بأكمله. ومن المعروف أن مثل هذا المفهوم عن السيرة الذاتية يتجذّر في تقليدٍ تأويليٍ شديد الأهمية يمتدّ من ديلتاي إلى بول ريكور، وبمقتضاه تتعين السيرة الذاتية التي تقوم ببناء مسار حياة فردي باعتباره كلاً متماسكًا ومشحونًا بالمعنى، بوصفها الشكل التعبيري الأقدر على فهم الحياة.
هكذا، ترتبط السيرة الذاتية ارتباطًا قويًّا بالهوية الذاتية، وبعملية البحث عنها. ففي فعل الاستعادة القائم في صميمها كما شدّد على ذلك منذ 1975 الناقد الفرنسي فيليب لوجون، ما يجعل منها الوسيط الذي لا مناص منه ليس لإضفاء الطابع القصصي على تجارب الذات المتنافرة فقط، وإنما أيضًا لفهمها وإعطائها المعنى الخاص بها. لذلك فالسيرة الذاتية في اتكائها على الذاكرة الفردية، فإنها لا تتحرك في حدود الخاص والحميمي بل تتقاطع مع الجماعي والمشترك. وبهذا المعنى تمثل الكتابة عن الذات شهادةً ليس فقط عن تجربةٍ خاصّةٍ هي تجربة الكاتب، وإنما عن المجتمع والعالم الذي يعيش فيه. ويكفي الإشارة في هذا السياق إلى مذكرات إدوارد سعيد “خارج المكان” كي ندرك أن سؤال السيرة الذاتية هو أعمق وأوسع من أن يختزل في حدود التجربة الخاصّة بالمترجم لذاته، بل يتعدى ذلك إلى ما هو أبعد وأشدّ ارتباطًا بالعصر. في “خارج المكان” يستعيد إدوارد سعيد تجربة حياةٍ خاصّةٍ لكنها تتسع لتحتضن المجتمع الفلسطيني بأكمله في المنفى منذ عام 1947، وقد كان لهذه التجربة الأثر الحاسم في تشكيل شخصية الكاتب، ووسم رؤيته للعالم بطابعٍ مختلفٍ. إن فهم التعقيد الذي يطبع الذاكرة المستعادة في السيرة الذاتية، من شأنه أن يساعد على فتح منظوراتٍ أوسع، وخاصة عندما يتأسس هذا الفهم على الاهتمامات التاريخية والفلسفية والتحليلنفسية، وهذا بالتحديد ما تمدّنا به التنظيرات المعاصرة حول الأدب بصورة عامة والسيرة الذاتية على نحو خاص.
إذًا من الطبيعي أن ينعكس هذا التوسع في المفهوم عن الكتابة عن الذات بأنواعها المختلفة على أسسها الفنية والجمالية، إذ يلاحظ أن مفاهيم الأصالة والصدق ما عادت لها الصدارة في التنظيرات النقدية ذات الصلة بالسيرة الذاتية، لأسبابٍ عديدةٍ منها ما يرتبط بالكشوفات اللماحة التي أظهرتها الدراسات حول الذاكرة بشأن ما يعتري هذه الأخيرة من ضروب البياض مما يجعلها ذاكرةً انتقائيةً، وبعضها الآخر يتصل بالتنويعات المختلفة التي ظهرت في مجال الكتابة عن الذات مما يكشف الحاجة الماسة لدى الكتّاب لاختبار أدواتٍ مغايرةٍ بما في ذلك التخييل أو التواري خلف الاسم المستعار للاقتراب أكثر من التجارب التي عاشوها، وهذا ما يلفيه القارئ في الكتابات المنتمية إلى التخييل الذاتي؛ ومن المعروف أن هذا المصطلح يعود إلى الكاتب الفرنسي سيرج دوبروفسكي الذي أثبته في الصفحة الرابعة من غلاف روايته “خيوط” fils الصادرة سنة 1977. هذا الانزياح الذي يمثله التخييل الذاتي بالنسبة إلى مواضعات السيرة الذاتية كما وضحها فيليب لوجون من خلال تعريفه الشهير (1975)، يقودنا إلى مستوى آخر يظهر أهمية سرد الذات، ويتمثل في المساءلة النقدية التي باتت تتعرض لها الأعراف الجمالية التي ميزت السيرة الذاتية؛ وهي ليست مساءلةً جماليةً تتصل بالكاتب والقارئ فحسب، وإنما هي متجذرة في نزوعٍ ثقافيٍ نحو البحث عن مزيدٍ من الحرية في تعرية الذات والكشف عنها من دون أن يؤدّي ذلك بالكاتب إلى أن يكون عرضةً للرقابة الاجتماعية مثلما حدث لعمل محمد شكري “الخبز الحافي”.
من المهم القول إن هذه الوضعية التي تتمتع بها السيرة الذاتية في الأدب العربي المعاصر، تظهر للقارئ العادي وللناقد المهتم بهذا الحقل أن الأمر يتعلّق بنوع أدبي هو في صيرورةٍ من التطور والتحول ليس على المستوى الفني فحسب، وإنما على المستوى الفكري كذلك. إذ تشكّل السيرة الذاتية جوابًا على أزمة الهوية، وعلى الحاجة إلى الحقيقة والشهادة، والعلاقة بالواقع والتاريخ. وهذه كلها رهاناتٌ فرديةٌ وجماعيةٌ تجد لها صدى قويًّا لدى القارئ المعاصر الذي لم يعد يأبه للمفهوم عن الأدب المؤسس على الاستقلالية أو المنظور الجمالي الصرف، بعدما صارت الكتابة ضربًا من السرد المضاد الذي يتيح للأفراد والجماعات المعرضين للخطر أو الذين هم في وضعيةٍ هشّةٍ إمكانية إسماع صوتهم، وإبداء شهادتهم عن عالمٍ باتت فيه القيم الإنسانية معرضةً للانتهاك وفقدان الميزة.
| إن ما يجمع بين هذه الأعمال الثلاثة بغض النظر عن اختلاف التصورات والمرجعيات النقدية هو اشتغالها بدراسة كتابة الذات، واستكشاف أسئلتها وتحولاتها |
نعتقد أن الفورة التي تعرفها السيرة الذاتية في الأدب العربي المعاصر يمكن أن تفهم بشكلٍ أعمق إذا ما تمّ ربطها أيضًا بالنقد الأدبي الذي رغم المشكلات التي يعرفها فإنه ينطوي على كثيرٍ من الكشوفات المهمّة التي تلقي ضوءًا كثيفًا على السيرة الذاتية من حيث مقوماتها الفنية والموضوعية. وفي هذا السياق لا بدّ من الإشارة إلى الدور الذي تضطلع به المؤسسة الأدبية في إضفاء مشروعية أكبر على كتابة الذات، ليس من خلال الاعتراف بالنصوص وحسب، وإنما أيضًا من خلال تكريس الأعمال النقدية ذات الصلة بالسيرة الذاتية وما يرتبط بها من مغايرات. وإذا أخذنا على سبيل المثال لا الحصر جائزة الشيخ زايد للكتاب، وهي من الجوائز المهمة المخصصة للأدب العربي بالإضافة إلى جائزتي كتارا والبوكر، يلاحظ أنها توجت بين عامي 2021 و2023 ثلاثة أعمال نقدية ذات صلة بالكتابة عن الذات. يتعلق الأمر بكتاب “إشكاليات الذات الساردة في الرواية النسائية السعودية” (2020) للكاتبة أسماء عوض الأحمدي، وكتاب “السارد وتوأم الروح: من التمثيل إلى الاصطناع” (2021) للباحث المغربي محمد الداهي، ثم كتاب “مرائي النساء: دراسات في السيرة الذاتية النسوية العربية” (2021) للكاتبة التونسية جليلة الطريطر.
إن ما يجمع بين هذه الأعمال الثلاثة بغضّ النظر عن اختلاف التصورات والمرجعيات النقدية هو اشتغالها بدراسة كتابة الذات، واستكشاف أسئلتها وتحولاتها في الأدب العربي المعاصر، وعلاقة ذلك كله بالعالم الذي يعيش فيه الكاتب أو الكاتبة. وبناء عليه، فإن ما يتبين من هذا التتويج، هو أن وضعية السيرة الذاتية في الأدب المعاصر تعدّ في الواقع أعقد من أن تفهم فقط من خلال دراسة النصوص وتحليلها، بالرغم من الأهمية التي يكتسيها نقد الأعمال السيرذاتية والأحكام النقدية الصادرة بشأنها. لا شكّ في أن المكانة التي باتت تتمتع بها السيرة الذاتية يمكن أن تستكشف ويسبر غورها من خلال منظورٍ سوسيولوجيٍ أعم يرتبط بالمؤسسة الأدبية العربية والمحافل المتفرّعة عنها بما فيها محافل التكريس والنشر والتوزيع، ونوعية النصوص والأعمال التي تقدمها وتراهن عليها في إطار من الاستجابة للذائقة الأدبية والنقدية، فضلًا عن القيمة الاجتماعية لمهنة الكاتب والشروط المتعلقة بالوصول إليها.
لعل ما يمكن أن نستخلصه من قراءة هذا الملف هو أن المتلقي عندما يقرأ لكاتب جيد في سياق الحديث عن الأدب، أو عن الجنس الأدبي الذي يبدع فيه، يدرك أن الكتّاب يمتلكون رؤية عن الأدب لها من العمق والتميّز وقوة التأمل ما يجعلها مختلفة تمامًا عن المفهوم الذي تشكّله نظرية الأدب ومناهج النقد. ربما يعود هذا الأمر إلى طبيعة المصادر الإلهامية التي يغترف الكتّاب من معينها، والتجارب الشخصيّة التي عاشوها، فضلًا عن الحيوات التي ابتكروها واحتكوا بها. كل ذلك يطبع رؤية الكاتب للأدب بطابعٍ ذاتيٍ قوي، وهذا ما ينعكس في تصوّر المبدع عن الأدب والمهمة التي ينهض بها. لقد كان الكتّاب في طليعة مجدّدي مفهوم الأدب في العصر الحديث، ولا ينطبق هذا الحكم على الثقافة الغربية فحسب، بل يشمل أيضًا الثقافة العربية التي يعدّ إسهام المبدعين في تحديثها قويًا منذ القرن التاسع عشر، وهي الفترة التي عمل فيها مجموعة من المبدعين من الشام ومصر على ربط الأدب العربي بالأشكال الأدبية الحديثة كالرواية والقصة والمسرحيّة.