ثلاث قوى مسلّحة في المنطقة لم تُقدّر تحوّلات الواقع الراهن بشكل مناسب، ولا تزال متمسكة بأساليب ومقاربات الماضي العنيف، عوض الانخراط في بناء مستقبل مشترك داخل الدولة. هذه القوى ترفض، بشكل أو آخر، الانصياع لما يمكن اعتباره حكم التاريخ على ضرورة توحيد المؤسسات والسلطات ضمن الدولة، حيث الباب ما زال مفتوحاً أمام من يرغب بالاندماج في الدولة، قبل أن يُغلق أمام أي محاولات للمواجهة، التي قد تؤدي إلى صدامات دموية.
خيار الدولة أو المواجهة
الخيار المطروح اليوم ليس محصوراً بحزب الله وحده. فهو قائم أيضاً على مجموعات أخرى، مثل الأقليات الدرزية في السويداء، والفصائل الكردية التابعة لقوات سوريا الديمقراطية (قسد). وكان خيار مماثل مطروحاً سابقاً على حركة حماس، وسيصبح قريباً محورياً بالنسبة للحوثيين في اليمن، وبعض الجماعات الخارجة عن سلطة الدولة في العراق، خصوصاً ضمن فصائل الحشد الشعبي.
المشروع العربي الجديد
المشروع الإقليمي الجديد، الذي يُعد الأكبر من نوعه منذ سنوات، يحمل توقيع شخصيتين محوريتين: الرئيس الأميركي السابق دونالد ترامب، والأمير محمد بن سلمان. وقد اتفق الطرفان على ضرورة الحفاظ على وحدة الكيانات في الدولة العربية. هذه الرؤية تمثل مشروعاً ناشئاً على مستوى الإقليم، يحظى بدعم أميركي مباشر، ويعمل الأمير محمد على تنفيذه داخل المنطقة، بغض النظر عن مقاومة أطراف إقليمية أخرى.
ويُلاحظ أن المشروع يختلف تماماً عن طموحات رئيس الوزراء الإسرائيلي السابق بنيامين نتانياهو، الذي لم يعترف بحدود واضحة، وعن طموحات الرئيس التركي رجب طيب أردوغان، التي تسعى لاستعادة نفوذ عثماني متجدد، وكذلك عن رغبات القيادة الإيرانية، التي حاولت خلال عقود فرض نفوذها داخل الدول عبر مجموعات مسلحة ومليشيات محلية.
الدرس المستفاد من الأحداث الأخيرة واضح: مستقبل المنطقة لا يحتمل وجود قوى مسلحة خارج الدولة، ولا “دويلات” داخل الدول القائمة
وحدة الكيانات العربية خيار أميركي
تؤكد الوقائع التاريخية أن وحدة أراضي الدول العربية كانت دائماً جزءاً من الاستراتيجية الأميركية العميقة. فبعد اجتياح العراق عام 2003، حافظت الولايات المتحدة على وحدة الدولة رغم الصراعات المذهبية الطاحنة التي كانت تهدد بتقسيم العراق. كذلك حدث في لبنان خلال السبعينات والثمانينات، حيث حافظت الدولة على وحدة أراضيها على الرغم من ضغوطات النظام السوري وإسرائيل على حد سواء. وفي سوريا، حافظت دول عدة، بغطاء دولي واسع، على وحدة الدولة رغم تدخلات إيران وروسيا وإسرائيل والشهية التركيّة المفتوحة؟..
“كل واحد يلعب أمام بيته“
الفكرة الأساسية للمشروع الجديد تقوم على قاعدة واضحة: وحدة أراضي الدول العربية، ورفض أي تقسيم داخلي. فقد ظهر مشروع إيراني واضح يسعى للنفوذ عبر مجموعات مسلحة في المدن والعواصم، في حين عمل المشروع الإسرائيلي على توسيع مناطق نفوذه، وتحرّكت تركيا لاستعادة مناطق نفوذ تاريخية، وصولاً إلى الشام والقوقاز. وقد جاء الدعم الأميركي لمواجهة هذه المشاريع في شكل توجيه كل طرف للتركيز على “منطق البيت”، أي الالتزام بالحدود الوطنية وعدم التوسع خارجها.
فعلى سبيل المثال:
– الرئيس التركي رجب طيب أردوغان، بعد محاولته استعراض نفوذه في الشام، بالتعاون مع السعودية لضبط تحركاته.
– رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتانياهو حاول ضم مناطق في السويداء وسوريا، إلا أن إدارة ترامب أرسلت إشارات واضحة للحفاظ على خطوط حمراء في الجغرافيا السورية، بما يشمل الحدود والجولان.
– إيران بقيادة المرشد الأعلى علي خامنئي واصلت مقاومة هذا التغيير، محاولة فرض نفوذها على لبنان واليمن والعراق، لكنها بدأت تفقد القدرة على فرض واقع جديد، مع استمرار الدعم الدولي للسياسات الموحّدة للدولة.
القرار السياسي لا يستهدف الأقليات، بل يعيد تعريف أدوارها ضمن الدولة
أحداث 7 أكتوبر وهزيمة الاستراتيجية الإيرانية
أحداث 7 أكتوبر 2025 مثلت نقطة تحوّل مهمة. ففي 4 تشرين الثاني 2025، ألقى المرشد الإيراني علي خامنئي خطاباً باللغة العربية في تأبين الأمين العام لحزب الله حسن نصر الله، حيث أشار إلى أن العملية العسكرية كانت في الواقع خدمةً لمنطق المنطقة بشكل عام، ولفهمه كانت محاولة لاستعادة ميزان النفوذ الذي فقدته إيران في عدة دول عربية.
الأقليات
وأشار الخطاب إلى أن تركيز الولايات المتحدة وأذرعها على حماية إسرائيل كان مجرد غطاء لاستراتيجية أوسع، هدفها تحويل إسرائيل إلى بوابة لتصدير الطاقة والموارد من المنطقة إلى الغرب، واستيراد التكنولوجيا والسلع إلى المنطقة. ومن هذا المنظور، فإن أي ضربة تعرضت لها إسرائيل كانت وفق القراءة الإيرانية بمثابة مساهمة في هذا المشروع الاستراتيجي، إلا أن الواقع أظهر أن إيران دفعت ثمناً باهظاً لتورطها في محاولات خرق الاستقرار الإقليمي، وتعرضت شبكات نفوذها للتفكك.
العقوبات على الأقليات المسلحة
الدرس المستفاد من الأحداث الأخيرة واضح: مستقبل المنطقة لا يحتمل وجود قوى مسلحة خارج الدولة، ولا “دويلات” داخل الدول القائمة. وكل سلاح خارج سلطة الدولة يتحول، بالتجربة، إلى تعطيل الاقتصاد، واستنزاف الناس، وابتزاز الحكومة، وتدويل الأزمة.
القرار السياسي لا يستهدف الأقليات، بل يعيد تعريف أدوارها ضمن الدولة:
– غزة: عرض فرص اقتصادية وتنموية بدل اقتصاد الأنفاق.
– شمال سوريا: دعوة للاندماج ضمن الدولة بدل الاحتفاظ بجيوش موازية.
إقرأ أيضاً: هل صحيح أنّنا صمدنا 66 يوماً؟
– جنوب لبنان: فرص التنمية والاستثمار بدل اقتصاد الجبهة.
– العراق: السلطة تقاسم ضمن مؤسسات الدولة بدل فائض القوة.
– اليمن: سلطة واحدة بدل انتشار السلاح.
بدأت بعض القوى في فهم الرسالة، والبعض الآخر لا يزال مترددًا. والقسم الأخير لا يزال يراوغ، محاولاً المحافظة على أسلوبه القديم. لكن الخيار واضح: الدولة أو المواجهة.
