في فيلم “فرانكشتاين” (Frankenstein) لعام 2025، يعود غييرمو إلى الثيمة التي لم يغادرها أبدًا في أفلامه؛ وهي جماليات القبح، لقدرتها الفارقة على الحفر في الذات الإنسانية وسبر أغوارها، فمن فيلمه “متاهة بان” إلى “شكل الماء” إلى “بينوكيو” وهو يعالج هذه القضية، وكأنّه يقول: ليس الآخر هو الوحش، وإنّما: أنا، أنت، نحن! فلا وجود في فكر غييرمو لآخر نلقي على كتفيه قبحنا، إلّا نحن، عندما نتخلّى عن جوهرنا الإنساني. وعلى سبيل المثال، في فيلمه “بينوكيو” لم يستطع بينوكيو إنقاذ النجّار الذي نحته من جذع شجرة، إلّا عن طريق الكذب، فنما أنفه حتى أصبح شجرة، فالكذب لدى الطفل هو أحد وسائل التخييل لإدراك ذاته والعالم، ولا يتعلّق بالأخلاق في ذلك العمر.
من هذا المنطلق يعود غييرمو إلى رواية شيلي، لكنّه يحافظ على الإطار العام لها مع بعض الزوايا الفكرية التي عالجتها الكاتبة، لكن بقراءته الخاصة، فيبدأ الفيلم بمشهد لسفينة عالقة في جليد القطب الشمالي يقودها قبطان؛ هو الآخر مهووس باكتشاف الكون، يلعب دوره لارس ميكلسن، فهذا المشهد يُعدّ رمزًا لبدء سيطرة الإنسان على مجاهل الكرة الأرضية منذ القرن الثامن عشر. ينقذ القبطان فيكتور فرانكشتاين (أوسكار إسحاق) الذي كان على وشك الموت من مطاردة الوحش الذي خلقه من قطع من الجثث تعود لمجرمين قُتلوا شنقًا ولجنود ماتوا في المعارك، ومن ثم يبدأ برواية حكايته للقبطان. لم يكن فيكتور فرانكشتاين الرواية مدفوعًا بذات الأسباب لفيكتور فرانكشتاين الفيلم، ففي الرواية يكون الدافع لصناعة الوحش معرفة كنه الحياة. أمّا في الفيلم فتتعقّد الدوافع، حيث عانى الطفل فيكتور من سطوة وتعنيف أبيه الجرّاح العظيم له، حتى أنّه لم يكن يضربه بالعصا على يديه عندما يفشل في الإجابة عن أحد الأسئلة الطبية، وإنّما على وجهه، لأنّ يدَي فيكتور لا يجب أن يطاولهما الأذى، فمستقبلهما كيدَي جراح يجب أن تكونا خاليتين من العطب، هذا من جهة. أمّا من جهة ثانية، فقد صُدم من موت والدته المبكِّر (ميا غوث) عند ولادة أخيه الصغير، حتى أنّه اتهم أباه بفشله بالحفاظ على حياتها. هذا الفقدان المبكِّر لحنان الأمومة، سيعوّضه فيكتور فرانكشتاين بشربه للحليب بدلًا من المشروبات المعتادة للكبار من شاي وقهوة وكحول، فلقد كانت زجاجة الحليب دومًا في متناوله كرمز لـ”الرضاعة” التي تُعدّ بديلًا عن ثدي الأم وحنانها المفقود. بدأ فرانكشتاين بإجراء تجاربه، وفي خضم ذلك التقى بأحد تجار الأسلحة الذي كان قد استمع له وهو يقدّم شرحًا مخبريًا عن إمكانية إعادة الحياة للموتى أمام علماء وأطباء ذلك الزمان، فيعرض عليه التاجر إمكانياته المالية لتحقيق حلمه. ومن جديد يغمز غييرمو من سطوة الإمبريالية الأميركية على العالم وتوجهاتها الخطرة، فالتاجر مصاب بمرض الزهري الجنسي! هذا المرض القاتل انتشر في أوروبا بعد أن تم اكتشاف أميركا، وانتقل من الهنود الحمر الذين يملكون مناعة ضده إلى الأوروبيين حتى أصبح لعنة عصر الأنوار. يأمل التاجر بأن تؤدي تجارب فرانكشتاين إلى إنقاذه من مرضه عبر إعادة إحيائه من الموت باستبدال أعضاء جسده التي نخرها المرض، فيصارحه بذلك وتنشب بينهما مشادة تنتهي بموت التاجر، ليبقى فرانكشتاين في قلعته القوطية مع قطع الجثث وبطارياته العملاقة التي تتغذّى من الصواعق.
| المخرج المكسيكي غييرمو ديل تورو (Getty) |
وفي ليلة عاصفة يعلّق جسد الوحش على صليب، له دلالة معكوسة، فبدلًا من أن ينتج الموت يمنح الحياة، منتظرًا أن تضرب صاعقة ككلمة “كن” جسدَ مخلوقه بعد أن زرعه بالأقطاب الكهربائية، فكما صنع الإله جسد آدم من طين، صنع فرانكشتاين مخلوقه من أعضاء الجثث، بحبّ وعطف ورغبة عارمة بكماله، فلم يبقَ من قبح المخلوق لدى شيلي ولا غيرها ممن اقتبسوا عنها إلّا القليل، فالمخلوق الجديد الذي لعب دوره جيكوب إيلوردي يتناقض مع الصورة التي تكونت في أذهاننا لمخلوق فرانكشتاين، كفيلم المخرج جيمس ويل لعام 1931 الأسطوري الذي قدّم لنا لأول مرة الوحش الشهير برأسه المسطح، وعينيه الصفراوين، والرقبة المثبّتة بمسامير، والذي جسّده الممثل بوريس كارلوف ببراعة في ذلك الوقت.
إنّ هذه المفارقة في صورة المخلوق عمّا اعتدنا عليه تتماهى مع الدوافع العميقة لفيكتور فرانكشتاين، فهو وإن عانى من عنف أبيه، فهو لم يتجاوزه إلّا بإعادة تمثّله لينتصر عليه، على أمل أن يثبت لأبيه حتى وهو في قبره بأنّه أفضل منه، فهو لم يقصّر بعمله، مثل أبيه الجراح العظيم عندما لم ينقذ أمّه من الموت، فهو انتقى أفضل القطع غير المتحلّلة من الجثث، وشكّل وجه مخلوقه بعناية، وعندما نهض الوحش من الموت لم يفرّ فيكتور، مثلما فعل صنوه في رواية شيلي.
العائلة
لم تعد الهواجس القلقة التي رافقت تطور العلم في القرن التاسع عشر وجسّدتها روايات الخيال العلمي التي افتتحتها ماري شيلي، ملمحًا مهمًا في النسخة الجديدة لغييرمو، وإنّما العلاقات الأسرية التي بدأت تتآكل في زمننا. يخرج غييرمو عن نسق رواية شيلي التي صوّرت والد فيكتور رجلًا طيبًا ومحبًا يعتني بعائلته، بينما يظهر والد فيكتور في رؤية غييرمو كمستبد، يحمّل ابنه ما لا طاقة له به، وذلك بأن يكون نسخة عنه كونه أشهر الأطباء الجراحين في زمنه، ضاربًا بعرض الحائط أنّ فيكتور الصغير يحتاج وقتًا للتدرّج في المعرفة. وعلى نفس المنوال، في نسخة غييرمو استنسخ فيكتور تصرفات أبيه، عندما بدأ بتعليم الوحش، فلقد أراد منه أن يستجيب لأوامره سريعًا، فهو يملك جسد رجل ناضج وقوي، متغاضيًا عن أنّ المخلوق قد وُلد البارحة. كان الوحش يكرّر كلمة “فيكتور” مرارًا وتكرارًا، حتى سئم منه خالقه، وهبطت آماله بما صنعه تحت الصفر كحرارة القطب الشمالي، عادًّا الوحش كائنًا غبيًا، وفاته أنّ الطفل، أول ما يتلفّظه، هو كلمة “ماما” و”بابا”؛ وما كلمة “فيكتور” على لسانه إلّا معادلًا لكلمة “ماما/ بابا”.
| مشهد من فيلم “فرانشكتاين” الذي صدر عام 1930 |
في خضم هذه التحولات الحدّية لمشروع فرانكشتاين يصل أخوه وخطيبته – التي تلعب دورها الممثلة ميا غوث والتي أدّت دور أمّ فيكتور حينما كان صغيرًا- إلى القلعة، والتي لم ترَ بالوحش إلّا روحًا صافية حتى أنّه تلفّظ اسمها “إليزابيث”. لقد كانت أمّ فيكتور ترى فيه ولدًا طيبًا وذكيًا، لكن بعد أن تقمّص فيكتور شخصية أبيه ليهزمه، لم يستطع أن يرى طيبة المخلوق كما لم يرَ أبوه طفولته الغضّة. وفي الوقت نفسه لم يستخلص العبر من كلمات “إليزابيث” خطيبة أخيه. إنّ نظرة غييرمو للأنثى في فضاءات أفلامه تتجلّى بأنّها صمام الأمان ومن دونها سينفجر عنف الذكر إلى ما لا نهاية.
يستفيق فيكتور على فشل مشروعه، فيسعى إلى وأده في مهده، وحرق مختبره، وضمنًا قتل مخلوقه، وتدمير القلعة القوطية، وكأنّه يريد القطع مع كل الأوهام والآمال التي عاشها. هكذا يشعل النار في القلعة، فتنفجر البطاريات وتنهار القلعة، وفي صحوة يحاول العودة إلى الداخل لربما لإنقاذ مخلوقه أو ليحترق مع كل ما نذر حياته لأجله، لكن انفجار إحدى البطاريات يقذفه خارجًا فتُبتر ساقه. استطاع المخلوق الهرب من القلعة عبر مجاريرها، ليسقط في البحر، ومن ثم اختبأ في الغابات، وفي ترحاله جاور عائلة من الفلاحين في الخفاء، ومن خلال مراقبته لهم تعلّم ما كان يُفترض بفيكتور أن يمنحه إياه. وأخيرًا يعود إلى رحم ولادته، القلعة المدمّرة، وهناك يكتشف الوثائق والصور التي تؤرشف لحظات خلقه ويتعرّف على خالقه/ أبيه فيكتور فرانكشتاين.
الغفران
بعد أن قصّ فيكتور حكايته للقبطان، يقتحم المخلوق قمرتهما صارخًا بأنّه يريد فيكتور، ثم يبدأ بقصّ جانبه من الحكاية وكيف تاه في البراري ورفضه البشر، واكتشافه أنّه غير قابل للموت، فأيّ حياة شنيعة منحها إياه فيكتور، وكان الأولى به أن يصنع له شريكة تؤنسه في وحدته الأبدية، لذلك قام بمطاردته. يستمع القبطان للحكايتين ولجدال فيكتور والمخلوق، وبعد أن بسط كل منهما حياته أمام الآخر تهدأ النفوس ويطلب فيكتور من المخلوق أن يناديه باسمه، مثلما نطقه أول مرّة، فيصرخ الوحش: “فيكتور، فيكتور” وكأنّه يقول: أبي، أبي. لقد اعترف فيكتور ببنوة الكائن وطلب الغفران منه، لينتهي الفيلم وقد لفظ فيكتور أنفاسه الأخيرة تحت شمس القطب التي تطل من نافذة قمرة السفينة بعد أن نال الغفران من مخلوقه/ ابنه. يغادر الكائن السفينة، ليتماهى مع بياض القطب الشمالي، لكن قبل ذلك يدفع السفينة بقوته الجسدية الهائلة، فيحرّرها من الجليد لتعود إلى مرفأها في المياه الدافئة.
لقد قدّم غييرمو قراءة فارقة لفرانكشتاين، إلّا أنّه حافظ على الروح القوطية للرواية من قلعة ورعب وإثارة ورومانسية حالمة، وكأنّه يقول بأنّ خيال الروايات القوطية هو الأكثر إحاطة بقلقنا الوجودي، فلا العلم قادر على التخفيف منه ولا الإيمان، نحن أشبه بهذين التوأمين: المخلوق وفيكتور. لقد كانت وعود العلم في عصر التنوير مطلقة تَعِد بجنّة أرضية، كما كانت وعود الأديان بقيامة قريبة للحياة الأخروية، لكن لا العلماء ولا الأديان، استطاعوا أن يمنحوا الإنسان ما استشكل عليه منذ القدم منذ أسطورة جلجامش وإنكيدو، وكأنّ الإنسان مصيره أن يواجه جليد هذا العالم وحيدًا. في خضم هذه العدمية التي يعالجها غييرمو للوجود، تتجلّى العلاقة الأسرية، بكونها الشعلة الوحيدة التي تضيء ظلام هذا العالم، وكأنّه يقول، لا شيء حقيقيًا غيرها، فلا تدمروها، لأنّ هناك عالَمًا سيتجاوز طموحات فيكتور، ومخلوقًا سيُولد وسيطغى على سمعة مخلوق فيكتور فرانكشتاين، ولن نعلم ما سينتج من اجتماعهما، والأخطر لن يكون العالَم والدًا للمخلوق ولا المخلوق ابنًا للعالَم، بل غريبين اجتمعا في مختبر الجحيم.
من سيشاهد فيلم “فرانكشتاين” منتظرًا رواية شيلي فلن يجدها، ولن يلقى نسخة محدّثة من رؤية المخرج جيمس ويل في ثلاثينيات القرن العشرين، وإنّما فيلمٌ عن العائلة؛ النواة الأولى للمجتمع الإنساني.
* كاتب من سورية.