لا يكاد يمضي يوم إلا ويُقرَع جرسُ إنذار الحرب الموسَّعة إقليمياً وبشدّة. ومع كل إنذار يزداد قلق المنطقة برمّتها، ولا سيما دول الخليج العربي، وما قد يتبع ذلك من تداعيات. فهل تمتلك إيران كل هذه القدرات؟ أم أن ثمة ما يمكن وضعه على طاولة التفاوض؟ وهل سيكون التفاوض تحت تهديد فائض القوة قادراً على نزع أنياب إيران من المنطقة؟
فإيران تدرك جيداً أن استجابتها للشروط التفاوضية الأميركية قد تجعل مصيرها كمصير العراق عام 2003؛ أي إنها تدرك أن تلك الشروط قد تكون مقدمة لتجريدها من أسلحة الردع، وهي الورقة الأقوى في منع تعرّضها لحرب مباشرة.
وهذه الأسلحة، ولا سيما الصواريخ الباليستية بعيدة المدى، لا تستطيع الوصول إلى أميركا حكماً، لكنها قادرة على تهديد الخليج العربي برمّته، بل وتهديد مستقبل الطاقة الأوروبية عبر ضرب المنشآت النفطية الخليجية وإقفال مضيق هرمز. كما يمكنها إشعال حرب بين قوى عالمية متعددة الأقطاب، إذا ما شعرت كل من روسيا والصين بأن توجيه ضربة عسكرية قاضية لإيران يعني السيطرة شبه الكاملة على عمق الشرق الأوسط، بما يهدد خطوط التجارة البرية الصينية، ويقوّض التحالف الأوراسي الروسي الذي تسعى موسكو إلى ترسيخه في مواجهة حلف الناتو.
ورغم إبداء كل من الصين وروسيا صمتاً محيّراً إزاء مجريات الحدث الإيراني والتهديدات الأميركية المتتالية، فإن إيران تدرك جيداً أبعاد المعادلة الدولية في هذا الشأن. فللمرة الأولى منذ تقطيع الأذرع الإيرانية في لبنان وسوريا، وخروج روسيا وإيران شبه الكامل من الساحة السورية، تسعى كل من موسكو وبكين إلى تثبيت مواقعها الجيوسياسية في المنطقة، والحفاظ على امتداد مصالحها عبر الإبقاء على إيران بوصفها صلة وصل برية للصين، وعبر سعي روسيا إلى اتفاق سلام مع أوكرانيا يضمن لها نفوذاً برياً واسعاً وموطئ قدم على البحر الأسود.
غير أن ما يجري اليوم يستدعي حذر جميع أطراف المعادلة الدولية إذا ما تم الإجهاز على إيران. فهل يقع المحذور وتدخل منطقة الشرق الأوسط برمّتها أتون حرب كبرى تأتي على ما تبقى من مدنها وعواصمها؟
بالعودة إلى الشروط الأميركية المطروحة على إيران، والمتمثلة في:
-
الوقف الكامل لتخصيب اليورانيوم، وتسليم كامل اليورانيوم المخصب إلى الوكالة الدولية للطاقة الذرية.
-
تفكيك برنامج الصواريخ الباليستية بعيدة المدى، ولا سيما التي يتجاوز مداها 500 كيلومتر.
-
عدم التدخل في شؤون المنطقة، ووقف دعم الجماعات المسلحة، خاصة في لبنان والعراق واليمن.
-
الكفّ عن قمع الشعب الإيراني واحتواء التظاهرات الشعبية.
وأمام هذه الشروط، تدرك إيران أنها، في حال تنفيذها، ستكون قد جُرّدت من معظم عناصر ردعها الإقليمية، بما قد يمهّد لاجتياح عسكري محتمل. لذلك حاولت جسّ نبض الجانب الأميركي بشأن جدّيته في الذهاب إلى الحرب، من خلال تعطيل مفاوضات الخميس في تركيا ونقلها إلى الجمعة في مسقط، إدراكاً منها لخطورة تداعيات أي حرب قد تُقدِم عليها أميركا، خاصة أن دول الخليج وأوروبا تدركان بدورهما مخاطر الرد الإيراني على أي استهداف عسكري مباشر.
فهل يعني قبول أميركا نقل المفاوضات إلى مسقط وتأجيلها يوماً واحداً بالضرورة وقف الحملة العسكرية المحتملة؟ يبقى سؤال الحرب قائماً، كما يبقى التفاوض احتمالاً قد يكون مقدمة لها. والأيام المقبلة قد تكون متسارعة في أحداثها وتداعياتها.
إن الذهاب إلى التفاوض يعني أولاً استبعاد شبح الحرب المباشرة، ولكن ليس بالضرورة إنهاء احتمالاتها. فإيران لم تُبدِ موافقة واضحة سوى على مناقشة الملف النووي، فيما تشير المؤشرات إلى أن أي تفاوض لن يقتصر هذه المرة على تخصيب اليورانيوم، بل قد يتعداه إلى توسيع صلاحيات الوكالة الدولية للطاقة الذرية داخل إيران، بما يتيح الوصول إلى البرنامج النووي برمّته.
بل إن الأمر قد يتجاوز ذلك إلى أحد احتمالين: إما السعي للوصول إلى برنامج الصواريخ الباليستية سراً، وهو ما تخشاه طهران، أو محاولة التأثير في الداخل الإيراني عبر تحريك الشارع مجدداً. واليوم، ومع تراجع نفوذ أذرعها الإقليمية، ولا سيما حزب الله وبعض الميليشيات في سوريا، تبدو معادلة إيران التفاوضية أقل صلابة مما كانت عليه سابقاً.
وترجّح بعض الاحتمالات أن تفاوض إيران على التخلي عن برنامجها النووي بالكامل مقابل الاحتفاظ ببرنامجها الصاروخي، بوصفه قوة الردع الحقيقية في مواجهة أي حرب محتملة. لكنها تدرك في المقابل أن فقدان القدرة النووية سيضعف مكانتها الإقليمية، ما قد يدفع المسار التفاوضي نحو تحجيم نفوذ أذرعها في العراق واليمن ولبنان.
وهنا قد يُرجَّح احتمال توجيه ضربات إسرائيلية جديدة إلى جنوب لبنان لإنهاء ما تبقى من قوة حزب الله، ما لم تتوسع العمليات إلى كامل الجنوب، وهو ما قد يحمل تداعيات غير محسوبة.
ويُضاف إلى ذلك احتمال انتقال الثقل الأميركي من الملف السوري، بعد استكمال إنهاء ملف «قسد»، إلى الملف العراقي، خاصة مع اكتمال الربط الجغرافي بين شمال سوريا ومنطقة التنف وصولاً إلى الحدود العراقية. وهو ما قد يجعل التحكم بالحشد الشعبي أكثر سهولة من السابق. كما أن تكليف توماس باراك بملف العراق قد يُقرأ في هذا السياق.
فإن كانت هناك نية فعلية لتجاوز الحرب الإقليمية الواسعة، فقد يجري العمل بالتوازي على تحجيم حزب الله، وإعادة هيكلة الحشد الشعبي ودمجه كلياً في الجيش العراقي. وفي هذه الحالة قد لا يكون أمام إيران سوى القبول، كما فعلت في محطات سابقة. وفي الوقت نفسه قد تبدأ مرحلة تفاوض جدي في اليمن لإنهاء ملف الحوثيين، بما يعكس حجم التعقيد في المشهد الإقليمي.
النتيجة المرجّحة من التفاوض، في حال انطلاقه، هي تقليص القوة الإقليمية لإيران وفرض شروط تحدّ من نفوذها الداخلي والخارجي، وربما التخلي عن برنامجها النووي. لكن هل ستقف العملية عند هذا الحد؟ فمن المعروف أن لكل عملية تفاوض حدوداً عليا ودنيا. فإن كانت الحدود العليا تتعلق بالملف النووي والصواريخ الباليستية بعيدة المدى، فإن الحد الأدنى قد يكون التخلي عن أذرعها في المنطقة.
وهنا يمكن اختبار فرضية الحرب بجدية: فإذا اكتفت أميركا بالملف النووي، وغضّت إيران النظر عن نفوذها الإقليمي، فقد تتراجع مؤشرات الحرب مؤقتاً. أما إذا أصرّت واشنطن على سلة شروطها كاملة، فقد تتجه المنطقة نحو تصعيد متعدد الجبهات.
وفي هذه الحالة سيعود دور روسيا والصين إلى الواجهة، في محاولة لتحجيم تهديد أمن الخليج وحماية توازن المصالح. غير أن حسابات المصالح، التي تتقنها السياسة الأميركية، قد تجعل المنطقة أمام سيناريوهات متبدلة في الأيام المقبلة. وإلا فإن طبول الحرب ستستمر في القرع، ولن تتنازل أميركا عن سلة شروطها كاملة.
