ملخص
على جزيرة عائمة وسط بحيرة تشاد، يحلم ثلاثة هاربين من الاستعباد ببناء عالم جديد. توماستا منصور وياسمينة وزيتون فرّوا من جحيم تجارة الرقيق في أواخر القرن الـ19، وأرادوا تأسيس مجتمع يوتوبي يُدعى “كييبا”، تحكمه قيمة واحدة مطلقة هي التحرر الكامل من كل أنواع القهر.
توماستا رجل مخصي، وياسمينة شابة يمنية يافعة، لفظ سيدها أنفاسه الأخيرة بين ذراعيها، وزيتون فتى أُنقذ وهو شبه ميت بين الرمال، ثلاثة هاربين من جحيم العبودية، يجمعهم حلم واحد.
هؤلاء هم الذين اختارهم الروائي السويسري- التشادي نيتونون نويل نجيكيري لبناء معمار ملحمته الروائية “لا قوس قزح في الجنة” (Il n’y a pas d’arc-en-ciel au Paradis)، الحاصلة على جائزة الرواية الأفريقية لجنوب الصحراء عام 2022، والمترجمة إلى العربية حديثاً، بقلم عاطف الحاج سعيد (دار الريس).
صلات وجودية
تتشكل العلاقة بين الثلاثي المؤسس لـ”كييبا” من روابط معقدة تتحدى التصنيفات التقليدية. توماستا يحمل على كاهله مسؤولية حماية ياسمينة، المهددة بمصير قاتم من قبل أهل سيدها الراحل. هذا الثنائي غير المألوف لا تربطه علاقة حب رومانسية تقليدية، بل رابطة وجودية نشأت من هروب مشترك وتقاطع المصائر. الإخصاء الذي تعرض له توماستا يجعل علاقته بياسمينة أقرب إلى الحماية الأبوية أو الأخوية، علاقة تقوم على الرعاية والمسؤولية الأخلاقية أكثر منها على الرغبة.
حين يكتشف الثنائي توماستا وياسمينة، الفتى زيتون، شبه ميت تحت الرمال، وقد نجا بدوره من مصيره كعبد، يتحول الاثنان إلى ثلاثة، وتتشكل نواة “كييبا” الأولى. وهذا الثلاثي سيؤسس مجتمعاً قائماً على مبدأ فلسفي عميق استقاه توماستا من شعبه “الفرد لا شيء وحده من دون الجماعة، والجماعة لا شيء من دون الفرد”. وهذه القاعدة، “شخص واحد يعني كل الأشخاص”، تحكم علاقاتهم وتؤسس لمجتمع شبه يوتوبي يقوم على التضامن المطلق والحرية الكاملة من أي نوع من أنواع الاستعباد.
تنمو العلاقة بينهم من حدود الصداقة أو الرفقة، نحو تأسيس عائلة بديلة، عائلة مختارة لا مفروضة، تقوم على الاختيار الحر والمصير المشترك. علاقة تمثل نموذجاً مصغراً للمجتمع الذي يحلمون ببنائه، مجتمع تُحترم فيه كرامة الفرد وتُقدس فيه الحرية وتُعلى فيه قيمة التضامن على كل ما عداها. لنقرأ “شعر المسافرون الثلاثة هم أيضاً برغبة في إشباع فضولهم، لكن توماستا منصور كان يتوجس من أن ظهور ياسمينة قد يخل بالنظام العام، أوصى إذاً بأن تتجنب الظهور موقتاً، فوافقت على مضض، خرج برفقة المراهق لاستنشاق الهواء الطلق، وهناك، اكتشفا أنهما أصبحا على ارتفاع حوله طوفان الليل إلى جزيرة صغيرة”.
لكن على هذه الجزيرة المنسية، يعيش سكان أصليون، لهم طقوس وثنية غامضة وغريبة، لذا يستقبلون هؤلاء الوافدين الذين وصلوا إلى أرض الجزيرة بعد هبوب عاصفة قاتلة، بترحاب كبير، يظنون أن الفتاة البيضاء ياسمينة هي إحدى آلهة الماء اللواتي يروي حكاياتهن الرواة في ليالي السمر، “أقنعوا أنفسهم بأن ملابسها الفضفاضة ما كانت إلا لإخفاء شعرها الطويل وذيلها السمكي. وفي ما بعد اعتبروا هياج الطبيعة الغريب لحظة وصولها إشارة إلى قدومها الموعود… ولم يكن توماستا ليفصح عن حقيقة ياسمينة أو يبدد معتقدات الكيرديين حولها”.
ضد النسيان
يؤمن سكان “كييبا” بأن المعرفة هي سلاحهم الأول ضد النسيان، فيكرسون أنفسهم لتوثيق ذاكرة الألم في سجل خاص يُسمى “ندادجي”، معتبرين التدوين فعل مقاومة ضد محو التاريخ. لكن هذا الملاذ المنعزل عن العالم الخطر لن يصمد طويلاً. فعبر قرن كامل من الأحداث، يتتبع نجيكيري مصائر هذه الجزيرة ومن مروا فيها، وصولاً إلى الغزوة الوحشية التي تشنها جماعة “بوكو حرام” الإرهابية على الجزيرة، لتسقط الحلم اليوتوبي، وتكمل دائرة القهر التي بدأت قبل قرنين.
يعيد الكاتب قراءة تاريخ منطقة الساحل والصحراء الأفريقية من منظور إنساني ناقد، غير أن نجيكيري لا يكتب التاريخ بوصفه تسلسلاً للأحداث، بل بوصفه جرحاً مفتوحاً في ذاكرة البشر، يتناسل عبر الأجيال.
يحمل العنوان “لا قوس قزح في الجنة” دلالة رمزية عميقة. فقوس قزح، في المخيال الإنساني، علامة وعد بالخلاص بعد العاصفة، وإشارة إلى مصالحة بين السماء والأرض. لكن الكاتب ينفي وجوده “في الجنة” ذاتها، في إشارة إلى أن الوعود الكبرى، الدينية منها أو السياسية، لم تمنح شعوب المنطقة فردوساً حقيقياً. العنوان هنا ليس استعارة شاعرية وحسب، بل هو بيان نقدي يعلن أن الخلاص لا يتحقق بالشعارات.
ويعتمد الكاتب تقنية سرد دائري، يبدأ عام 2017، مع صوت متكلم بضمير المخاطب يتخيل نفسه في الجنة بين حور العين، ثم ينتقل السرد إلى الراوي العليم في الماضي بحيث تتجاور الأزمنة، ويبدو الماضي حاضراً في تفاصيل تشبه اللحظة المعاصرة. وهذه البنية تمنح النص طابعاً بانورامياً، وتبرز فكرة أن التاريخ ليس زمناً مضى، بل قوة فاعلة تواصل تشكيل الحاضر.
تنبني الرواية على تتبع مصائر شخصيات تنتمي إلى طبقات مهمشة، عبيد ونساء وجنود بسطاء وأناس عاديون جرفتهم تحولات كبرى لم يختاروها. من خلالهم، يُعاد تشكيل التاريخ من الهامش، بعيداً من الروايات الرسمية. فبدلاً من أن يكون الاستعمار حدثاً سياسياً مجرداً، يتحول إلى تجربة يومية من الإذلال والاقتلاع وفقدان الهوية.
أسئلة كبرى
تحتل العبودية موقعاً مركزياً في الرواية، ليس فقط بوصفها نظاماً تاريخياً، بل كرمز لاستمرار أنماط الهيمنة. فالانتقال من تجارة الرقيق إلى الاستعمار لا يُقدم بوصفه خروجاً من الظلام إلى النور، بل تحولاً في صورة السيطرة.
بهذا المعنى، تقدم الرواية نقداً مزدوجاً، نقداً للبنى التقليدية التي شرعنت الاستعباد، ونقداً للخطاب الاستعماري الذي ادعى تمدين الشعوب، فيما كان يعيد إنتاج التبعية. إنها قراءة شجاعة لتاريخ معقد، لا تبرئ طرفاً ولا تكتفي بإدانة أحادية.
وتحضر في النص أسئلة الدين والهوية، بوصفهما عنصرين مركزيين في تشكيل الوعي الجمعي. فلا يهاجم الكاتب الإيمان في ذاته، بل يكشف كيف يمكن للخطاب الديني، حين يختزل في شعارات أو يوظف سياسياً، أن يتحول إلى أداة للسيطرة أو للتعبئة العنيفة. من هنا، يبدو العنوان تعليقاً على كل وعد بالخلاص يتجاهل العدالة الأرضية.
وتحضر في الرواية أيضاً، إشارات حساسة إلى علاقات إنسانية وطيدة، تلاحم عاطفي ووهج حب، في بناء مجتمع يتشكل رويداً رويداً داخل الجزيرة، مما يستدعي إلى الذهن قرية ماكوندو في “مئة عام من العزلة”، مع اختلاف السياق. لنقرأ هذا الوصف “باتت الأكواخ، وقد اكتمل بناؤها، تضج بالأصوات، وفتات الأحاديث، وانفجارات الضحك، وكان أحدها، على وجه الخصوص، يفيض بفرح لا يعرف سكوناً، لا في وضح النهار، ولا في هدوء الليل، ذلك الكوخ خصص للزوجين المتيمين ياسمينة وزيتون، اللذين لم يكُن لديهما شك في أن ما يجمع بينهما هو حب مجنون”.
هذه اللغة الممزوجة بين السرد والتحليل تمنح النص إيقاعاً خاصاً، وتظهر قدرة الكاتب على الجمع بين الحس التوثيقي والخيال الأدبي. فالعمل، على رغم اتساعه التاريخي، يظل رواية في جوهره، قائمة على بناء الشخصيات والصراعات الداخلية.
ومن أهم ما تطرحه الرواية فكرة الذاكرة بوصفها فعل مقاومة. فاستعادة الماضي ليست اجتراراً للألم، بل محاولة لاستعادة الكرامة، وهذا يحضر مع البطل السارد المعاصر الذي يظهر في الفصل الأول والفصل الأخير، فعلى رغم المساحة السردية القصيرة التي يشغلها مقارنة بمتن الرواية، فإن ما يحكيه يمكن اعتباره بوصلة السرد الأولى.
لعله من المهم الإشارة إلى أن التفاصيل المذكورة في الكتاب، من أسماء أماكن وقبائل، وعادات وتقاليد تخص تلك المنطقة من العالم، تبدو شبه مجهولة بالنسبة إلى القارئ البعيد جغرافياً وتاريخياً من تلك البقعة، شبه المنعزلة، فالكتابة، وإن كانت تقوم على مخيال سردي واضح في بناء الحبكة الرئيسة، إلا أن نيجيكيري لا يخفي استناده إلى الواقع التاريخي في جزء كبير من الوقائع.
هنا تتجلى أهمية صدور الترجمة العربية التي تتيح للقارئ، التعرف إلى تجربة أفريقية، تتقاطع مع تجارب عربية في مواجهة الاستعمار والتحولات الاجتماعية العنيفة. فالرواية، على رغم خصوصيتها التشادية، تطرح أسئلة مشتركة حول الحرية والعدالة والهوية.
لكن على رغم اتساع الأفق التاريخي الذي يمنح الرواية طابعها الملحمي ويعزز بعدها التوثيقي، فإن هذا الاتساع نفسه يوقع السرد أحياناً في استطرادات كان يمكن تكثيفها حفاظاً على الإيقاع الدرامي، إذ يطغى الامتداد الزمني والتفصيلي على الكثافة الفنية في بعض المقاطع. وتنجح الرواية أيضاً في بناء شخصياتها الأولى بعمق لافت، غير أن بعضها يتوارى فجأة مع تحولات السرد واتساع مداه، من دون اكتمال درامي يوازي قوة حضورها الأول، وكأن التاريخ الذي تسعى الرواية إلى مساءلته يعيد ابتلاع أفراده داخل حركته الكبرى. وإذ يبرع الكاتب في رسم المشهد الخارجي وتحولاته العنيفة، وفي تصوير الحركة الجمعية والفضاء الصحراوي بثراء بصري واضح، فإن الغوص في التعقيد النفسي الداخلي للشخصيات يظل أقل حضوراً، خصوصاً في اللحظات المفصلية، مما كان يمكن أن يمنح التجربة بعداً شعورياً أكثر كثافة والتصاقاً بالوعي الفردي لا الجماعي وحسب.
“لا قوس قزح في الجنة” رواية تتجاوز حدود المكان، لتخاطب الإنسان في كل مكان. إنها نص عن الألم والأمل وعن الذاكرة والنسيان وعن بحث البشر الدائم عن معنى في عالم مضطرب. ولعل الرسالة الأعمق التي تتركها الرواية في القارئ هي أن الجنة ليست وعداً جاهزاً، وأن قوس قزح لا يظهر إلا بعد مواجهة العاصفة. أما تجاهل العاصفة، فلن ينتج سوى سراب جميل لكنه سراب.
اندبندنت عربية