
تقلبت المؤسسة السياسية والعسكرية الإسرائيلية في الأسابيع الأخيرة بين إطلاق التصريحات المرعبة التي توحي بأن الحرب الأميركية على إيران باتت قاب قوسين أو أدنى، وبين إطلاق صافرات التهدئة وتعابير الخيبة من التراجع أو التردد الأميركي. وطوال هذه الأسابيع، كان قادة المؤسستين السياسية والعسكرية يطلقون التهديدات بشأن ما ينوون فعله إذ ما أقدمت إيران على الرد على الهجوم الأميركي. ومع ذلك، أثقلت فترة التأهب القصوى المعلنة داخل إسرائيل على الجيش والاقتصاد، خصوصاً بعدما ثارت احتجاجات داخل القوات الاحتياطية بسبب خسائرهم المادية والمعنوية والعائلية وقلة التعويضات عن غيابهم عن أعمالهم وبيوتهم. وكان ساسة وعسكريون حاليون وسابقون قد تباروا في التكهن بموعد الضربة الأميركية وحجمها، وأنها ستقع في غضون ساعات إلى أيام قليلة. لكن الهجوم لم يقع واستمرت التكهنات والتهديدات ورسم سيناريوهات الحرب الجديدة على إيران وعدة جبهات أخرى.
انزعاج إسرائيلي
ولا بد من الإشارة إلى أنه خلال الأسابيع الأخيرة، جرى الحديث مراراً عن عراقيل تتعلق بالجاهزية القتالية التي فرضت تأخيرات في برنامج وجداول شن الحرب. وكثيراً ما نشرت تسريبات بأن الجيش الأميركي، رغم حشوده العسكرية الهائلة، يطلب مزيداً من الوقت للاستعداد للحرب. بل قيل ذات مرة في أسباب تأجيل الهجوم، أن ذلك يعود إلى طلب إسرائيلي لعدم جاهزية الدفاع الصاروخي ضد الصواريخ الإيرانية، خصوصاً بسبب قلة منظومات صواريخ “ثاد” الأميركية في إسرائيل وحولها. ومع ذلك، وبالرغم من الحديث المتواصل في إسرائيل عن الحاجة الماسة لزيادة عديد الجيش وتطوير أسلحته لتناسب حرباً على سبع جبهات، فإن توق إسرائيل الرسمية والشعبية للحرب مع إيران لا حدود له، شرط أن تخوض أميركا هذه الحرب.
ومع ذك باتت رسالة “الطمأنة” العسكرية الداخلية أسبوعية تقريباً على لسان الناطق بلسان الجيش الإسرائيلي، العميد إيفي دافرين، والتي تكرر القول بأن “قوات الجيش الإسرائيلي على أهبة الاستعداد للدفاع والهجوم على جميع حدود البلاد”. وأن “الجيش يراقب ما يحدث في جميع أنحاء الشرق الأوسط، وهو على أتم الاستعداد في جميع المجالات“. ويكثر الجيش الإسرائيلي من تسريب التقارير حول تعاظم الانتاج العسكري الإيراني، خصوصاً في مجال صناعة الصواريخ الفرط صوتية والحاجة الماسة إلى التسريع في استهدافها. ولذلك أبدى القادة الإسرائيليون انزعاجهم الشديد من استمرار تمسك الرئيس دونالد ترامب بمسار المفاوضات مع إيران.
وربما، لأسباب داخلية وأخرى خارجية، دأب قادة إسرائيل على التهديد بأن الرد الإسرائيلي هذه المرة على أي استهداف إيراني لن يكون كما كان في حرب الاثني عشر يوماً. وصارت العبارة الدارجة على ألسنة هؤلاء القادة هي أن الرد سيكون أشد بكثير مما كان “وعلى نطاق لا تتخيله إيران”. وكان أبرز من كرر التهديدات رئيس الحكومة المطلوب للجنائية الدولية بنيامين نتنياهو، إذ قال في خطاب في الكنيست قبل أيام: “نحن نمر بأوقات بالغة الصعوبة والتعقيد، ولا أحد يعلم ما يخبئه لنا الغد. الشعب يدرك ذلك. نحن نراقب الوضع عن كثب ومستعدون لأي سيناريو”. ووجه للمرة الثانية تهديداً من نوع جديد لإيران قائلاً: “لقد أوضحت للنظام الإيراني، وأبلغته صراحة، أنهم إذا ارتكبوا ربما أشنع خطأ في تاريخهم وهاجموا دولة إسرائيل، فسوف نرد بقوة لا يمكنهم حتى تخيلها”.
مصنع نسيج
ومن أجل فهم ماهية القوة الإسرائيلية التي “لا يمكن تخيلها”، يخطر بالبال ما تمتلكه إسرائيل من قدرات عسكرية نووية سواء أكانت استراتيجية أم تكتيكية. وجوهرياً، فإن مثل هذا التلميح من جانب نتنياهو استدعى توضيحاً مرمزاً أيضاً من جانب أحد كبار قادة “الليكود” وهو نسيم فاتوري. إذ هدد عضو الكنيست فاتوري، وهو عضو لجنة الخارجية والأمن ونائب رئيس الكنيست، إيران برد قاسٍ إذا هاجمت إسرائيل قائلاً: “لدينا أيضاً أدوات أخرى لم نستخدمها، ليس على أحد اختبارنا، لا الإيرانيون ولا غيرهم. لدينا أيضاً أسلحة لم نستخدمها بعد، وسنستخدمها إذا شعرنا بتهديد وجودي“. وأضاف: “لا أريد التوسع كثيراً، وليس من المجدي للإيرانيين العبث مع إسرائيل. لديهم سجاد فارسي، ولدينا مصنع نسيج”. وهذا تلميح واضح إلى مفاعل ديمونا النووي، الذي اشتهر في الماضي بوصف زعيم إسرائيل التاريخي، ديفيد بن غوريون، له بأنه مجرد مصنع للنسيج.
وواضح أن هذا التهديد موجه ضمناً إلى الولايات المتحدة نفسها، التي طالما غطت على امتلاك إسرائيل للسلاح النووي ومنعت إخضاعه لرقابة الدولية. وكثيراً ما جرى استخدام مثل هذا التهديد لحث أميركا على توفير أسلحة وذخائر متفوقة لإسرائيل بذريعة منعها من استخدام سلاحها النووي. ومن الجائز أن هذا التهديد لأميركا ينبع من إحساس متصاعد لدى قادة إسرائيل بأن إدارة ترامب لا تسارع لتحقيق الرغبات الإسرائيلية في الانتهاء من الخطر الإيراني، خصوصاً بعد “تشخيص” إسرائيل للخطر الإسلامي الثاني الذي يليه. وكان نتنياهو نفسه قد أفصح أيضاً عن هذا التشخيص حين طالب أوروبا بالعمل ضد المحورين الإسلاميين المتطرفين: المحور الشيعي بزعامة إيران والمحور السني بزعامة تركيا. وهو لا يعتقد أن هناك بين المسلمين من يمكن التعامل معهم سوى المنضوين تحت راية الاتفاقات الإبراهيمية.
انزعاج من ترامب
أبدت إسرائيل قلقها من استمرار مفاوضي ترامب مع إيران في التركيز على السلاح النووي من دون ربط ذلك على الدوام بمسألتي الصواريخ وما يسمونه بالوكلاء في الدول المجاورة، في إشارة لعلاقات إيران مع فصائل فلسطينية ولبنانية ويمنية. وحسب ما نشر في صحيفة “يديعوت أحرونوت”، فإن تل أبيب أعربت عن خيبة أملها من نهج مبعوثي ترامب جارد كوشنر وستيف ويتكوف، خصوصاً بعد أن اعترف الأخير بأن الإيرانيين “غير مستعدين للاستسلام”. وهي ترى أن هذا النهج مثير للقلق، وينمّ عن ضعف وتنازل أميركي في التعامل مع إيران لن يقود إلى استسلامها.
وعموماً، إسرائيل لا تثق بمفاوضات جنيف وما ستسفر عنه، وترى أنه حتى لو تم التوصل لاتفاق فلن يكون حلاً بعيد المدى، خصوصاً وأنه لن يضمن سقوط النظام الإيراني. فترامب في نظر الإسرائيليين ينطلق من مفهوم السعي لإبرام صفقة فيما أن إسرائيل لا يقصر تفكيرها على ما تمتلكه إيران حالياً وإنما ما تبنيه أيضاً للمستقبل. وتبذل إسرائيل كل جهد مستطاع لإقناع ترامب بأن الخطر الإيراني ليس بعداً واحداً وإنما منظومة متكاملة يجب تدميرها. إن أشد ما تخشاه إسرائيل من المفاوضات التي فوجئت باستئنافها في جنيف هو احتمال قبول إيران بنوع من التسوية التقنية، مثل تجميد البرنامج النووي، واستمرار احتفاظها بباقي أدوات قوتها. كما أنها غير مرتاحة لاستمرار المسار الدبلوماسي من أصله وتريد للحشود العسكرية الكبيرة التي جمعتها أميركا أن تبدأ العمل بقوة ساحقة وبمعونة إسرائيلية.
وفي نظر إسرائيل ليس مطلوباً من ترامب التلهي بأسئلة من قبيل هل ينبغي إسقاط النظام الإيراني أم إضعافه؟ تدمير المشروع النووي الإيراني أم تقييده؟ فالإجابة عندها واضحة وهي ترى أن العشى الليلي عند ترامب يمنعه من الرؤية السليمة. ولذلك يصر نتنياهو على جر ترامب لبدء الحرب الشاملة على إيران في أقرب وقت وعدم الذهاب إلى جولات مفاوضات أخرى وربما بتهديد مضمر بأن إسرائيل جاهزة لفعل ذك بطريقتها إذا لم يفعل.
وعبّر المعلق السياسي في معاريف، بن كسبيت، عن قلق إسرائيل من سلوك ترامب فكتب: “كابوس إسرائيل الحالي هو الحوثيون. أو بالأحرى، نهاية الحوثيين. يخشى البعض أن تنتهي المغامرة الأميركية الحالية مع إيران بنفس الطريقة التي انتهت بها مع الحوثيين: اتفاق سريع ومفاجئ ومتداخل، يسمح للرئيس دونالد ترامب بإعلان النصر، والتقاعد من منصبه، وتركنا وحدنا نواجه المشاكل”. واعترف بأن فرص حدوث ذلك ضعيفة لكنها ليست مستحيلة الحدوث، فما تريده إسرائيل ليس بالضبط ما يريده الأميركيون. ولذلك فإن أي سيناريو، إن كان اتفاقاً غير شامل أو هجوماً أميركياً لا يتضمن إسقاط النظام سوف تدفع إسرائيل ثمنه لاحقاً.