
وزير الخارجية العماني خلال لقاء مع ستيف ويتكوف وجاريد كوشنر في جنيف (وزارة الخارجية العمانية / أ ب)
ملخص
قال مسؤول إيراني رفيع المستوى لـ”رويترز” إن الولايات المتحدة وإيران قد تتوصلان إلى إطار عمل لاتفاق نووي، إذا فصلت واشنطن بين “القضايا النووية وغير النووية”.
أكدت إيران تحقيق “تقدم جيد” في المحادثات مع الولايات المتحدة عقب الجولة الثالثة التي عقدت في جنيف الخميس، والاتفاق على استكمالها، مع إجراء محادثات تقنية في فيينا بإشراف الوكالة الدولية للطاقة الذرية الإثنين.
وأمهل الرئيس الأميركي دونالد ترمب في الـ19 من فبراير (شباط) إيران ما بين 10 و15 يوماً للتوصل إلى اتفاق مع الولايات المتحدة وإلا مواجهة “أمور سيئة”، في ظل تعزيز واشنطن حشودها العسكرية في الشرق الأوسط.
وأتت جولة الخميس بينما يؤكد الطرفان منذ أسابيع انفتاحهما على الحوار، لكن التحضير للمواجهة في الوقت عينه.
وقالت ثلاثة مصادر مطلعة على تقارير استخبارية أميركية إن هذه التقارير ليس فيها ما يدعم زعم الرئيس الأميركي دونالد ترمب أن إيران ستمتلك قريباً صاروخاً قادراً على ضرب الولايات المتحدة ويبدو أنه مبالغ فيه، وهو ما يلقي بظلال من الشك على جانب من المبررات التي ساقها لشن هجوم محتمل على طهران.
بدأ ترمب في خطابه عن حالة الاتحاد أمام الكونغرس يوم الثلاثاء في طرح مبررات أمام الرأي العام الأميركي لإمكان شن الولايات المتحدة هجمات ضد إيران، قائلاً إن طهران “تعمل على تطوير صواريخ ستصل قريباً” إلى الولايات المتحدة.
لكن مصدرين قالا إنه ليست هناك أي تغييرات في تقييم رفعت عنه السرية لوكالة الاستخبارات العسكرية الأميركية لعام 2025، الذي يفيد بأن إيران قد تحتاج حتى عام 2035 لتطوير “صاروخ باليستي عابر للقارات يكون صالحاً للاستخدام العسكري” من مركبات الإطلاق الفضائية التي لديها حالياً، وامتنع البيت الأبيض عن التعليق.
تفاوض على مرحلتين
والتقى وفدا التفاوض على مرحلتين الخميس في مقر إقامة السفير العماني قرب جنيف، ويقود وفد إيران وزير خارجيتها عباس عراقجي، بينما يتقدم الوفد الأميركي المبعوث الخاص ستيف ويتكوف وجاريد كوشنر صهر ترمب، ويتم التفاوض بصورة غير مباشرة بواسطة وزير الخارجية العماني بدر البوسعيدي.
وقال عراقجي للتلفزيون الرسمي الإيراني “حققنا تقدماً جيداً وتطرقنا بجدية بالغة إلى عناصر الاتفاق، وذلك في المجال النووي وفي مجال العقوبات” المفروضة على إيران.
ووصف عراقجي المحادثات بأنها من بين أهم المحادثات التي أجرتها إيران مع الولايات المتحدة، وقال “توصلنا إلى اتفاق في شأن بعض القضايا، وهناك خلافات على أخرى”. وقال “اليوم كان من أكثر جولات التفاوض جدية وطولاً، إذ عقدنا نحو أربع ساعات من المحادثات صباحاً ونحو ساعتين إضافيتين بعد الظهر”، وأكد عراقجي على منصة “إكس” أن “هذه الجولة من المفاوضات كانت الأكثر كثافة حتى الآن”.
وأشار وزير الخارجية الإيراني قائلاً في تصريحات للصحافيين، “خلال هذه الساعات الطويلة أحرزنا تقدماً جيداً، ودخلنا بجدية في عناصر اتفاق محتمل”.
وأضاف “تقرر عقد الجولة التالية من المفاوضات قريباً، في أقل من أسبوع”، مشيراً إلى أن الإيرانيين عبروا بوضوح عن مطلبهم رفع العقوبات، وهو ما أصرت واشنطن طويلاً على أنه لن يتحقق إلا بعد تقديم طهران تنازلات كبيرة.
وتابع “ثمة سلسلة من المهمات التي يتوجب على الطرفين القيام بها، بعض الوثائق التي يجب أن يتم تحضيرها، ومشاورات يجب أن تجرى في العواصم، وبعد ذلك سنعقد الاجتماع المقبل”.
وقال مسؤول إيراني رفيع المستوى لـ”رويترز” في وقت سابق الخميس إن الولايات المتحدة وإيران قد تتوصلان إلى إطار عمل لاتفاق نووي، إذا فصلت واشنطن بين “القضايا النووية وغير النووية”.
ولم يصدر بعد أي تعليق من فريق التفاوض الأميركي على نتائج المحادثات، لكن موقع “أكسيوس” نقل عن مسؤول أميركي رفيع المستوى قوله إن مفاوضات جنيف كانت “إيجابية”.
وكان البوسعيدي أكد قبل ذلك “تحقيق تقدم مهم في المفاوضات بين الولايات المتحدة وإيران، سنستأنف قريباً بعد تشاور في العواصم المعنية”.
محادثات تقنية في فيينا
إضافة إلى الجولة المقبلة، التي ستكون الرابعة منذ استئناف المحادثات بوساطة مسقط مطلع فبراير، ستعقد في فيينا الأسبوع المقبل، محادثات تقنية بإشراف الوكالة الدولية للطاقة الذرية، بحسب ما أكد الوزيران الإيراني والعماني.
وقال عراقجي “قررنا أن الفرق التقنية ستبدأ الدراسات التقنية في الوكالة الدولية للطاقة الذرية في فيينا الإثنين، وبمساعدة خبراء من تلك المنظمة” التابعة للأمم المتحدة.
وكان المدير العام للوكالة رافايل غروسي شارك في جولة الخميس بصفة “مراقب تقني من شأنه أن يسهم في دفع المحادثات بقدر أكبر من الدقة والجدية”، وفق التلفزيون الإيراني.
وتؤكد واشنطن ضرورة أن يضمن أي اتفاق محتمل منع إيران من امتلاك سلاح نووي، وهو هاجس غربي يغذي منذ زمن الخلاف مع طهران. وتنفي الأخيرة على الدوام أنها تسعى إلى تطوير سلاح ذري، مع تمسكها بحقها في برنامج نووي لأغراض سلمية، كما تريد واشنطن تقييد طهران في مجال الصواريخ الباليستية والنفوذ الإقليمي، وهو ما ترفض إيران البحث فيه.
وذكرت صحيفة “وول ستريت جورنال” الخميس أن فريق التفاوض الأميركي سيطالب إيران بتفكيك مواقعها النووية الرئيسة الثلاثة، وتسليم مخزونها من اليورانيوم المخصب إلى واشنطن.
وبموازاة استمرار الحشد العسكري الأميركي، قال ترمب الثلاثاء إنه يفضل حل الخلاف بالطرق الدبلوماسية، لكنه اتهم طهران بمواصلة طموحاتها النووية، وتطوير صواريخ قادرة على بلوغ أوروبا وحتى الولايات المتحدة.
ورداً على اتهام ترمب طهران في الملف النووي، أكد الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان الخميس أن “مرشدنا الأعلى (علي خامنئي) أعلن من قبل أننا لن نملك إطلاقاً أسلحة نووية”، في إشارة إلى فتوى أصدرها قبل عقود.
مدى الصواريخ
تشكل مسألة الصواريخ الباليستية موضوعاً خلافياً آخر بين الجانبين، إذا تريد واشنطن إدراج برنامج إيران في هذا المجال في الاتفاق، لكن طهران أكدت أن النقاش سيقتصر على النووي.
وعشية جولة الخميس، حذر وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو من أن رفض إيران التفاوض في شأن برنامجها الصاروخي يمثل “مشكلة كبيرة جداً”.
وكان ترمب قال في خطاب “حال الاتحاد” إن الإيرانيين “صمموا بالفعل صواريخ يمكنها تهديد أوروبا وقواعدنا (العسكرية) في الخارج، وهم يعملون على بناء صواريخ ستكون قريباً قادرة على الوصول إلى الولايات المتحدة”.
وأعاد هذا الخطاب للأذهان محطة بارزة في الحياة السياسية الأميركية، حين عرض الرئيس السابق جورج دبليو بوش مبرراته لغزو العراق عام 2003، ووصف المتحدث باسم الخارجية الإيرانية إسماعيل بقائي ادعاءات ترمب بأنها “أكاذيب كبرى”.
وتشدد طهران على أن أقصى مدى لصواريخها هو 2000 كيلومتر، ويمكن لها أن تطاول إسرائيل وبعض الأنحاء الشرقية من أوروبا. وعلى رغم التباينات، كان عراقجي أكد قبل المحادثات توفر فرصة تاريخية لإبرام “اتفاق غير مسبوق”.
وسبق لإيران أن أبرمت اتفاقاً مع القوى الكبرى عام 2015 أتاح تقييد برنامجها النووي لقاء رفع عقوبات عنها، لكن مفاعيله باتت لاغية منذ سحب ترمب واشنطن منه في 2018 خلال ولايته الأولى.
واستأنفت الولايات المتحدة وإيران المفاوضات في وقت سابق هذا الشهر، بعدما أطاحت بالمحادثات السابقة الحرب التي أطلقتها إسرائيل في يونيو (حزيران) ودامت 12 يوماً، وأسهمت فيها واشنطن بقصف مواقع نووية.
فانس يستبعد فكرة حرب طويلة
من جانبه، قال نائب الرئيس الأميركي جي دي فانس الخميس إنه من غير الوارد أن تؤدي ضربة على إيران، وهي خطوة يدرسها ترمب، إلى حرب طويلة الأمد في المنطقة، وفق مقابلة أجراها مع صحيفة “واشنطن بوست”.
وقال فانس “فكرة أننا سنخوض حرباً في الشرق الأوسط لسنوات من دون نهاية في الأفق غير واردة بتاتاً”، رافضاً الانتقادات التي تفيد بأن واشنطن قد تغرق في مستنقع عسكري في المنطقة المضطربة إذا أمر ترمب بشن ضربات جوية.
وأضاف فانس، وهو جندي سابق في مشاة البحرية الأميركية خدم في حرب العراق، “أعتقد أننا جميعناً نفضل الخيار الدبلوماسي، لكن الأمر يعتمد حقاً على ما يفعله الإيرانيون وما يقولونه”.
وجاءت تصريحات فانس بينما أفاد مسؤول أميركي بأن ترمب اطلع على خيارات عسكرية ضد إيران، وفقاً لشبكة “أيه بي سي”، ونقل المسؤول عن مصادر أميركية أن عملية مشتركة مع إسرائيل ضد إيران خيار لا يزال ممكناً.
وذكرت قناة “إم.إس.ناو” أن وزير الخارجية العماني من المقرر أن يلتقي بنائب الرئيس الأميركي ومسؤولين آخرين في واشنطن اليوم الجمعة، لإجراء محادثات في محاولة لتجنب الحرب مع إيران.
اندبندنت عربية