
ليس قليلاً ما شهدته المنطقة منذ “طوفان الأقصى” في تشرين الأول/أكتوبر 2023. لقد انهار اثنين من أطول أنماط التعايش الجيوسياسي في المنطقة، بين إيران والولايات المتحدة، من جهة، وبين إيران وإسرائيل، من جهة أخرى. خلف هذان الانهياران تغييرات غير مسبوقة في المشهد الإقليمي، وفي الصدارة منه المسألة الكردية.
مثّل نظام الأسد الحلقة الأضعف في المساكنة بين إيران والولايات المتحدة. لذلك، تداعى بشكل مفاجئ تحت ضربات “ردع العدوان”.
أدى انهيار نظام الأسد، إلى حدوث تحول في المسألة الكردية، وتغيير موازين القوى بين الأطراف الكردية. احتضن نظام الأسد وإيران والاتحاد السوفيتي “حزب العمال الكردستاني” وقدموا له دعماً حيوياً مكّنه من التحول إلى قوة أساسية في المسألة الكردية على المستوى الإقليمي، وعامل أمني في شمالي العراق وسوريا وجنوب شرق تركيا.
وفرّ الحزب لهذه الأطراف الثلاثة أداةً عمليةً ضد تركيا. بالنسبة لنظام الأسد، شكّل “العمال الكردستاني” ورقة ضغط على الأتراك لتليين مواقفهم فيما يتعلق بحصص مياه نهري العاصي والفرات. والأهم أن احتضان الحزب أدى إلى تطوير قنوات التعاون الأمني مع قوى أوروبية مهتمة بإبقاء أنقرة تحت الضغط كاليونان وفرنسا. وجد الإيرانيون في “العمال الكردستاني”، حليفاً يساعدهم على التغلغل في الساحة الكردية، ويمنع في الوقت نفسه التغلغل التركي نحو مدينة الموصل، خصوصاً ما بعد حرب الخليج الثانية عام 1991. أما الاتحاد السوفياتي، فقد كان الداعم الأكبر لـ”العمال الكردستاني”، والمنهل الذي استقى منه قادة الحزب أيديولوجيتهم. وكما بات معلوماً، تدرب كبار قادة الحزب في معسكرات تديرها المخابرات السوفياتية، الإيرانية والسورية في منطقة البقاع اللبنانية.
جاء الغزو الأميركي للعراق واندلاع الثورة السورية، ليزيدان من أهمية الحزب بالنسبة لدمشق وطهران وبغداد وموسكو. بعد سقوط نظام الرئيس صدام حسين، رعت طهران العملية السياسية في بغداد، واستحوذت لنفسها على مهمة توفير الأمن للنظام الحاكم. لضمان مكانتها السامية في العراق، واستمرار هيمنة حلفائها على العملية السياسية، كان لا بد لإيران من السيطرة على إقليم كردستان العراق. في هذا السياق، وضعت إيران سياسة من شعبتين، استهدفت أولهما ضبط “الحزب الديمقراطي الكردستاني” بقيادة مسعود البرازني، الداعي إلى توسيع نطاق الحكم الفيدرالي في الإقليم، بينما سعت الثانية إلى التصدي للتمدد التركي باتجاه مدينة الموصل، التي شهدت حالة من الفراغ جراء انهيار نظام صدام.
وجدت طهران في “العمال الكردستاني” أداتها الأكثر فعالية لتحقيق هذين الهدفين. تدفق الدعم الإيراني على “العمال الكردستاني” في جبال قنديل ومخمور. في سوريا، كررت طهران ذات الاستراتيجية لمواجهة الثورة. من أجل ضمان استدامة نظام الأسد ونفوذها عليه، دعمت إيران تأسيس “وحدات حماية الشعب” الكردية التابعة لجناح “العمال الكردستاني” السوري: “حزب الاتحاد الديمقراطي” (بيدا). سلّم نظام الأسد مدعوماً من الإيرانيين، عناصر “حماية الشعب الكردية” السيطرة على مناطق واسعة من الشمال السوري، من أجل دفع الأتراك إلى إعادة النظر في دعمهم للثورة السورية. لم يفتُر الدعم الإيراني للحزب، حتى خلال حقبة الحرب على تنظيم “داعش”، والتي شهدت انخراط منظومة “العمال الكردستاني” في كل من سوريا والعراق، بالقتال الدائر ضد التنظيم تحت مظلة التحالف الدولي الذي تقوده الولايات المتحدة. باتت طهران، ومعها عواصم أوروبية، ترى في صعود “العمال الكردستاني” أداة لاختراق الهلال الخصيب بممر جديد ينطلق من السليمانية في أقصى غرب العراق مروراً بقنديل ومخمور وسنجار إلى شمال شرق سوريا وحلب وصولاً إلى البحر الأبيض المتوسط، أسوةً بالكريدور الشيعي بين طهران وضاحية بيروت الجنوبية.
أدرك زعيم “حزب العمال الكردستاني” عبد الله أوجلان، المسجون في تركيا، مبكراً أن تداعيات “طوفان الأقصى” قد تكتب فصل النهاية للهيمنة الإيرانية على الهلال الخصيب. قاد أوجلان مبادرة مع الدولة التركية من أجل تقليص المخاطر على “العمال الكردستاني”، التي لاحت مع تخبط الإيرانيين في التعامل مع الحروب التي فجّرها “طوفان الأقصى”، إلا أن قادة قنديل ظلوا يعيشون في الماضي. انهيار نظام الأسد بشكل لا رجعةً فيه، مثل نهاية مأساوية لاستراتيجية الإيرانية على الساحة الكردية، المتمركزة حول دعم ورعاية منظومة “العمال الكردستاني” في كل من العراق وسوريا وتركيا.
بخروج بشار الأسد من المعادلة، لم تخسر إيران محورها الشيعي فحسب، بل انهارت أحلام إقامة المحور الكردي أيضاً. فقد “العمال الكردستاني” راعيه التاريخي: نظام الأسد، ولم يعد بإمكانه الاستناد إلى العمود السوري لمنظومة الدعم الإيرانية، حيث انحسر نفوذ طهران في الهلال الخصيب إلى جيبين معزولين ومحاصرين في جنوبي العراق وجنوب لبنان. كما لم يعد من المتصور أن تهرع روسيا إلى دعم الحزب، وهي التي فقدت قاعدتها السورية وخسرت العامود الفقري لوجودها في بلاد الشام: الجيش وأجهزة الأمن السابقة، وأصبح وجودها على الساحل السوري معلقاً على حسن نوايا الإدارة السورية الجديدة وأنقرة.
بعيداً عن الإطناب، انفردت الولايات المتحدة ومعها تركيا بالساحة الكردية في الشرق الأوسط، بما في ذلك داخل العراق وسوريا، وربما إيران. وفي ضوء الانهيار التاريخي لمعاهدة سايكس بيكو، بعودة النفوذ التركي إلى قلب الشام: دمشق، والتي لم تكن لتتجسد على أرض الواقع لولا هزيمة الدولة العثمانية في الحرب العالمية الأولى أمام بريطانيا وفرنسا، وانسحاب قواتها من بر الشام، خرجت أنقرة منتصرة من صراع استمر لأكثر من أربعين عاماً، لتغدو القوة الإقليمية المتحكمة بالقضية الكردية.
كان لهذا الأمر أن يكون وقعه سيئاً على “العمال الكردستاني”، الذي شاهد الدور التركي يتعاظم في الهلال الخصيب، حيث تلعب أنقرة دور عراب الحكم الجديد في سوريا، إلا أن الأسوأ لم يأتِ بعد. قررت واشنطن إنهاء تحالفها مع “قوات سورية الديمقراطية” (قسد)، المدعومة من قادة “العمال الكردستاني” في قنديل، لتتحالف مع قوات الحكومة السورية الجديدة. ذهبت إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب خطوة أبعد، إذ عقدت تحالفاً مع تركيا لملء الفراغ الذي أحدثته هزيمة إيران وأذرعها في المنطقة، وإعادة ترتيب الهلال الخصيب في عالم ما بعد سايكس بيكو، والهيمنة الإيرانية. كان من الطبيعي أن يقدم الجانبان قرابين لتحالف من هذا النوع. حرم الاتفاق الأميركي-التركي حزب “العمال الكردستاني” من أقوى الأوراق المتبقية بين يديها، ألا وهي: دعم الدول الأوروبية التي لا قبل لها على مواجهة هذا الاتفاق.
مطلع العام الحالي، ذاق حزب “العمال الكردستاني”، مرارة التخلي الأميركي عن “قسد”، بينما قوات الحكومة السورية المدعومة من تركيا والسعودية تخترق نهر الفرات الذي ساد اعتقاد بين قادة “قسد” أنه بمثابة ستاراً حديدياً يفصل شرق سوريا عن غربيها.
وافق قادة قنديل على خروج كبار قادة الحزب وكوارده من المناطق ذات الأغلبية الكردية شمالي سوريا، وبذلك أصبحت خسارة قاعدتهم السورية التي سبق وحولتهم إلى اللاعب الأول على الساحة الكردية، قاب قوسين أو أدنى. مع التراجع السريع في سيطرة “قسد” إلى مناطق محصورة بين تركيا من جهة وقوات الحكومة السورية من جهة أخرى، فضلاً عن كونها مناطق معزولة عن بعضها البعض ومقطوعة الاتصال بمعاقل “العمال الكردستاني” في قنديل ومخمور، تحولت كامل منظومة الحزب إلى موقف دفاعي لا تُحسد عليه، بينما انتقلت المبادرة إلى يد أنقرة التي لم تخفِ نواياه في نقل المواجهة إلى العراق بعد سوريا.
اختارت واشنطن وأنقرة “الحزب الديمقراطي الكردستاني” لملء الفراغ الذي خلّفه انحسار نفوذ “العمال الكردستاني” في سوريا والعراق. هكذا، برز مسعود بارزاني من جديد، بينما خبا نجم قادة قنديل وحلفائهم في “قسد” والذين تصدروا المشهد السياسي العسكري الكردي. حتى “الاتحاد الوطني الكردستاني”، بقيادة بافل طالباني، الحليف القديم لإيران ولـ”العمال الكردستاني”، والمنافس التاريخي لـ”الحزب الديمقراطي الكردستاني”، بدا كأنه يتلمّس طريقه نحو التكيف مع حقائق القوة الجديدة في شمالي العراق، والتي تُظهر أن الأميركيين والأتراك هم أسياد اللعبة.
باقتراب يوم الحساب التركي مع قادة قنديل، يجد هؤلاء أنفسهم أمام معضلة شائكة؛ إذ أنهم في موقف دفاعي بينما مواقعهم في سوريا والعراق مكشوفة عسكرياً، ويعانون من عزلة حيث ينشغل حلفاؤهم السابقون في إيران والفصائل العراقية الولائية وتلك التابعة لـ”الحشد الشعبي”، بالتعامل مع الحشود العسكرية الأميركية في المنطقة، على حين أصبح مشروع الإدارة الذاتية في سوريا تحت رحمة دمشق المسنودة بالأتراك. ومما يزيد في حدة المعضلة بالنسبة إليهم، أن أنقرة تتلاعب بميزان القوى داخل الحزب نفسه عبر انفتاحها المدروس على أوجلان، في الوقت الذي بات لبارازني اليد العليا عليهم سواء داخل إقليم كردستان العراق أو في شمال سوريا.
إذن، لم يعد لدى قادة “العمال الكردستاني” في قنديل، القدرة على تشكيل الساحة الكردية، أو قيادة عامة الكرد في الهلال الخصيب، وذلك بينما تخلخل البنيان الذي شيدوه بعزيمة ودأب خلال العقود الثلاثة الماضية، ولا يزال يواجه تحديات عاتية قد تؤدي إلى انهياره بالكامل. أمام هذا الواقع، لا يزال الغموض يلف الطريق التي سيسلكها قادة قنديل في المستقبل القريب، وما إذا كان في ذهنهم التخلي عن تحالفاتهم القديمة من أجل عقد تفاهم جديد مع واشنطن من المرجح أن يكون على حساب طهران.