أنقرة- يدخل مسار السلام الكردي–التركي مرحلة تشريعية حاسمة، في تطور قد يشكل نقطة تحول تاريخية في أحد أطول النزاعات المسلحة في المنطقة.
ودعا زعيم حزب العمال الكردستاني المسجون عبد الله أوجلان إلى سنّ “قوانين سلام” تتيح الانتقال إلى “الاندماج الديمقراطي” داخل تركيا، مؤكداً أن الحل يتطلب إطاراً قانونياً ذا أبعاد سياسية واجتماعية واقتصادية وثقافية.
وجاءت هذه الدعوة بعد عام تقريباً من إعلانه أن على حزب العمال الكردستاني إنهاء تمرده المستمر منذ عام 1984 وحلّ نفسه، وهي خطوة أعادت إحياء الآمال بإغلاق صفحة صراع أودى بحياة أكثر من 40 ألف شخص، وترك ندوباً عميقة في المجتمع التركي، لا سيما في جنوب شرق البلاد ذي الأغلبية الكردية.
ويمثل التحول الحالي انتقالاً من منطق المواجهة المسلحة إلى منطق السياسة والتشريع.
وفي مايو 2025 أعلن حزب العمال الكردستاني إنهاء التمرد، وأتبع ذلك بخطوات رمزية، من بينها إحراق بعض الأسلحة في احتفال علني خلال يوليو، قبل أن يعلن لاحقاً انسحابه من الأراضي التركية. غير أن إنهاء العمل المسلح لا يعني تلقائياً اكتمال عملية السلام، إذ إن السؤال الجوهري يتمثل في كيفية ترجمة هذا التحول إلى ترتيبات قانونية ومؤسساتية تضمن استدامته.
وهنا تبرز أهمية خريطة الطريق التي أقرتها لجنة برلمانية تركية الأسبوع الماضي، والتي تدعو إلى إصلاحات قانونية متزامنة مع نزع السلاح.
ويمكن قراءة دعوة أوجلان بوصفها تأييداً مباشراً لهذه الخريطة، بل وإضفاء شرعية سياسية عليها داخل القاعدة الاجتماعية الكردية. فالرجل، رغم سجنه منذ عام 1999، لا يزال يمثل مرجعية رمزية للحركة الكردية، وكلماته تحمل ثقلاً في تحديد اتجاهاتها.
وعندما يتحدث عن “الاندماج الديمقراطي” بوصفه الهدف النهائي، فإنه يبتعد عن خطاب الانفصال أو الدولة المستقلة، ويؤكد التحول نحو السعي إلى ضمان حقوق الأكراد ضمن إطار الدولة التركية.
ويعكس هذا التحول في الخطاب تطوراً تدريجياً في أهداف الحركة، التي كانت قد عدلت سابقاً طموحاتها من إقامة دولة مستقلة إلى المطالبة بحكم ذاتي أوسع واعتراف أكبر بالحقوق الثقافية والسياسية.
ومن الناحية السياسية، تدخل العملية الآن اختباراً حقيقياً داخل البرلمان التركي. فالإصلاحات المطلوبة ليست تقنية فحسب، بل تمس قضايا حساسة مثل تعريف الإرهاب، واللامركزية الإدارية، وحقوق اللغة والثقافة، وإعادة دمج المقاتلين السابقين في المجتمع.
كما قد تتطلب مراجعة سياسات أمنية طُبقت على مدى عقود في مناطق جنوب شرق تركيا.
ويعني ذلك أن المسار التشريعي سيكون ساحة سجال سياسي داخلي، تتقاطع فيه اعتبارات الأمن القومي مع مطالب المصالحة والانفتاح الديمقراطي.
دعوة عبد الله أوجلان إلى سنّ قوانين سلام تمثل اعترافاً بأن إنهاء الصراع يتطلب أكثر من إعلان سياسي أو خطوة رمزية؛ إنه يتطلب إعادة صياغة العلاقة بين الدولة ومواطنيها الأكراد ضمن إطار دستوري وتشريعي واضح.
وتتجلى أهمية هذه المرحلة في أنها تنقل مركز الثقل من الجبال والمناطق الحدودية إلى قاعات البرلمان.
وفي المراحل السابقة، كانت عملية السلام – حين وُجدت – تعتمد على تفاهمات سرية أو ترتيبات أمنية مؤقتة.
وأما اليوم، فإن الحديث يدور عن قوانين مكتوبة ومؤسسات قائمة، ما يضفي طابعاً رسمياً ومستداماً على أي اتفاق محتمل. غير أن هذا التحول يزيد أيضاً من تعقيد العملية، لأن التشريع يتطلب توافقاً سياسياً أوسع، وقد يواجه معارضة من أطراف ترى في التنازلات القانونية تهديداً لوحدة الدولة أو مكسباً غير مبرر لحركة مصنفة إرهابية من قبل تركيا والولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي.
وفي المقابل، يضغط حزب المساواة والديمقراطية للشعوب المؤيد للأكراد باتجاه خطوات ملموسة، مشدداً على ضرورة معالجة ملفات الحريات الدينية واللغوية والثقافية.
ويرى الحزب أن إنهاء التمرد يجب أن يترافق مع إجراءات تعزز الثقة، مثل توسيع مساحة العمل السياسي الكردي، وضمان حرية التعبير، وإعادة النظر في بعض الأحكام القضائية.
وتضع هذه المطالب الحكومة أمام معادلة دقيقة: فالتأخر في الإصلاح قد يبدد الثقة، لكن التسريع فيه قد يثير اعتراضات داخلية من قوى قومية.
ويتمثل التحدي الأكبر في بناء الثقة المتبادلة. فالتاريخ القريب حافل بمحاولات سلام انهارت بسبب غياب الضمانات أو تبدل الظروف السياسية.
ولذلك، فإن نجاح المرحلة الحالية يتطلب خطوات تدريجية، تخلق ديناميكية إيجابية وتمنع عودة الشكوك. وقد يكون من بين الخيارات المطروحة تشكيل لجان متابعة مشتركة، أو اعتماد آليات رقابة برلمانية تضمن تنفيذ الالتزامات من الجانبين.
واقتصادياً، يحمل إنهاء الصراع المحتمل فوائد كبيرة لجنوب شرق تركيا، الذي عانى طويلاً من ضعف التنمية مقارنة بمناطق أخرى. فالاستقرار الأمني يمكن أن يفتح المجال أمام استثمارات جديدة، وتحسين البنية التحتية، وخلق فرص عمل، ما يعزز الاندماج الاقتصادي والاجتماعي.
وفي هذا السياق، تبدو عبارة أوجلان عن الإطار “السياسي والاجتماعي والاقتصادي والثقافي” إشارة إلى أن السلام ليس مجرد اتفاق أمني، بل عملية إعادة بناء شاملة.
وإقليمياً، قد يكون لإنهاء الصراع انعكاسات أوسع. فالقضية الكردية تتداخل مع ملفات العراق وسوريا، حيث توجد قوى كردية فاعلة. واستقرار الداخل التركي قد ينعكس إيجاباً على توازنات المنطقة، ويقلل من التوترات العابرة للحدود. كما أن نجاح تجربة تشريعية سلمية في معالجة نزاع مزمن قد يعزز صورة تركيا كدولة قادرة على إدارة تنوعها الداخلي عبر الأدوات الديمقراطية.
ومع ذلك، لا تخلو الصورة من مخاطر. فالغموض الذي يكتنف تفاصيل التنفيذ قد يعرقل الزخم الحالي. كما أن أي حادث أمني أو تصعيد سياسي قد يُستخدم لتقويض العملية.
ولذلك، فإن المرحلة المقبلة ستكون حاسمة في اختبار مدى جدية الأطراف واستعدادها لتقديم تنازلات متبادلة.
ويقف المسار الكردي–التركي أمام فرصة تاريخية للانتقال من منطق السلاح إلى منطق القانون. ودعوة عبد الله أوجلان إلى سنّ “قوانين سلام” تمثل اعترافاً بأن إنهاء الصراع يتطلب أكثر من إعلان سياسي أو خطوة رمزية؛ إنه يتطلب إعادة صياغة العلاقة بين الدولة ومواطنيها الأكراد ضمن إطار دستوري وتشريعي واضح.
وإذا نجحت هذه المرحلة، فقد تؤسس لحقبة جديدة من الاستقرار السياسي والاجتماعي، وتطوي صفحة أربعة عقود من النزاع.
وأما إذا تعثرت، فإن خيبة الأمل قد تكون عميقة، وتعيد إلى الواجهة شكوكاً قديمة. وبين هذين الاحتمالين، يبقى البرلمان التركي ساحة الحسم، حيث سيتحدد ما إذا كانت خريطة الطريق ستتحول إلى واقع قانوني يكرّس المصالحة، أم تبقى مجرد فرصة ضائعة في تاريخ الصراع.
العرب اللندنية