
الكليبتوقراطية والأيديولوجيا في ظل حكم ترمب متداخلتان على نحو وثيق (إيللي فورمان-بيك/فورين أفيرز)
ملخص
حولت إدارة دونالد ترمب السياسة الخارجية الأميركية من إطار مؤسسي يخدم المصلحة الوطنية إلى أداة كليبتوقراطية تمزج بين المنافع الشخصية والصفقات الدولية، وتفكك آليات الرقابة ومكافحة الفساد، مما يغذي الفساد داخلياً وخارجياً ويهدد استدامة الديمقراطية الأميركية وحلفاءها الأوروبيين على حد سواء.
كثيراً ما واجه المحللون صعوبة في تحديد طبيعة السياسة الخارجية التي ينتهجها الرئيس الأميركي دونالد ترمب، ولأن ترمب يرفض بصورة قاطعة النزعات والأفكار الليبرالية الدولية، فقد ربطه كثيرون بنوع من أنواع الواقعية، يعتبر أن المصلحة الوطنية لا تقاس إلا بمقدار ما تملكه الدولة من قوة. خلال ولايته الأولى، وبعد أن أشارت استراتيجيته للأمن القومي لعام 2017 إلى “تنافس القوى العظمى”، تعامل مجتمع السياسة الخارجية مع هذه العبارة بوصفها المفتاح الذي يمكن من خلاله تبرير تحركاته. وفي الآونة الأخيرة، ادعى كثيرون، على النقيض من ذلك، أن ترمب يفضل بوضوح عالماً تتواطأ فيه القوى العظمى لتقسيم العالم إلى مناطق نفوذ، وعلى رغم تعدد التحليلات طوال تلك الفترة، ظل التفسير الوحيد الثابت هو أن ترمب يتبنى نهجاً “صفقاتياً” في السياسة الدولية، جاعلاً من “فن المساومة وعقد الصفقات” أساس استراتيجيته الكبرى.
لكن هذه التقييمات جميعها مبنية على خطأ في التصنيف، فهي تنطلق من فرضية أن الهدف الأساس لإدارة ترمب هو، وفق ما تؤكده استراتيجيتها للأمن القومي لعام 2025، تعزيز “المصالح الوطنية الجوهرية” للولايات المتحدة. في الواقع، تفترض النقاشات الأميركية حول السياسة الخارجية والأمن القومي والاستراتيجية الكبرى أن القادة يصوغون السياسات خدمة للصالح العام، حتى لو أساؤوا فهمه، لا لإثراء أنفسهم أو تضخيم مجدهم الشخصي. لهذا السبب، تجادل تحليلات متعددة في السياسة الخارجية بأن “الولايات المتحدة” أو “السلطة السياسية في واشنطن” يجب أن تتبنى سياسة معينة، فهي تفترض أن للولايات المتحدة مصالح تتجاوز الانقسام الحزبي، وأن المسؤولين يشغلون مناصبهم باعتبارها أمانة عامة.
إلا أن إدارة ترمب نسفت هذه الفرضية، ففي ولايته الثانية تحديداً استخدم ترمب السياسة الخارجية الأميركية بصورة أساسية لزيادة ثروته الشخصية، وتعزيز مكانته، وتحقيق منافع شخصية لدائرة ضيقة من أفراد عائلته وأصدقائه وأنصاره. وباتت السياسة الخارجية الأميركية اليوم خاضعة إلى حد كبير للمصالح الخاصة للرئيس وحاشيته، وقد تتوافق هذه المصالح أحياناً مع الصالح العام، ولكن في غالب الأحيان، تتذرع إدارة ترمب بالمصالح الوطنية الأميركية لصرف الانتباه عن سلوكها القائم على تحقيق منافع ذاتية، وذلك من خلال طمس الفرق بين مصالحها الخاصة ومصالح الشعب الأميركي.
وهناك تقارير إخبارية كثيرة عن كيفية إدرار صفقات ترمب الخارجية أرباحاً على مؤيديه، لا تزال تصور هذه الترتيبات على أنها مدفوعات وامتيازات ثانوية جانبية، لا بوصفها جوهر أسلوبه في إدارة الدولة. ولكن لو لم تكن السياسة الخارجية التي اعتمدتها الإدارة كليبتوقراطية بطبيعتها [أي أنها توظف السلطة للنهب وتحقيق منافع خاصة]، لما سعت بصورة منهجية إلى تقويض استقلالية، أو حتى تعطيل، المؤسسات التي كثيراً ما صاغت السياسة الخارجية الأميركية، بما في ذلك مجلس الأمن القومي ووزارة الخارجية ووزارة الدفاع، ومن شبه المؤكد أن هذا التفكيك المؤسسي سيضعف عملية صنع السياسة الأميركية لعقد من الزمن في الأقل. ولما اعتمدت على ممارسة يمكن تسميتها “تجميع الصفقات”، التي تدمج عمداً حل النزاعات والمساومات الاقتصادية والترتيبات التي تفيد مقربي ترمب، في صفقات ضخمة يصعب أو يستحيل التدقيق فيها، ولما فككت بصورة منهجية عقوداً من الجهود المشتركة بين الحزبين لمكافحة الفساد الدولي.
من السهل الانجذاب إلى فكرة أن تعاملات ترمب الفاسدة أقل خطورة من تبني إدارته لأيديولوجيا اليمين المتطرف، ففي نهاية المطاف يمتلك اليمين الرجعي رؤية للمصلحة الوطنية، وإن كانت رؤية فاشية ومدمرة. غير أن الكليبتوقراطية والأيديولوجيا في ظل ترمب متداخلتان على نحو وثيق، وهذا ما يجعل من الأرجح أن يستمر نمط الحكم الكليبتوقراطي في السياسات الداخلية والخارجية على حد سواء، حتى بعد مغادرته المنصب.
موجة عاتية مفاجئة
يرى عالما السياسة ستيفن هانسون وجيفري كوبستين أن الترمبية جزء من “موجة باتريمونيالية” عالمية [“موجة زبائنية شخصانية”، تشير إلى انتشار نمط من الحكم تدار فيه مؤسسات الدولة عبر شبكات الولاء الشخصي للحاكم بحيث تستخدم المناصب والموارد العامة لخدمة سلطته ومكافأة أنصاره]، اجتاحت أيضاً دولاً مثل المجر وإسرائيل وروسيا وتركيا. في جميع هذه الدول، وإن بدرجات متفاوتة من النجاح، سعى القادة إلى إعادة تشكيل دول حديثة وبيروقراطية، وغالباً ديمقراطية، بحيث تصبح امتداداً لسلطتهم الشخصية أو لسلطة أحزابهم السياسية. وتحافظ هذه الأنظمة “النيوباتريمونيالية” على مظهر الإجراءات المحايدة ومظاهر البيروقراطية المهنية، لكن قادتها يعينون أتباعاً مخلصين في مناصب سياسية متخصصة، ويقوضون استقلالية الخدمة المدنية، ويعيدون توجيه أجهزة الإدارة لمكافأة المؤيدين ومعاقبة الخصوم.
في النظام النيوباتريمونيالي، يمكن أن يكون الفساد وسيلة لتحقيق غاية، وطريقة للحفاظ على الولاء وبناء التحالفات وترسيخ السلطة، لكن نزعة ترمب ليست باتريمونيالية فحسب، بل هي كليبتوقراطية. ففي الأنظمة الكليبتوقراطية يكون الفساد هو الغاية، إذ يصبح الهدف من تولي المنصب والاحتفاظ به هو إثراء الحاكم ودائرته المقربة. وتتحول أدوات مثل التنظيم، وإنفاذ القانون، والمشتريات العامة، وحتى الدبلوماسية، إلى وسائل لتحقيق منافع ذاتية، من خلال انتزاع الموارد، والسيطرة على تدفقات الدخل، وتحويل الثروة إلى العائلة والأصدقاء والحلفاء.
والتاريخ السياسي الأميركي حافل بأمثلة على الفساد، لكن الولايات المتحدة شيدت بمرور الوقت حصانات قوية ضد الكليبتوقراطية الصريحة، لا سيما على المستوى الوطني، بما في ذلك المحاكم المستقلة والرقابة التشريعية. وقد حد قانون بندلتون التاريخي لعام 1883 من نظام الغنائم من خلال إرساء خدمة مدنية قائمة على الجدارة. ومع مرور الزمن، أسهمت إصلاحات إضافية، مثل القواعد الصارمة للمشتريات الحكومية، ومتطلبات الإفصاح المالي، وإنشاء منصب المفتشين العامين، إلى تقليص فرص الاختلاس والرشوة بصورة أكبر.
يريد ترمب تعطيل جهاز السياسة الخارجية للحكومة
وفي الواقع، لم تنشئ الولايات المتحدة جهازاً حديثاً وموحداً للسلك الدبلوماسي إلا عام 1924، عندما اشترطت على المتقدمين اجتياز امتحان شامل، ومع مرور الوقت وسع هذا الجهاز المحترف بنيته التحتية لتدريب الضباط على اللغات الأجنبية والمسائل الفنية. ومع نقل كبار المسؤولين معارفهم وخبراتهم إلى الأصغر سناً، راكمت الولايات المتحدة رأسمالاً دبلوماسياً لا يضاهى.
ومع ذلك، ظلت الولايات المتحدة حالة استثنائية بين الديمقراطيات الراسخة الأخرى: فقد دأب الرؤساء الأميركيون على تعيين متبرعين سياسيين أثرياء في مناصب السفراء، وملء مزيد من المناصب القيادية بمعينين سياسيين. ومع ذلك، وعلى مدى عقود سبقت الولاية الثانية لترمب، اعتمدت واشنطن على جهاز مؤسسي إلى حد كبير في السياسة الخارجية، سعياً إلى ضمان أن تمثل استراتيجية الولايات المتحدة في الخارج المصالح الوطنية. وعلى رغم أن الرئيس كان يتمتع بهامش واسع لتعريف تلك المصالح، فإنه لم يكن قادراً على فرضها ببساطة. وقد تجاوز الرؤساء حدود سلطتهم، بطبيعة الحال، لكن مشرعين من الحزبين الجمهوري والديمقراطي اعتبروا من واجبهم حماية صلاحيات الكونغرس من تغول رئاسة ذات طابع إمبراطوري.
كانت السياسة الخارجية تصاغ على يد مجموعة متنوعة من الوكالات البيروقراطية، مثل وزارة الخارجية، ووزارة الدفاع، ووكالة الاستخبارات المركزية، والإدارة الوطنية للأمن النووي. وكانت هذه الوكالات تضم أساساً موظفين مدنيين محترفين وعسكريين. واستندت القرارات الصادرة عن الوكالات إلى خبرة مسؤولين محترفين متخصصين في قضايا أو دول أو مناطق محددة. وكان الخبراء يتناقشون ضمن نظام ينسقه مجلس الأمن القومي. وعلى رغم أن هذا الترتيب كان يبدو بطيئاً ومعقداً أحياناً، فإنه كان يتمتع بمزايا عدة، منها الحفاظ على استمرارية السياسات بين الإدارات المتعاقبة، بما يسمح للولايات المتحدة بالالتزام بصورة موثوقة بمعاهدات طويلة الأجل. كما مكن هذا النظام موظفين مدنيين غير حزبيين من إثارة مخاوف في شأن ما إذا كانت الاتفاقات المقترحة تخدم الصالح العام، أو طرح أسئلة حول جدواها أو قانونيتها، أو الإبلاغ عن سلوك غير أخلاقي
يزعم مسؤولو إدارة ترمب أنهم يسعون إلى استئصال “الدولة العميقة” العازمة على تخريب مبادرات الرئيس السياسية، لكن في الحقيقة تريد الإدارة أكثر من مجرد طاقم مطيع، إنها تريد تعطيل جهاز السياسة الخارجية للحكومة بالكامل. وقد تجلى ذلك بأوضح صورة في التفكيك الكامل للوكالة الأميركية للتنمية الدولية، التي ظلت لعقود تشرف على برامج المساعدات الخارجية لواشنطن وتديرها، إلا أن الجهود كانت أوسع نطاقاً. ففي عام 2025، جرى تسريح أكثر من 1350 موظفاً وضابطاً من ذوي الخبرة في وزارة الخارجية بحجة مكافحة التضخم الوظيفي. كما قلصت الإدارة مجلس الأمن القومي بصورة أكثر حدة، فقد منحت وزير الخارجية ماركو روبيو السيطرة على المؤسسة بدلاً من تركها تعمل بصورة مستقلة. وفي يوليو (تموز) الماضي، أفادت مجلة بوليتيكو أن “أقل من 100 شخص” يعملون في مجلس الأمن القومي، بعد أن كان عددهم نحو 350 خلال فترة رئاسة جو بايدن، وأن المجلس يعقد عدداً أقل بكثير من الاجتماعات المشتركة بين الوكالات. في أواخر ديسمبر (كانون الأول) الماضي، أعلنت وزارة الخارجية استدعاء جماعي لسفراء الولايات المتحدة، وجميعهم من أعضاء السلك الدبلوماسي المحترفين، وقد صور هذا الإجراء زوراً على أنه إجراء اعتيادي.
الصفقات الملغومة
لقد أفسحت هذه التحركات المجال لسياسة خارجية يديرها عدد قليل من أصدقاء الرئيس وداعميه، ولنأخذ على سبيل المثال ستيف ويتكوف، كبير دبلوماسيي ترمب الفعلي. عادة ما يعين الرؤساء خبيراً مخضرماً في السياسة الخارجية أو سياسياً رفيع المستوى ليكون مبعوثهم الرئيس (عادة وزير الخارجية)، لكن ترمب اختار ويتكوف، وهو قطب عقارات من نيويورك لا يملك أية خبرة حكومية أو دبلوماسية. ما كان يملكه هو سنوات من الصداقة الشخصية مع ترمب، وبالنسبة إلى هذا الرئيس، كانت تلك مؤهلات كافية.
علاوة على ذلك، فإن مبعوثي ترمب الرئيسين الآخرين هم أيضاً من معارفه الشخصيين، فهو يرسل عادة صهره جاريد كوشنر في مهمات دبلوماسية. وعين مسعد بولس، والد زوج ابنته تيفاني، مستشاراً أول للشؤون العربية والأفريقية والشرق أوسطية في آن واحد، وكلفه بمهمة التوسط لتحقيق السلام بين جمهورية الكونغو الديمقراطية والمتمردين المدعومين من رواندا. ويمنح هؤلاء المبعوثون ألقاباً وتفويضات غامضة لا تستدعي متطلبات الإفصاح المالي التي تفرض عادة على كبار المسؤولين، وهي بيانات تكشف عن استثماراتهم الشخصية ومصالحهم التجارية وتضارب المصالح المحتمل. ومن دون مثل هذه الإفصاحات، يصبح من الصعب معرفة ما إذا كان الاتفاق الذي ساعد بولس في التوصل إليه في ديسمبر 2025، المتضمن اتفاق شراكة استراتيجية ثنائي بين واشنطن وكينشاسا يمنح الشركات الأميركية وصولاً تفضيلياً إلى المعادن الحيوية الكونغولية، قد خلق تضارباً في المصالح له أو لترمب أو لآخرين من المقربين والمطلعين داخل الإدارة. وقال بولس إن الاتفاق لن يكون “خاصاً أو سرياً بأية صور من الصور”. لكن في حفلة التوقيع، احتفى ترمب علناً بمكاسب محتملة واعداً بأن “الجميع سيجني أموالاً طائلة”.
وتشبه هذه الصفقات في طبيعتها ترتيبات بين أشخاص أكثر مما تشبه اتفاقات ملزمة بين دول ذات سيادة، وغالباً ما تكون متعمدة الغموض، إذ يصرح عن بعض جوانبها علناً بينما يكشف عن جوانب أخرى لاحقاً أو تحجب بالكامل. وهي أيضاً عادة ما تكون صفقات مجمعة، تضم مجموعة متنوعة من المطالب والاستثمارات والاتفاقات التجارية والمدفوعات الجانبية الخاصة واتفاقات الدفاع في حزمة واحدة.
بالطبع، كانت السياسة الخارجية دائماً قائمة على النهج الصفقاتي: فالدول تقدم تنازلات في مقابل الحصول على منافع، وقد سعى الرؤساء الأميركيون السابقون إلى الحصول على تعهدات استثمارية والتزامات اقتصادية إلى جانب الاتفاقات الدبلوماسية، لكن هذه الترتيبات كان يجري التفاوض عليها عبر قنوات مؤسسية راسخة تتضمن رقابة قانونية مدمجة وفصلاً واضحاً بين المصلحة الوطنية وشؤون المفاوضين التجارية الشخصية. أما في أسلوب ترمب المميز، فإن الترويج لأرقام إجمالية ضخمة بالدولار يطغى على التدقيق في التفاصيل، كما أن ممارسة دمج أنواع مختلفة من الصفقات بدلاً من الإفصاح عنها بصورة منفصلة تجعل من الأصعب معرفة ما إذا كان أي منها قد أبرم بعد العرض على أحد المقربين من ترمب حصة من الأرباح. ويصف مسؤولون في إدارة ترمب جميع المكونات بأنها مكاسب غير متوقعة ستفيد العامل الأميركي، حتى في وقت توجه فيه الأرباح إلى حاشية من المقربين أو الشركات التي دعمت الرئيس. وقد صممت حزم الصفقات هذه ليس للسماح بالفساد فحسب، بل أيضاً لإخفائه بصورة منهجية.
صفقات ترمب لا تسهل الفساد فحسب، بل تعمل بصورة منهجية على إخفائه
إن نهج ترمب يحول تسوية النزاعات حتى إلى فرصة لانتزاع مكاسب ريعية، وتشير تقارير كثيرة في صحيفة “وول ستريت جورنال” إلى أن كلاً من ويتكوف وكوشنر، اللذين أسهما في قيادة المفاوضات في شأن الحرب في أوكرانيا، مهتمان بالفرص التجارية التي قد تنشأ عن صفقة أميركية كبرى مع روسيا، مثل الوصول إلى 300 مليار دولار من أصول البنك المركزي الروسي المجمدة لتمويل مشاريع أميركية روسية مشتركة في استكشاف الفضاء، وصفقات المعادن في القطب الشمالي، وتطوير الطاقة.
وحتى لو لم يكن كوشنر أو ويتكوف يمزجان عمداً بين أعمالهما الشخصية والمفاوضات التي قد تغير بصورة دائمة أسس الأمن الأميركي والأوروبي، فإن مجرد قيادتهما لهذه المفاوضات تخلق بيئة تسمح للحلفاء السياسيين بتحقيق مكاسب. فقد ضغط رجل الأعمال رونالد لودر، وهو صديق شخصي لترمب، على الرئيس الأميركي للاستحواذ على غرينلاند الدنماركية، وعرض، خلال ولاية ترمب الأولى، العمل كمبعوث سري إلى الدنمارك، وفقاً لمجلة “نيويوركر”. وفي ديسمبر الماضي، ذكرت صحيفة “بوليتيكن” الدنماركية أن لودر استثمر في شركة مياه معدنية في غرينلاند يشاركه ملكيتها مسؤول محلي. (لم يرد لودر على طلب للتعليق أرسلته إليه الصحيفة عبر وسطاء). وفي يناير الماضي، منحت أوكرانيا حقوق التعدين في أحد أكبر رواسب الليثيوم لديها إلى ائتلاف يضم لودر. وأشارت صحيفة “نيويورك تايمز” في تقرير عن الصفقة إلى أن “كييف، من خلال توثيق صلاتها بمستثمرين مرتبطين بترمب وإدارته، تسعى إلى تحسين موقعها لدى الزعيم الأميركي في اللحظة التي تطلب فيها دعمه في محادثات السلام مع روسيا” (ولم يستجب لودر أيضاً لطلب التعليق الذي وجهته إليه الصحيفة).
تفكيك مبرمج
أولئك الذين يفوق دعمهم لإدارة ترمب اشمئزازهم من الفساد العلني يجدون طرقاً لتبرير هجماتها على سيادة القانون، فينسجون حكايات عن شخصية بطولية متمردة على النظام القائم، محارب يقتلع فساد الدولة العميقة وموظفيها المدنيين الذين يعيشون على حساب الدولة، كما أن خطاب ترمب نفسه يخدر الرأي العام: ففي شؤونه التجارية وحياته السياسية، اعتاد ترمب أن يساوي بين الالتزام بالقواعد و”التعرض للاستغلال”، معيداً تأطير الانتفاع الذاتي والتهرب الضريبي بوصفهما حنكة تفاوضية.
لكن النهج الكليبتوقراطي لفريق ترمب في السياسة الخارجية قد قوض في الواقع الجهود الأميركية الحاسمة، وإن كانت غير مكتملة، التي بذلتها واشنطن لمواجهة المشكلة المتفاقمة للفساد العالمي. فعلى مدى العقود الثلاثة الماضية، أدت السياسات المصممة لتحفيز النمو من خلال تسهيل حركة رؤوس الأموال إلى تمكين الكليبتوقراطيين والأوليغارشيين من غسل الأموال وإيداعها في ملاذات خارجية. ثم أصبحت تلك الثروة أداة للتأثير الأجنبي الخبيث في السياسات العامة والعمليات الانتخابية في الديمقراطيات الراسخة. وتشير تقارير عديدة إلى أن أموالاً روسية أسهمت في نجاح استفتاء خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي عام 2016، وهو ما قوض ازدهار المملكة المتحدة. وفي عام 2022، وجهت وزارة العدل الأميركية اتهامات إلى رجل الأعمال الروسي أندريه مورافييف بتحويل مليون دولار بصورة غير قانونية عن طريق وسطاء أميركيين للتأثير في انتخابات التجديد النصفي عام 2018.
وقد استدعت هذه التحديات استحداث أدوات مثل قانون ماغنيتسكي لعام 2012، الذي أجاز تجميد الأصول وحظر السفر على المسؤولين الأجانب المتهمين بصورة موثوقة بتورطهم في قضايا فساد واسعة النطاق. وخلال ولاية ترمب الأولى نفسها، جعلت واشنطن مكافحة الفساد جزءاً أساسياً من انتقاداتها لمبادرة “الحزام والطريق” الصينية. وعلى رغم معارضة ترمب، واصل الكونغرس جهوده لمكافحة الفساد بإقرار قانون “مكافحة أعداء أميركا من خلال العقوبات” لعام 2017 (الذي عزز قدرة واشنطن على استهداف المسؤولين الفاسدين في إيران وكوريا الشمالية وروسيا وفرض عقوبات عليهم) بغالبية ساحقة تمنع الفيتو الرئاسي. وفرض “قانون السياسات حول الحقوق الإنسانية للإيغور” لعام 2020 عقوبات على كيانات متورطة في انتهاكات حقوق الإنسان، وسمح بتجميد أصول المسؤولين الصينيين الخاضعين للعقوبات، كما أن “قانون شفافية الشركات” لعام 2021 ألزم الشركات الوهمية المجهولة بالكشف عن مالكيها المستفيدين الحقيقيين.
وقد جعلت إدارة بايدن مكافحة “الفساد الاستراتيجي” الذي تمارسه الصين وروسيا أولوية للأمن القومي، مستخدمة المصطلح الذي صاغه عام 2020 في صفحات “فورين أفيرز” مسؤولان سابقان في إدارة جورج دبليو بوش، هما إيريك إيدلمان وفيليب زيليكو، مع مؤلفين مشاركين آخرين. كما دعمت مبادرات بديلة مثل الممر الاقتصادي بين الهند والشرق الأوسط وأوروبا، الذي أكد إجراءات الشراء الموحدة وسعى إلى تجنب ديناميات فخ الديون المرتبطة بالإقراض الصيني للبنية التحتية. وفي مارس (آذار) 2022، بعد فترة وجيزة من الغزو الروسي لأوكرانيا، شكلت وزارة العدل الأميركية فرقة عمل مشتركة بين الوكالات تعرف باسم “كليبتو كابتشر” KleptoCapture لتعقب أصول الأوليغارشيين الروس في الولايات المتحدة ومصادرتها، كما نسقت الحكومة الأميركية جهوداً عالمية لتجميد أصولهم الدولية.
لكن في ولايته الثانية، بدل ترمب هذا المسار بصورة حاسمة، ففي فبراير (شباط) 2025، أوقفت الإدارة الأميركية تطبيق قانون “الممارسات الأجنبية الفاسدة” (FCPA)، وهو القانون الأميركي الأبرز لمكافحة الرشوة. وعلى رغم أن الإدارة ادعت أن تطبيق القانون بصورة إشكالية أضرت بـ”القدرة التنافسية الاقتصادية الأميركية”، إلا أن هذه الخطوة أتاحت للشركات الأميركية الانخراط في الرشوة في الخارج من دون خوف من الملاحقة القضائية الفيدرالية. ثم في مارس، جردت وزارة الخزانة الأميركية في عهد ترمب “قانون شفافية الشركات” من فاعليته من خلال تعليق تطبيقه على الشركات الأميركية.
إضافة إلى ذلك، قوض البيت الأبيض الرقابة على العملات المشفرة، وهي قطاع يجني أرباحاً كبيرة من تسهيل غسل الأموال. ففي فبراير 2025، أسقطت “هيئة الأوراق المالية والبورصة الأميركية” أو أقدمت على تسوية عدد من إجراءاتها الجارية ضد كيانات العملات المشفرة. ثم في أبريل الماضي، حلت الإدارة “الفريق الوطني لإنفاذ قوانين العملات المشفرة” التابع لوزارة العدل، وأمرت وحدة “نزاهة السوق ومكافحة جرائم الاحتيال الكبرى” التابعة لها بوقف التحقيقات في هذا القطاع.
وقد استخدم ترمب سلطة العفو الرئاسي لتفكيك معايير مكافحة الفساد الأميركية بصورة أكثر وقاحة، ويشمل المستفيدون من العفو أشخاصاً متورطين بصورة مباشرة في أنشطة تصفها الإدارة نفسها على أنها تهديدات وجودية للشعب الأميركي، مثل الاتجار بالمخدرات. فقد منح العفو الرئاسي لكل من روس أولبريخت، مشغل موقع “سيلك رود” Silk Road، وهو سوق إلكترونية على شبكة الإنترنت المظلمة (دارك ويب) كان بمثابة مركز لبيع المخدرات غير المشروعة، والرئيس الهندوراسي السابق خوان أورلاندو هيرنانديز، الذي دين بتهمة تهريب المخدرات على نطاق واسع إلى الولايات المتحدة. وفي أكتوبر (تشرين الأول) الماضي، منح ترمب عفواً لتشاو، مؤسس منصة “بينانس” Binance للعملات المشفرة. يذكر أنه عندما أقر تشاو بذنبه عام 2023، أصدرت وزارة العدل بياناً من وزيرة الخزانة جانيت يلين جاء فيه أن “بينانس”، “سمحت بتدفق الأموال إلى الإرهابيين ومجرمي الإنترنت والمعتدين على الأطفال عبر منصتها”.
جماعة اللصوص
من أفضل الأسباب لشغل المؤسسات البيروقراطية بأصحاب الكفاءة، واختيار أشخاص ذوي معرفة لصياغة اتفاقات السلام، هو ضمان لغة دقيقة مع دلالات وتضمينات قابلة للتنفيذ وبناء البنية التحتية الحكومية المشتركة اللازمة للتطبيق الناجح. فالاتفاقات المتسرعة والغامضة غالباً ما تفشل. وبالفعل، فإن اتفاق وقف إطلاق النار في الكونغو المبرم في يونيو (حزيران) 2025 الذي تباهى به ترمب، لم يوقف تقدم قوات حركة “23 مارس” (“أم 23”) المتمردة، فواصلت السيطرة على مدن كونغولية رئيسة. وفي أكتوبر الماضي، كان ترمب حريصاً على نسب الفضل لنفسه في “اتفاق السلام” الذي وقعته كمبوديا وتايلاند، لكن هذا الاتفاق لم يكن سوى إعلان مشترك ترك قضايا ترسيم الحدود المهمة من دون حل، وآليات المراقبة غير محددة بدقة، وليس من المستغرب أنه بعد أسابيع قليلة استؤنفت الاشتباكات عبر الحدود.
في الحقيقة، تشبه الصفقات المجمعة التي أبرمتها إدارة ترمب الترتيبات التي سعت إليها الصين مع دول حول العالم، وهي صفقات كان ترمب قد انتقدها بشدة خلال ولايته الأولى، إذ إنها تجمع بين الاستثمارات الحكومية والصفقات الخاصة للشركات الصينية. وغالباً ما تستكمل هذه الحزم، بعيداً من الأنظار، بصفقات جانبية إضافية لصالح النخب الصينية وحلفائها السياسيين المحليين، مثلما حدث عندما وافقت بكين على تضخيم كلفة مشاريعها للبنية التحتية في ماليزيا من أجل تحويل أموال إلى صندوق الثروة السيادي الماليزي الذي كان يعاني الفساد والانهيار.
لكن على رغم مساهمتها الكبيرة في الفساد العالمي، لم تدر الصين ظهرها بالكامل للنظام الدولي القائم على القواعد. فبكين تواصل الانخراط الوثيق مع المؤسسات المتعددة الأطراف العريقة ومع شبكتها البديلة المتنامية من المنظمات، كما تواصل الصين إيلاء بعض الأهمية للحوكمة التكنوقراطية والرقابة الخبيرة، مستثمرة موارد كبيرة في التعليم العالي والبحث والتطوير، وهو موقف جعلها تقود التحول العالمي في مجال الطاقة النظيفة.
الفساد في الخارج يغذي الفساد في الداخل
في المقابل، تسعى إدارة ترمب جاهدة إلى تقويض أي في وجود للقواعد والأنظمة من خلال استخدام القوة القاتلة من دون تفويض قضائي في المياه الدولية، ومن خلال أنظمة الرسوم الجمركية التي تتجاهل التزامات الولايات المتحدة بموجب المعاهدات. وهي تبذل قصارى جهدها لتقويض كثير من المزايا، بما في ذلك شبكة تحالفات متينة وبرنامج مساعدات خارجية فعال ويحظى بالاحترام وارتباطها بالحكم الرشيد، التي كانت الولايات المتحدة تعول عليها سابقاً للتفوق في منافستها مع الصين. ولو كانت النزعات الكليبتوقراطية التي يتصرف ترمب ودائرته على أساسها هي المشكلة الوحيدة، لكان خروجه من المشهد في أوائل عام 2029 مصدر ارتياح، لكن تفكيك الطابع المؤسسي للسياسة الخارجية الأميركية من المرجح أن يقوض عملية صنع القرار الأميركية لمدة لا تقل عن عقد من الزمن.
كما أن اندماج الكليبتوقراطية مع التطرف اليميني المتشدد سيجعل الفساد أكثر استدامة، ففي الولايات المتحدة، تجاوز هذا الاتحاد مجرد تحالف بين ترمب والمحرضين اليمينيين. فالأشخاص الذين من المرجح أن يكونوا حاملي شعلة ترمب، مثل نائب الرئيس جي دي فانس ومستشار الأمن الداخلي ستيفن ميلر، لديهم رؤية للمصلحة الوطنية، لكنها رؤية قومية عرقية تقوم على استعادة التسلسلات الهرمية “التقليدية” للعرق والطبقة والجنس، وهم ملتزمون أيضاً بترسيخ تركيز الثروة في أيدي الأوليغارشية ونزع الريع من دول ينظر إليها على أنها أدنى شأناً.
إن الشراكة بين السياسة الخارجية الكليبتوقراطية والتطرف اليميني ليست مفاجئة، فمعظم الناس يكرهون الفساد السياسي، لذلك يحتاج الكليبتوقراطيون إلى أكباش فداء لتبرير سرقة المال العام، وتشكل الأقليات العرقية والإثنية والجنسية “الطرف الآخر” المناسب لإلقاء اللوم عليه. أما أصحاب الأيديولوجيات الرجعية الحقيقية، من جهتهم، فإنهم سعداء عموماً للعمل كـ”قوة سياسية ضاربة” لصالح الكليبتوقراطي في مقابل حصولهم على حليف قوي في حربهم ضد أعدائهم الحقيقيين: الليبراليين والمعتدلين والديمقراطية التعددية. ولأنهم في جوهرهم مثاليون حالمون، فإن المتطرفين اليمينيين لا يقلقون كثيراً في شأن تفكيك المؤسسات والترتيبات السياسية القائمة.
كل ذلك يجعل من الأسهل على الكليبتوقراطيين في الخارج استغلال الولايات المتحدة، وهي ظاهرة من المستبعد أن تتوقف مع مغادرة ترمب البيت الأبيض. وبالفعل، فإن تحويل السياسة الخارجية الأميركية إلى أداة للفساد يؤدي إلى خلق حلقة مفرغة تعزز نفسها بنفسها. فبدلاً من محاولة الحد من الفساد الأجنبي، فإن واشنطن تشجعه. وبدوره، يغذي الفساد في الخارج الفساد في الداخل.
ولهذا السبب، يتعين على دول الاتحاد الأوروبي، إلى جانب أعضاء رئيسين آخرين في نظام التحالفات الأميركي الذي نشأ بعد الحرب العالمية الثانية، أن تتعامل مع نظام ترمب باعتباره خطراً جسيماً وفورياً على أنظمتها السياسية، ويجب أن تتحرك بسرعة أكبر لسد الثغرات في أنظمتها التنظيمية التي تسهل الفساد الدولي. كما ينبغي أن تتوقف عن استخدام الثروات الخارجية القادمة من الأوليغارشيين والكليبتوقراطيين والأنظمة الريعية لسد فجوات استثماراتها الداخلية، فلا يمكن للديمقراطيات القائمة على سيادة القانون أن تتراجع أمام تهديدات الانتقام الأميركية. فإدارة ترمب تفضل بوضوح الأنظمة النيوباتريمونيالية الأخرى على الديمقراطيات الأوروبية، وشخصيات مثل فانس تتحرك لتعزيز الأحزاب اليمينية الأوروبية التي تحظى بدعم ثروات كليبتوقراطية.
ونظراً إلى عدم أرجحية لجوء الكونغرس إلى صلاحياته لوقف هذه الممارسات، فإن الضرر الذي يلحق بأمن وازدهار الشعب الأميركي سيستمر في التفاقم، غير أن هناك أمراً واحداً يمكن لمراقبي السياسة الخارجية القيام به، وهو التوقف عن تمويه حقيقة سياسة ترمب الخارجية بوصفها واقعية أو تنافساً بين القوى العظمى أو مجرد نهج صفقاتي. فسياسة ترمب الخارجية تشكل تهديداً وجودياً ليس لإمكان إعادة بناء جمهورية دستورية في الولايات المتحدة فحسب، بل أيضاً لبقاء الديمقراطيات في الخارج. وكل محاولة لإظهار سياسة ترمب الخارجية على أنها طبيعية، وكل تقييم لـ”استراتيجيته الكبرى” يتجاهل منطقها الصريح والضمني، لا يؤدي إلا إلى تفاقم الخطر.
ألكسندر كولي هو أستاذ كرسي “كلير تاو” للعلوم السياسية في كلية بارنارد، وزميل بارز غير مقيم في مجلس شيكاغو للشؤون العالمية.
دانيال نيكسون هو أستاذ في قسم الحكومة وفي “مدرسة وولش للخدمة الخارجية” في جامعة جورجتاون.
مترجم عن “فورين أفيرز”، مارس (آذار) / أبريل (نيسان) 2026
اندبندنت عربية