في عام 2011، حين اشتعلت الشوارع السورية وبدا وكأن رياح التغيير ستعصف بأنظمة دامت لعقود، كنت مقيماً خارج سوريا التي غادرتها في بداية الثمانينات، أتابع المشهد عن بُعد بمزيج من الألم والترقب. كان الشارع السوري والمعارضة بجناحيها الداخلي والخارجي يراهنون على سقوط سريع ومدوٍ للنظام، وكان الحماس الثوري يبلغ عنان السماء مع كل احتجاج وكل خطاب وكل قراءة تحليلية تبشر بالأيام القادمة الحاسمة. لكنني أستطيع أن أقول بكل ثقة أنني كنت الوحيد بين حلقة من الأصدقاء السوريين والعرب المقيمين في لندن، الذي راهن على أن النظام السوري لن يسقط، وإن سقط فلن يكون ذلك قبل عشر سنوات على الأقل.
لم تكن هذه النبوءة نابعة من قناعة أن الشارع السوري يناصر النظام، ولا من تقييم خاطئ لحجم الغضب الشعبي، بل كانت نابعة من يقين راسخ بأن نظام مثل نظام الأسد لن يتردد للحظة واحدة في التحالف حتى مع الشيطان نفسه للحفاظ على كرسي الحكم. والشيطان هنا، بالطبع، لم يكن أميركا التي طالما اتهمها النظام بالتآمر ضده، بل كان النظام الإسلامي في إيران بقيادة آيات الله في “الجمهورية الإسلامية”، وأذرعها العسكرية والأمنية المنتشرة في المنطقة، وأخص بالذكر هنا حزب الله في لبنان.
كان لدي قناعة بأن طهران سترى في حماية النظام السوري معركة وجود لا تقل أهمية عن الدفاع عن أراضيها، لأن سوريا تشكل العمق الإستراتيجي للمشروع الإيراني في المشرق العربي، وجسر التموين الرئيسي لحزب الله. وإذا لم يكفِ هذا الدعم، فسيترامى النظام في أحضان روسيا التي كانت تبحث بشراهة عن موطئ قدم دافئ على شواطئ المتوسط، لتعيد إحياء أمجادها الجيوسياسية المفقودة منذ انهيار الاتحاد السوفياتي. لقد كان تحالفاً شرق أوسطياً غريباً، جمع شمولية عربية متعفنة بولاية فقيه متعصبة وقيصرية روسية طموحة، وكان واضحاً أن هذا التحالف، بكل ثقله العسكري والأمني، لن يتخلى عن رأسه في دمشق بسهولة.
الوجود العسكري الإيراني في سوريا لم يكن مجرد حضور وقتي مرهون بظرف محدد بل تدخل مباشر ساهم في حصار المدن وتجويع الأحياء وقصف المستشفيات
وهذا ما حدث بالفعل. لقد سقط النظام، لكن بعد ثلاثة عشر عاماً من المجازر المتتالية والتشريد الممنهج الذي طال أكثر من نصف الشعب السوري، بين نازح داخلياً ولاجئ في أصقاع الأرض. سقط النظام بعد أن حول سوريا إلى أرض محروقة، وخلايا بشرية مبعثرة، وذاكرة جماعية مثقلة بالوجع. ثم خرجت روسيا مشغولة بحربها الأوكرانية، وخرجت إيران منهكة تحت وطأة العقوبات والضربات الموجعة، وخرج معها حزب الله بعد أن أضعفه الصراع المفتوح وأبلى في معارك عبثية لا تعنيه.
واليوم، تُشن حرب وجودية على إيران وحلفائها، حرب تعيد رسم خرائط النفوذ في المنطقة، والسوريون يقفون منها مواقف متعددة ومتباينة تعكس عمق الجراح وارتباكات الهوية والسياسة. هناك داخل سوريا، وبين السوريين في الشتات، من يتعاطف مع إيران بدافع أيديولوجي أو طائفي، لكن الأغلبية الساحقة، التي ذاقت الويلات على يد الميليشيات الإيرانية وعناصر حزب الله التي أتت لتقتل وتدمر وتغير ديموغرافيا القرى والمدن، هذه الأغلبية تحتفل اليوم علناً وصاخباً، وتدعو بصدق أن تشهد سقوط النظام الإيراني كما شهدت سقوط نسخته الدمشقية، الذي تعتبره السبب المباشر في كل معاناتها .
الوجود العسكري الإيراني في سوريا لم يكن مجرد حضور وقتي مرهون بظرف محدد، بل اتخذ شكل تدخل مباشر ساهم في حصار المدن وتجويع الأحياء وقصف المستشفيات، ما رسّخ شعوراً واسعاً بأن هذا الوجود كان احتلالاً فعلياً. هذا الواقع غذّى مشاعر الكراهية لدى قطاعات كبيرة من السوريين، حتى بلغ الأمر حد الشماتة عند البعض، الذين رأوا في الضربات الموجهة لإيران شكلاً من القصاص العادل المتأخر. في المقابل، فضّل آخرون التزام الحياد، إما لأنهم يعتبرون الصراع الدائر معركة لا تخصهم، أو لأنهم يترقبون موازين القوى الجديدة التي قد تنشأ بعد انتهاء الحرب. وهناك أيضاً من ظلّ أسير خطاب أيديولوجي تقليدي، يرى أن أي تموضع مع القوى الغربية خيانة كبرى، ويعتبر إيران رغم أخطائها رأس حربة في مواجهة المشروع الصهيوني، ويخشى أن يؤدي انهيارها إلى هيمنة إسرائيلية مطلقة على المنطقة.
في خضم هذه التباينات، برزت أصوات سورية حاولت مقاربة الأحداث بقدر من الرصانة والواقعية السياسية، بعيداً عن الشماتة العاطفية أو الانحياز الأيديولوجي. هذه الأصوات ترى أن الهيمنة المطلقة للقوى الغربية على المنطقة لن تعود بالخير على أي طرف عربي أو مسلم، وأن ما يجري يتجاوز اللحظة الراهنة ليطال مستقبل المنطقة بأكملها. فالمشروع الإسرائيلي، كما يُفهم من الخطاب السياسي المعلن، لا يتسع لسيادة حقيقية لأي دولة في المنطقة، سواء كانت سنية أو شيعية، عربية أو فارسية، بل يقوم على إعادة تشكيل الشرق الأوسط وفق رؤية تضمن تفوقاً إسرائيلياً دائماً.
هل يستطيع السوريون، بعد كل هذه السنوات من الحرب والدمار، أن يبنوا رؤية سياسية مستقرة لا تتأرجح بين العاطفة والانتقام، بل تستند إلى قراءة عقلانية لمصالحهم ومستقبلهم؟
التفاعل الشعبي السوري مع استهداف إيران اتخذ أشكالاً صاخبة، حيث خرجت احتفالات عفوية في بعض المدن للتعبير عن الفرح بما اعتُبر انتقاماً من قوة شاركت في قمع السوريين. بلغت الشماتة ذروتها حين ترددت أنباء عن استهداف قيادات إيرانية بارزة، وارتبطت هذه المشاعر بدعاء شائع على منصات التواصل: “اللهم اضرب الظالمين بالظالمين وأخرجنا من بينهم سالمين”. هذا الدعاء يعكس فلسفة كاملة، تقوم على اعتبار أن الله قد يستخدم قوة ظالمة لمعاقبة قوة ظالمة أخرى، وأن النجاة تكمن في عدم الانحياز لأي من الطرفين المتقاتلين. هذه الرؤية وجدت صدى واسعاً في الفضاء الافتراضي، حيث عبّر كثيرون عن فرحهم باستهداف إيران، مع التأكيد أنهم لا يحتفلون بانتصار إسرائيل، بل يرون في ما يحدث نوعاً من عدالة السماء التي تصفي الأعداء ببعضهم.
لكن في مقابل هذه المشاعر، ظهرت مقاربات أكثر تعقيداً، تحذر من أن انهيار إيران قد يفتح الباب أمام هيمنة أميركية إسرائيلية مطلقة على المنطقة، وهو سيناريو لا يقل خطورة عن استمرار النفوذ الإيراني. هذه المقاربات تنطلق من إدراك أن الشعوب العربية وجدت نفسها محشورة بين نارين، وأن أي انتصار لطرف سيعني مزيداً من المعاناة للمدنيين الأبرياء. البعض ذهب إلى قراءة أكثر براغماتية، محذراً من أن استمرار الحرب قد يكون مقدمة لإعادة صياغة الشرق الأوسط على أسس جديدة، تتجاوز الانقسامات الطائفية والدينية، وتفتح المجال أمام مشروع سياسي واقتصادي تتحكم فيه القوى الكبرى بعيداً عن إرادة شعوب المنطقة.
في النهاية، يمكن القول إن المشاعر السورية تجاه الحرب على إيران تعكس حالة من الانقسام العميق بين الشماتة والحياد والخوف من المستقبل. هذه المشاعر محمولة على تاريخ طويل من المعاناة، وعلى إدراك بأن أي تغيير في موازين القوى لن يكون بالضرورة لصالح الشعوب، بل قد يعيد إنتاج أنماط جديدة من الهيمنة.
يبقى السؤال الأعمق: هل يستطيع السوريون، بعد كل هذه السنوات من الحرب والدمار، أن يبنوا رؤية سياسية مستقرة لا تتأرجح بين العاطفة والانتقام، بل تستند إلى قراءة عقلانية لمصالحهم ومستقبلهم؟ أم أن المنطقة مقبلة على مرحلة جديدة من إعادة ترتيب التحالفات على أنقاض الشعوب، حيث يظل الضحايا هم الناس العاديون الذين يحلمون فقط بالعيش في سلام بعيداً عن صراعات القوى الكبرى؟