-
-
.ليلى زيبار… الجمهورية .نت
-
أُنتِجَ هذا التحقيق ضمن الدورة الثالثة من «برنامج مِنَح الجمهورية للصحفيّات السوريات»، الذي يَدعمُ إنتاج مشاريع صحفية مُعمَّقة تتعلّقُ بشؤون السوريين والسوريات ومعاشهم داخل البلد وخارجه، وكانت المُحرِّرة المشرفة على إنتاجه هي الزميلة تالا العيسى.
*****
غالباً ما تُصاغ «العودة» بوصفها ذروة النصر والانفراج الوطني في حكايات «ما بعد النزاع»: نهاية النزوح، استعادة الحضور، وبداية إعادة الإعمار، وتوتة توتة خلصت الحدوتة. ولكن الأمر ليس كذلك في الحقيقة للأسف، فالعودةُ غالباً ما تكون ملغومة وحزينة وملتوية.
في حين تتناقل وسائل الإعلام قصصَ العائدين «الزائرين» المُحمَّلين بالشوق والأمل، والوعودَ الحكومية بإغلاق المخيمات وإعادة السكان إلى أماكن سكنهم السابقة وخاصة في الريف السوري المهمش تنموياً لعقود، فإنها تُغفل قصص العودة إلى مُخلّفات الحرب التي هربوا منها، والتي بات العائدون يشكّلون خط الدفاع الأول في مواجهتها. فاليوم، بعد أكثر من عام على سقوط نظام الأسد، ما نزالُ نشهدُ غياب خطة وطنية واضحة لضمان معايير الأمان والسلامة الجسدية والمادية، وهي الخطة التي ينبغي أن تسبق العودة لا أن تُرافقها، ما يُثير تساؤلات جدية حول مصداقية ما يُروَّجُ عن «عودة آمنة وطوعية». وفي هذا السياق، يجد الريف نفسه مجدداً في مواجهة خطر الإهمال، رغم دوره كحاضنة شعبية لقواعد الثورة والتضحية به كساحات للنزاع العسكري. ووفقاً لتقارير أممية، ما يزال الريف السوري في بداية 2026 مأوى لأكثر من خمسة ملايين نازح، موزّعين على أكثر من 1535 موقعاً ومخيّماً، رغم الانخفاض الحاد للدعم الإنساني بعد سقوط نظام الأسد.
ينطلق هذا التحقيق من هذه الفجوة تحديداً: بين العودة بوصفها حلماً وخطاباً سياسياً في سياق ما بعد النزاع، والعودة كواقع عنيف مُتجسِّد في جغرافية الريف السوري. بُنيَ التحقيقُ على شهادات ميدانية من عائلات عائدة وخبراء ومتطوعين في عمليات إزالة الألغام، إضافةً إلى كوادر عاملة في المخيمات وقطاعات التعليم والصحة في أرياف حلب وإدلب ودير الزور، ليعكسَ واقع تلك «العودة» الملغومة بآثار العنف. فمخلّفات الحرب لا تقتصر على مشهد سريالي لمبانٍ متهدمة وبنى تحتية متهالكة، بل تمتد إلى عنف خفي من ذخائر غير منفجرة وألغام لا تزال كامنة في الأرض وبين الأنقاض، تنتظر بصمت قاتل لتحصدَ ما لم تحصده سنوات متعاقبة من النزاع المسلّح، وتُكرّسَ شكلاً جديداً من العنف: عنف مقامرة العودة ذاتها بوصفه حالةً ممتدّة وطويلة الأمد.
منزل في قرية المريعية – ريف دير الزور 2025 – تصوير الباحثين الميدانيين عن تجسّد حلم العودة الهشّ
«بقهر يعبي الكرة الأرضية كلها» نزح أنس الداني (57 عاماً) وعائلته من كفرنبل، الواقعة في محافظة إدلب، هرباً من موت شبه محقّق في أيار (مايو) 2019، إثرَ تقدّم قوات نظام الأسد المدعومة بسلاح الجو الروسي. وكحال كثير من سكّان المدينة، اقتلعَ القصفُ العنيفُ بالقنابل العنقودية التي أُطلقت من راجمات «سيمرتش التي لا ترحم» (كما يقول أنس) العائلاتِ اقتلاعاً قسرياً من بيوتها. حمل أنس بعض متاعه على عجل، تاركاً خلفه منزلاً شيّده تدريجياً على مدى سنوات امتدّت من 1998 حتى 2014، وصمد فيه طوال سنوات الحرب قبل أن يُجبَر على مغادرته.
ولم تكن تجربة أنس استثناءً. فأم زياد (30 عاماً)، التي نزحت من تل رفعت عام 2015 وكانت تبلغ آنذاك 19 عاماً، ما تزال تحمل صورة ذلك التمزُّق في ذاكرتها حيّةً لا تفارقها. تقول: «الموقف اللي رح يضل عالق بذاكرتي لهلأ، ولبكرا، ولبعد ألف سنة، إنه لما شفت الناس عم تتفرق، كل واحد عم يروح لمكان، وعرفت إنه نحن ما عاد نلتقى». فرغم نزوح أم زياد وعائلتها إلى مخيم يازي باغ العشوائي قرب مدينة اعزاز، لتنضمّ إلى عائلات أخرى من تل رفعت.
مع مرور الوقت، لم يعد النزوح حدثاً عابراً ناجماً عن أزمة طارئة فحسب، سواء بالنسبة لأنس وأم زياد وحدهما أم لملايين السوريين والسوريات المهجَّرين قسراً؛ بل تحوّلَ إلى تجربة تَمزُّق زمكاني ممتدّة، تشكّلت تحت وطأة عنف مُمنهج متغيّر الوتيرة أعاد صياغة العلاقة بالمكان والزمان والذاكرة. ومع تصاعد موجات التهجير القسري وتكرارها مرّة بعد أخرى حتى بلغت حدّ الاقتلاع، تجسّدَ «النزوح» مادياً في مخيّمات وبُنى مؤقّتة هشّة، بالكاد تؤمّن الحدّ الأدنى من شروط العيش، من دون أي أفق زمني مُعلَن لانتهائها. ولم يكن الريف السوري بمنأى عن هذا الواقع، بل كان عُرضةً لتحوّلات وتمزّقات جيوسياسية واجتماعية عميقة طالت البشر والحجر، من دير الزور في شمال شرق البلاد إلى ريف إدلب الجنوبي في شمال غربها. فقد تحوّلَ من جغرافيات أُهمِلت بدرجات متفاوتة قبل الحرب، وهُمِّشت تنموياً لعقود في ظلّ حكم حزب البعث ونظام الأسد، إلى خطوط جبهة وساحات حرب تنتهك حرمة أرضها وأهلها، ثم إلى ضحية لهجمات انتقامية مشبعة بالعنف والدمار والخوف. واليوم، يجد هذا الريف نفسه مجدداً في مواجهة خطر الإهمال، رغم احتضانه ممرّات اللجوء واستقباله موجات النزوح الداخلي المتكرّرة لأكثر من خمسة ملايين نازح، موزّعين على أكثر من 1535 موقعاً ومخيّماً ما تزال قائمة حتى اليوم، وذلك رغم توقّف الدعم الأميركي والتراجع الحاد في الدعم الإنساني.
من مخيم يازي باغ العشوائي في ريف مدينة اعزاز 2018 – المصدر موقع تلفزيون سوريا تجذّرَ هذا التمزُّقُ عميقاً في التجربة الحياتية والمادية لكثيرين من المُهجَّرين قسراً، ليتحوّل حلم العودة إلى ركيزة مقاومة وصمود تحمي ما تبقّى من عوالمهم النفسية من الانهيار. فما كان يُنقذ نازحين كثيرين، ومنهم أنس، من ثقل النزوح الجاثم على صدورهم، هو إبقاء روابط المكان والذاكرة والهوية حيّة. ففي ظل تلك الظروف، وجد أنس نفسه يلجأ إلى الماضي عبر رحلات ذهنية متواصلة، مُقاوِماً «الموت قهراً» في مخيم الهدى بريف إدلب الشمالي: «دايماً أنا بالنزوح مخيّلتي وفكري قاعدين عالبرندة قدّام الشجرات وقدّام الحديقة الصغيرة»؛ محاولاً بذلك استرداد تفاصيل مكانية صغيرة كلّما اشتدّت الضغوط وسيطرت موجات الغربة والحنين.
«البرندة» التي يصفها أنس الداني في كفرنبل بريف إدلب – تصوير محمد الشايب (2025) وعلى المنوال ذاته، ظلَّ الأمل يتردّد على ألسنة والد أم زياد وزوجها طوال سنوات النزوح العشر بعبارة «بكرا لما نرجع عالضيعة»، غير أنّ هذا الأمل ازداد هشاشةً مع الفواجع التي أصابت العائلة: استشهاد شقيقها في هجوم لتنظيم الدولة الإسلامية، ووفاة والدها في المخيم، واستشهاد زوجها أثناء عمله في تفكيك أحد الألغام عام 2019. أمّا أنس، فقد تراكم القهر في قلبه هو الآخر، ولا سيما بعد أن فقد أحد أبنائه في إحدى المعارك دون أن يعرف حتى اليوم موضع قبره، فتدهورت صحته الجسدية والنفسية وعجزَ عن العمل. وهكذا ظلّت العودة، بالنسبة إلى أم زياد وأنس وملايين غيرهما، حلماً هشّاً كهشاشة مخيّماتهم، مرتبطاً بزمن مؤجَّل ضبابي الملامح، مُسقَطاً على مستقبل يبتعد جغرافياً مع مرور السنين ومع بداية تطبيع كثير من الدول علاقاتها مع نظام الأسد. بالمقابل، كانت مواقع النزوح ومخيّماته تضيقُ بسكّانها، فيما تدهورت أوضاعها «المؤقّتة» أكثر فأكثر، ما دفع كثيرين إلى نزوح جديد نحو مواقع أخرى، أو إلى التعايش مع واقع لا مفرّ منه.
إلى أن حلّ الثامن من كانون الأول (ديسمبر) عام 2024 وسقط نظام الأسد، فتحوّلت فكرة «العودة» من مجرّد حلم مؤجَّل إلى احتمال مادّي ملموس، وأمل ينهض من الرماد.
«يوم التحرير كأنني وُلدت من جديد»، يقول أنس. ويُضيف: «يوم اللي تحررت ضيعتنا، قلت لولادي بدي روح عالضيعة… والله لو بدي روح مشي بدي روح». ستُّ سنوات من العنف والاقتلاع المتكرّر والفقد، المُثقلة بآثار الحرب وأعبائها الاقتصادية والصحية والنفسية، كانت قد قوّضت قدرته على الاحتمال والبقاء يوماً إضافياً. وفي اليوم التالي مباشرةً لسقوط النظام، عاد أنس مع عائلته على متن سرفيس إلى كفرنبل. يروي: «يوم اللي دخلنا من عند الفرن بكفرنبل ما صدّقنا حالنا. بكينا كلّنا. الشباب صاروا يغنّوا ويصيحوا. في ناس تبكي، وناس نزلت صارت تبوس التراب».
بدت «العودة» لكثيرين منهم أنس ذروةً للانفراج، وسرعان ما امتلأت وسائل الإعلام ومنصّات التواصل الاجتماعي بقصص مشابهة: صور الابتسامات والأهازيج لاستقبال قوافل العائدين من مخيّمات النزوح واللجوء، وعزمهم على إعادة إعمار الحجر، وترميم النسيج الاجتماعي، والنهوض بالوطن. وطغت قصص «الصمود» للعائدين الذين تحمّلوا الإهانة والاقتلاع على قصص النزوح، وصُوِّروا بوصفهم أبطالاً يعودون ليفرشوا أرض الديار بقماش خيم النزوح، تمهيداً لإعادة بناء بيوتهم وبلادهم. وتلقّفت هذا الخطابَ دول عدّة كانت قد استقبلت النازحين والمهجَّرين قسراً، فتهلّلت لانتهاء ما سمّته «أزمة اللاجئين»، وشرعت في وضع خطط لإعادتهم إلى بلادهم تحت شعار «العودة الآمنة والطوعية». ويعلو اليوم خطاب وطني يَعِد بفتح أبواب البلاد أمام أبنائها، وإنهاء النزوح بوصفها كنتيجة طبيعية لانتصار الثورة، وبسوريا خالية من المخيمات قبل نهاية هذا العام.
العودة الملغومة
«وصلنا متأخّرين شوي لأنو قالولنا إنو في ألغام عالطريق»، يروي أنس، لكنّ هذه المخاطر لم تمنعه من المضيّ: «كنت بس بدي أوصل وأحضن الدار. صحيح مهدّمة، لا في شجر ولا في شي، بس الفرحة كانت لا توصف… بلا تشابيه، كأنّك داخل الجنّة».
«ويا فرحة ما تمت». فحلم أنس بإعادة بناء «الجنّة» التي عاد إليها، اصطدمَ بقذيفة غير منفجرة كانت تنتظره على عتبة المنزل، ولم تكن في الحسبان. «ما حدا قلنا ما ترجعوا»، يقول أنس، في إشارة إلى أنّ عودتهم المبكرة وغير المدروسة، في ظلّ غياب أي فحص مسبق للمكان أو تحذيرات رسمية من مخاطر مخلفات الحرب، أجبرتهم على التحقّق من سلامة البيت بأنفسهم. يُضيف: «بدّك تفحص البيت كلّه بإيدك… تشوف إذا في شي مو منفجر». ومع ازدياد حركة العودة إلى كفرنبل، أفادت منظمة «هيومن رايتس ووتش» بأن فريقاً من المتطوّعين تواصلَ مع وجهاء المدينة في مطلع كانون الثاني (يناير) 2025، بهدف إزالة الألغام. وقد تواصلَ أنس مع فرق إزالة الألغام التي قامت بتطهير المنزل، وتمكّنَ الفريق خلال الأسبوعين الأولين فقط من إزالة ما يقارب 70 لغماً، إضافة إلى عدد كبير من الذخائر غير المنفجرة، وذلك في كفرنبل وحدها. كانت الذخائر منتشرة داخل المنازل وبين أكوام الدمار والأنقاض.
لم يُسعف الحظُّ ثمانية من العائدين إلى كفرنبل في الفترة نفسها، إذ حصدت مخلفات الحرب أرواحهم.
الدمار الذي لحق بمنزل أنس الداني – تصوير محمد الشايب (2025) اليوم، وبعد مرور أكثر من عام على سقوط نظام الأسد وهروبه، تجاوزَ عدد العائدين من خارج البلاد 1.3 مليون شخص، ومن داخلها 1.7 مليون شخص، وما تزال هذه الأعداد في تصاعد وفقاً لبيانات مكتب المفوضية في سوريا، مع توقّعات بعودة طوعية لما يقارب مليون شخص إضافي، ولا سيّما من دول اللجوء المجاورة. إلا أنّه، وعلى الرغم من إشكالية هذه الإحصاءات وتصاعد أعداد العائدين المُعلَن عنها، ما تزال منظمات أممية عدّة تحذّر من أنّ الأوضاع في كثير من المناطق السورية، ولا سيّما الريفية منها، ليست آمنة بعد. إذ تتراوح نسب الدمار التقديرية بين 50 و90 بالمئة، وذلك تبعاً للموقع الجغرافي وتمركز القوى وخطوط الصراع خلال سنوات الحرب، وهي نسب لا تعكس بدقّة حجم الدمار الفعلي في كثير من المناطق الريفية.
كما تُشير بيانات منظمات متخصّصة، من بينها دائرة الأمم المتحدة للأعمال المتعلقة بالألغام (UNMAS) ومرصد الألغام والذخائر العنقودية (Landmine and Cluster Munition Monitor)، إلى أنّ الأراضي السورية مُلوّثة بدرجات متفاوتة من الألغام والذخائر غير المنفجرة، فتقدر الـ MAG أن مساحة المناطق الملوّثة بمخلفات الحرب والألغام هي حوالي أربعة ملايين متر مربع تغطي نحو 11 محافظة من أصل 14، ما يجعل أكثر من 65 بالمئة من السوريين وخاصة الأطفال معرّضين لخطر الإصابة، وفقاً لتقديرات اليونيسف.
خريطة توضح التوزع الجغرافي للحوادث المرتبطة الألغام والذخائر غير المنفجرة بعد سقوط نظام الأسد، بين كانون الأول (ديسمبر) 2024 وآذار (مارس) 2025. من تقرير صادر عن دائرة الأمم المتحدة للأعمال المتعلقة بالألغام. إلّا أنه «ما في باليد حيلة»؛ تروي لنا أم زياد لتصفَ عودةً غير مدروسة، فُرِضَت عليها أكثر مما اختارتها، إلى مدينتها تل رفعت في ريف حلب. فقد طالب صاحبُ الأرض النازحينَ بإخلاء الخيام والعودة إلى قراهم التي «تحرّرت»، بعد أن توقّفت المنظمات عن دفع إيجار الأرض. وقد توقّفَ التمويل المُتقطّع عن كثير من مواقع النزوح في أعقاب سقوط نظام الأسد مباشرةً، إلى جانب الضغوط المُعلَنة وغير المُعلَنة باتجاه إغلاق المخيمات، ما أدّى إلى انهيار الدعم الإنساني والخدمات الشحيحة التي كانت توفّرها تلك المواقع (لوجستيةً كانت أم طبية أم تعليمية أم معيشية)، فيما تفاقمت آثار العوامل المناخية ومعدّلات التلوث والأمراض لتجعل الحياة فيها أقرب إلى الاستحالة.
«لو بيرجعوني عالمخيّم برجع»، يقول محمد. فعودةُ الرجل الخمسيني مع عائلته إلى تل رفعت، بعد نزوح قاربَ العشر سنوات، لم تكن مُحمَّلةً بحنين أشعله تَحسُّن أمني كما في حالة أنس، بل أجبره على العودة انقطاعُ ما تبقّى من الخدمات الشحيحة في مخيم تلال الشام غير الرسمي بريف حلب الشمالي، وخشيته من فقدان وظيفته الحكومية إن بقي في المخيم.
وهكذا، منذ مطلع عام 2025، تجد كثير من العائلات نفسها مُجبرةً على العودة من المخيمات إلى قراها بشكل عشوائي، دون أن تكون تلك القرى مهيّأةً فعلياً لاستقبالها. ووفقاً لعاملين في منظمات إغاثية، فإن مهمتهم لا تتجاوز في الغالب تسهيل إجراءات الخروج من المخيم عند الحاجة، إلا أنّ هذا الخروج نادراً ما يترافق مع معلومات كافية عن مدى تطهير أماكن العودة وسلامتها، أو مع دعم مادي أو لوجستي يُتيح تقييم المخاطر، أو جلسات توعوية وتجهيزات أساسية للتعرّف إلى أشكال الذخائر والألغام، أو حتى تزويدهم بأرقام تَواصُل للإبلاغ عند الاشتباه بوجود خطر. ويؤكّدُ هذا الواقع نايف شيخ نايف، عامل البناء الذي عاد إلى قريته في ريف حلب ليعمل في ترميم البيوت بوصفه الوسيلة الوحيدة المتاحة أمامه لتأمين لقمة العيش؛ إذ يُصادف في عمله اليومي مشاهد مقلقة: منازل كانت نقاطاً عسكرية، وأبواب مفخّخة، وبقايا بشرية غير مدفونة، وتشقّقات خطيرة في الجدران والأساسات، وأرضيات مشبوهة قد تكون مزروعة بألغام تحت البلاط. وحين يلاحظ نايف مثل هذه المؤشّرات، يُبلغ أصحاب المنازل بضرورة تأمين المكان وفحصه قبل البدء بأي أعمال ترميم.
ووفقاً لشهادات ميدانية متعدّدة، بدأت تظهر فرق «مختصّة» مأجورة تُجري عمليات تطهير من الألغام والتخلّص من الذخائر غير المنفجرة، بتكلفة تتراوح بين 100 و500 دولار تبعاً للمساحة وطبيعة الخطر، وترتفع أكثر في حالة الأراضي الزراعية. وهكذا تتحوّل «العودة الآمنة» عملياً إلى امتياز لا يستطيع تَحمُّلَ كلفته معظم العائدين ومنهم محمد، الذي لم يجد قريته «محرَّرة» أو «مطهَّرة» بانتظاره، بل مُثقلةً بالدمار وبقايا التحصينات العسكرية والخنادق الملغَّمة تحت البيوت. ولم يخضع منزله، الذي تم تعفيشه بالكامل، لأي فحص هندسي أو إزالة ألغام ممنهجة، ولم تكن ثمة إشارات تحذيرية، كما لم يملك ما يكفي من المال لتوظيف إحدى الفرق المختصّة. هكذا وقعت مسؤولية تَفحُّص البيت والتأكّد من سلامته على عاتقه وحده، ففي إحدى الغرف اكتشفَ خندقاً بعمق يقارب ثلاثة أمتار، وأشرطة كهربائية تُشير إلى وجود ألغام. حاول التواصل مع الجهات المختصّة مراراً من دون جدوى، وبعد أسابيع من الانتظار قال: «طمرنا وتوكّلنا على الله». وهكذا دفعت الحاجة إلى سقف يحمي عائلته محمداً إلى التعايش القسري اليومي مع خطر دائم.
من أنفاق مُشتبَه بتفخيخها في تل رفعت – تصوير محمد الشايب (2025) ولم يكن لقاء أم زياد مع بقايا الحرب أقلَّ قسوةً من عودة محمد. بمزيج متداخل من الفرح والحزن والخوف، وجدت نفسها مع طفلها اليتيم تُحاول ترميم ما تبقّى من عائلة مبتورة بعد غياب زوجها ووالدها، داخلَ منزل لا يضمُّ سوى جدران متصدّعة وسقف آيل للسقوط. وعلى الرغم من جهود الفرق الهندسية في تطهير المنزل من مخلّفات الحرب والتأكّد من خلوّه من الألغام، فإنّ الأراضي الزراعية الواقعة خلفه، والتي لا تملك المال لتطهيرها، لا تزال مُلوَّثة ببقايا الذخائر التي تنتظر بصمت مرعب أن تترك أثرها محفوراً في ذاكرةٍ ما زالت تُكتَب.
جهود تطهير العودة «لا تكفي»
في المشهد الميداني للعودة، تبرز شهادات خبراء إزالة الألغام بوصفها نافذة تكشف حجم الكارثة الصامتة الكامنة تحت التراب، وتكشف في الوقت ذاته النقص الحاد في التعامل المؤسسي والميداني مع هذا المستوى من الدمار والتلوّث الناجم عن مخلّفات الحرب. فوفقاً للمهندس ميسرة أبو عبد الله، أحد قادة فرق إزالة الألغام المتطوّعة في شمال سوريا والبادية، فإنّ فتح مناطق كثيرة كما لو أنها صالحة للعودة لا يستند في حالات كثيرة إلى عمليات تطهير شاملة. وتُشير تقارير منظمة MAG إلى أنّ موجات العودة العشوائية وغير المُنظّمة في سوريا أسفرت في كانون الأول 2024 وحده عن ما لا يقلّ عن 75 حادثة ناجمة عن انفجار ألغام وذخائر غير منفجرة، أودت بحياة 64 شخصاً وأوقعت 105 إصابات. وبحلول نهاية عام 2025، ارتفع العدد الإجمالي إلى 865 حادثة، خلّفت 1592 ضحية، بينهم 585 قتيلاً و1007 جرحى.
وتتباينُ الأرقام والتقديرات التي ترصدها المنظمات الأممية والدولية تبعاً لمناطق عملها، ووفقاً للبيانات المحدّثة من موقع Syria Weekly لعام 2026، فإنّ الشمال الغربي وممرَّ نهر الفرات في دير الزور والبادية تبقى من بين المناطق الأشد تلوّثاً. بينما تُشير تقديرات شهر أيلول (سبتمبر) 2025 لـ«سوريا بالأرقام» الذي تنشره مؤسسة كرم شعار للاستشارات أن محافظة دير الزور ملوثة بنحو 316,000 لغم منتشر في الأراضي الزراعية والمناطق السكنية، فيما يُعاني ريف حمص الشرقي من وجود ما يقارب 350,000 لغم.

خريطة تظهر مواقع تنتشر فيها الألغام العنقودية بحسب منظمات حقوقية، من بينها الشبكة السورية لحقوق الإنسان وهيومن رايتس ووتش، استخدمت جميع أطراف الصراع، بما فيها فصائل المعارضة وقوات سوريا الديمقراطية (قسد) والنظام السابق وتنظيم الدولة الإسلامية والميليشيات المختلفة، الألغام الأرضية من دون خرائط توضّح مواقع انتشارها. ويُشير المهندس ميسرة إلى أنّه على الرغم من العثور على بعض خرائط توزّع الألغام في المناطق التي سيطرت عليها قوات السلطة الانتقالية تباعاً خلال عملية «ردع العدوان»، فإنّها لا تُغطّي أكثر من 40 بالمئة من المساحات الملوّثة. فضلاً عن ذلك، يصعبُ فهمُ جزء كبير منها، إذ كُتبت بلغات متعددة إلى جانب العربية. أمّا الخرائط التي عُثر عليها في المناطق التي شهدت تمدّد تنظيم الدولة الإسلامية والميليشيات، فمكتوبةٌ هي الأخرى بلغات مختلفة، نظراً لأنّ صفوف هذه الجماعات ضمّت مقاتلين وافدين من دول متعددة.
المهندس ميسرة أبو عبد الله خلال قيامه بأعمال التطهير من الألغام – المصدر أرشيف المهندس الشخصي ويُضيف المهندس ميسرة أنّ كل جهة اعتمدت نمطاً مختلفاً في زرع الألغام، ما أدّى إلى تنوّع كبير في أشكالها وطرق تفجيرها إلى حدّ يصعب معه التمييز بين لغم وآخر. يقول: «هناك ألغام مضادّة للآليات، وأخرى مضادّة للأفراد، منها روسية وإيرانية، ومنها محلّية الصنع، إضافةً إلى عبوات ناسفة مُصنَّعة بشكل بدائي وعبوات مربوطة بخيط أو بمسبحة أو بحجر. يمكن القول إنّ هناك مئات الأنواع، إذ عملت كل جهة وفق نمط مختلف، ما أنتج هذا التنوّع الخطير». ولم تتوقّف عملية زرع المخاطر عند الألغام وحدها، بل امتدّت إلى تفخيخ أدوات الحياة اليومية نفسها: تنكة السمنة، وشاشات التلفزيون، والأجهزة الكهربائية، وأكياس الطحين، وحتى علب المناديل الورقية. واستناداً إلى خبرته الميدانية على مدى السنوات العشر الماضية، يُقدّر المهندس ميسرة الألغامَ والذخائرَ غير المنفجرة بعدة ملايين، مُؤكِّداً أنّ الجهود الحالية لا تقترب من مستوى الاستجابة الكافية أمام هذا الكمّ الهائل من المخلّفات.
تعمل جهات متعددة على تطهير الأراضي السورية من هذه المخاطر، وجمع البيانات، وإجراء التدريبات، إضافةً إلى التوعية المجتمعية ودعم المتضررين، على مستويات متفاوتة. فعلى الصعيد الوطني، تضطلع بهذه المهمة وحداتٌ هندسية من المتطوعين والعاملين تابعة لوزارة الدفاع، والمركز الوطني لمكافحة الألغام التابع لوزارة الطوارئ وإدارة الكوارث، وهو جهة حديثة العهد تأسّست في نهاية 2025، تتولى تنسيق الجهود وتوحيدها مع مختلف الأطراف المحلية والدولية في مجالات المسح والإزالة والتوعية ودعم الضحايا. وعلى الصعيد الدولي، تنشط منظمات متخصّصة في إزالة الألغام، من بينها(Humanity & Inclusion) و(DRC) و(NPA) و(Halo Trust). وتمتد هذه الجهود لتشمل فرقاً ميدانية متنوّعة، تتراوح بين متطوّعين ومتطوّعات ذوي خبرة محدودة، ومنظمات المجتمع المدني والأهلي، إضافةً إلى المجالس المحلية والوجهاء.
كما تختبرُ وحدات الدفاع المدني تقنيات حديثة، من بينها الذكاء الاصطناعي والمُسيَّرات المزوّدة بتقنية المغناطيسية (Magnetometer)، القادرة على كشف الألغام والذخائر غير المنفجرة ومخلّفات الحرب حتى عمق ستة أمتار تحت سطح الأرض. وتتميّز هذه المُسيَّرات بقدرتها على تحديد وزن الجسم المكتشف وعمقه بدقّة عالية، وتصل سرعتها إلى ثمانية كيلومترات في الساعة، ما يمكّنها من مسح نحو عشرة آلاف متر مربّع في 35 دقيقة. غير أنّ جملة من التحدّيات الميدانية تَحولُ دون توسيع استخدامها في المستقبل القريب، في مقدّمتها صعوبات نظام تحديد المواقع (GPS) وضعفُ الإنترنت، فضلاً عن الكلفة الباهظة التي تتراوح بين 6 و25 مليون دولار سنوياً وفق تقديرات منظمة MAG، وتدهور البنى التحتية اللازمة للمُسوحات الميدانية وتحليل صور الأقمار الصناعية.
وعلى الرغم من الجهود المبذولة، فإنّ نسبَ التطهير لا تزال متواضعة أمام حجم التلوّث، فيما تتفاقم العوائق التي تُقوِّضُ فعالية العمل الإنساني على نحو مُقلق. إذ لا تتجاوز الأرقام إزالة عشرات الآلاف مما يُقدَّرُ بالملايين. ويكشف المهندس ميسرة أنّ الاستجابة الرسمية لمخلّفات الحرب لا تزال محدودة ومجزّأة في غياب خطة وطنية ممنهجة، وتعتمدُ إلى حدّ كبير على جهود تطوّعية محلّية، في ظل نقص حاد في المعدّات والكوادر والدعم اللوجستي والتقني. وتعملُ فرق الهندسة بأقصى طاقتها مستخدمةً أجهزة كشف معادن بدائية، في ظل نقص شبه كامل في الألبسة الواقية وغياب أي تأمين صحي أو تعويضات للعاملين، رغم الخسائر البشرية الفادحة في صفوفهم: قُتل أكثر من 70 عنصراً من فرق الهندسة وأُصيب نحو 250 آخرين منذ سقوط نظام الأسد. ويُضيف ميسرة أنّ الدعم الدولي يكاد يكون غائباً، باستثناء اجتماعات «شكلية مليئة بالوعود» تُعقَد من دون أن تُفضي إلى نتائج ملموسة.
مقامرة العودة ومبادرات أهلية «قاتلة»
يُشجّع عبد الناصر المخلف، أحد وجهاء ريف دير الزور الشرقي، النازحين على العودة بكرامة للمساهمة في إحياء قراهم وإعادة بنائها. «الحافز الأوّل للعودة هو سقوط النظام»، يقول عبد الناصر، مُضيفاً: «أبني خيمة فوق ركام بيتي وأكون عزيزاً فيها، أفضل من أن أكون نازحاً». ولا يُخفي أنّ معاناة النازحين لا تنتهي بالعودة، في ظل غياب الدعم الذي كانت تقدّمه المنظمات الدولية للعائدين من مخيمات النزوح الداخلي. ويُضيف: «بالنسبة للسلطات حديثة العهد… لا نحمّلها المسؤولية، فلديها من الملفات ما يشغلها عن دعم النازحين». في مواجهة هذا الفراغ، يعمل عبد الناصر مع مجموعة من الوجهاء والمتطوّعين وأصحاب الاختصاص على دعم العائدين عبر توفير مساكن مؤقّتة، وتقديم دعم لوجستي لفحص المنازل والتأكّد من خلوّها من المخاطر وسلامتها الإنشائية. كما يقدّمون مساعدات مالية محدودة تسدّ الحدّ الأدنى من احتياجات العائدين. وبالتالي، لا يقتصر الخلل على غياب الحماية والمساءلة فحسب، بل يتجاوز ذلك إلى إنتاج منظومة موازية وخطيرة تُدفَع فيها المجتمعات المحلية إلى ملء هذا الفراغ بأجسادها. فيُطلَب من العائدين تَفحُّص منازلهم ومحيطها بأنفسهم والإبلاغ عن أي مؤشّرات خطر، في غياب فرق مختصّة أو دعم تقني ولوجستي قادر على الاستجابة السريعة.
وتتكاثر المبادرات المجتمعية القاعدية الساعية إلى تمكين العودة ومَلء الفراغ. ومن بين هذه المبادرات، جاءت عودة الشاب الثلاثيني محمد الشاضي إلى المريعية في ريف دير الزور. فعلى الرغم من يقينه بأنّ القرية مدمّرة وغارقة في مخلّفات الحرب والألغام، دفعه مزيج من الحنين والشعور بالمسؤولية إلى العودة. اكتسبَ محمد خبرة أولية في تمييز الذخائر غير المنفجرة خلال سنوات خدمته في الجيش الحر، فوجد نفسه مع شابين آخرين يمتلكان خبرات مشابهة أمام مسؤوليات ثقيلة لا يتهافت أحد على تَحمُّلها آنذاك. إذ تُعَدّ المريعية ومحيط مطار دير الزور من أكثر المناطق تلوّثاً بالألغام والذخائر غير المتفجّرة، وتحمل بصمات القوى المتنازعة التي مرّت على المنطقة، بدءاً من النظام السوري السابق، مروراً بالقوات الروسية وتنظيم الدولة الإسلامية والميليشيات الإيرانية، وصولاً إلى فصائل أخرى خلّفت وراءها موتاً مُؤجَّلاً ينتظر حصد مزيد من الأرواح. وهكذا، مع كلّ عائلة تحمل أمتعتها وتعود، كان وما يزال ثمة احتمال مرعب بأن يتسبّب لغم أرضي أو قذيفة غير منفجرة في فاجعة جديدة.
«كنّا نعمل من الساعة الثامنة صباحاً حتى الرابعة عصراً كل يوم، ولمدّة خمسة أشهر بعد التحرير»، يقول محمد، إذ تحوّلَ مع زملائه إلى فريق تطوّعي يستجيب لاحتياجات العائدين في إزالة الألغام والذخائر غير المنفجرة، في ظل غياب فرق مختصّة قادرة على تلبية الطلب المتزايد مع تصاعد أعداد العائدين وعشوائية توافدهم. لم تكن لدى الفريق أي إمكانيات حقيقية: لا آليات، ولا تجهيزات وقاية، ولا أجهزة كشف متخصّصة. كانت الأدوات بدائية، والمعرفة مُستقاة من التجربة أو من خلفيات عسكرية سابقة أو تدريبات سابقة. كانت القنابل العنقودية تُحرَق في مكانها، والقذائف تُجمَع وتُنقَل يدوياً، والألغام تُفكَّك تحت ضغط الوقت، مع تصاعد عودة الناس غير المُنظّمة إلى منازل لم تُطهَّر.
إلا أن الفاجعة هذه المرّة كانت من نصيب فريق محمد، فخلال إحدى عمليات التفكيك، كان الفريق يحاول إزالة لغم يُعرَف باسم «شَرَك»، وهو لغم أرضي مضادّ للأفراد صُمِّمَ باستخدام خدع تكتيكية تهدف إلى إرباك عمليات الكشف والتدمير وتضليلها. يتميّز هذا النوع بخصائص معقّدة، أبرزها اعتماده على طبقات متعددة تدمج أكثر من دائرة تفجير أو آلية استشعار (بصرية أو مغناطيسية أو اهتزازية) ضمن لغم واحد أو مجموعة متقاربة، بحيث يؤدّي تعطيل إحدى الطبقات إلى تنشيط أخرى. في تلك العملية، استُشهِد قائد المجموعة، وأُصيب محمد بجروح بالغة. وبعد غيبوبة استمرّت أشهراً، استيقظ ليجد نفسه فاقد البصر في إحدى عينيه بعدما فرغَ محجرها تماماً، فيما تحتاج الأخرى إلى عملية جراحية باهظة لزرع القرنية. لم يكن ذلك حادثاً استثنائياً، بل نتيجة مباشرة لواقع تُفرَض فيه العودة إلى الخطر في ظل قصور حاد في الدعم وغياب شبه كامل للمُساءلة. فرغم هذه الخسائر، لم تتبع الحادثةَ آنذاك أي استجابة رسمية كما يقول محمد: لم تُرسَل فرق هندسية بديلة، ولم تُعزَّز الإمكانيات، ولم يُفتَح تحقيق. تَحوَّلَ الفريق ببساطة إلى رقم في الإحصاءات، وبقي شريط الألغام المحيط بالقرية قائماً حتى اليوم.
ولم تقتصر آثار «العودة الملغومة» على فقدان محمد بصره، بل امتدّت الفاجعة إلى أحد أفراد عائلته أيضاً. فقد أُجبرت أسرة شقيقته ندى على العودة بعد تفكيك مخيم أبو خشب في ريف دير الزور الغربي ورحيل سكانه إثرَ انقطاع المساعدات وغياب أي بديل. وعند عودتهم، وجدت العائلة أنّ «الكَاع مليانة» بالقنابل العنقودية والذخائر غير المنفجرة، منتشرة في الجدران والأسقف والأراضي المحيطة. وعلى الرغم من جهود محمد وفريقه في تطهير المنزل، فإنّ الرهان على العودة إلى مكان لم يُنزَع سلاحه بعد كان خاسراً. فأعاد صوت الانفجار إلى ندى كوابيس الحرب في حاضر دموي، لتجد ابنها محمود غارقاً في دمائه وقد انفصلت يده من الرسغ.
وفي ظل الشلل الذي يعانيه القطاع الصحي في محافظة دير الزور، وفق شهادات كوادر طبية عاملة في المنطقة، وجدت الأسرة نفسها تتنقّلُ بالطفل المصاب بين نقاط طبية متفرّقة، ثم إلى المشفى العسكري والمشفى الوطني في المدينة. وفي نهاية المطاف، نُقِلَ محمود إلى مشفى المواساة في دمشق، حيث بُتر ما تبقّى من يده، فيما لا تزال العائلة تتكبّد نفقات باهظة في محاولة يائسة لإنقاذ ساقه من مصير مماثل.
بعد سماعها بالحادثتين، تواصلت منظمة Handicap International مع العائلة وقدّمت لهم جلسات توعية لتجنُّب مخاطر الألغام، كما تواصلت مع فرقة مسح ألغام لتطهير المنزل ومحيطه من المخلّفات. يُعلّق محمد بمرارة، متعجّباً من الحاجة إلى توعية شخص كان يعمل أصلاً مع مخلّفات الحرب ويملك خبرة في التعامل معها، ولا سيّما بعد إصابته وإصابة ابن أخته. ويُشير إلى أنّ الحاجة الحقيقية للتوعية تكمنُ في المدارس وبين الأطفال، الذين لا يملكون الحدّ الأدنى من القدرة على التعرُّف إلى الأجسام الغريبة التي تملأ مسارات حياتهم اليومية بين المنازل والمدارس، فضلاً عن إدراك خطورتها أو كيفية تجنّبها. ويختصر محمد الشاضي هذا الخلل قائلاً: «أكثر الإصابات عند الأطفال… التوعية لازم تكون بالمدارس، مو بعد ما ينصابوا».
عن مفارقةِ العودة
في أدبيات الهجرة القسرية، ترتبط «الغربة» و«المنفى» و«النزوح» ارتباطاً وثيقاً بكلمة «العودة» بوصفها رغبة ومؤشّراً حقيقياً لكثيرين على انتهاء العذاب النفسي المُترافق مع «اللاعودة»، ذلك التمزّق الجغرافي والزماني عن موقع انتماء يُطلِق عليه كثيرون اسم الوطن والمسكن. فالعودةُ في معناها الشائع تُقدَّم كخاتمةٍ لرحلة المنفى وبداية لاسترجاع الحياة المسلوبة بعد التيه. بينما يشترط المفهوم القانوني لـ«العودة الطوعية»، للنازحين واللاجئين على حد سواء، أن يكون القرار شخصياً حراً، مُستنداً إلى معلومات كافية، ودون أي ضغط أو إكراه. ويُدينُ القانون الدولي الإنساني وحقوق الإنسان العودة القسرية، سواء كانت مباشرة كالطرد والترحيل، أو غير مباشرة عبر خلق ظروف تدفع قهراً إلى العودة. ورغم أنّ هذا المبادئ تنطبق تقليدياً على حالات اللجوء عبر الحدود، فإنّ روحها تشمل أيضاً النازحين داخل بلدانهم متى كانت مناطق عودتهم غير آمنة. فالعودة حقٌّ من حقوق النازحين واللاجئين، لكنها ليست واجباً عليهم ما لم تتوافر شروطها. ولعلَّ أبرز ما خلصت إليه المنظمات الحقوقية هو ضرورة عدم التعجُّل في إعلان سوريا مكاناً صالحاً للعودة الجماعية. إذ أن الحال في سوريا اليوم، وإن شهد انخفاضاً للأعمال القتالية، ما يزال يفتقر إلى الشروط الدنيا للعودة الآمنة والكريمة.
يكشفُ هذا التحقيق مفارقة العودة في الواقع السوري: فهي ليست نهاية اللّاعودة. فالعودة في قصصنا فعلٌ تحكمه الضرورة أكثر من الإرادة، وتُثقِلهُ سياسات محلية ودولية مفروضة مغلفة بكلمات براقة كـ«الطوعية» و«الآمنة» دون أن تُحقِّقَ مقوّماتها الفعلية على الأرض. والمفارقة هنا أن تُقدَّمَ العودةُ بوصفها «حلّاً إنسانياً» وإنهاءً لآلام النزوح، حيث يُقاس الأمان بالعبور لا بإمكانية الحياة بعد الوصول. فيصطدم الحلم المُنتظَر بواقعٍ عنيف تسكنه أشباح الحرب: ملايين من الألغام والذخائر غير المنفجرة وسائر مخلّفات الحرب، ودمار واسع في البنية التحتية، ومبانٍ مهدَّدة بالانهيار في أي لحظة. ولا تزال قرى كاملة، ولا سيّما تلك الواقعة على خطوط المواجهة السابقة، غير صالحة للحياة فعلياً، رغم عودة بعض سكّانها مدفوعين بعوامل متداخلة، منها إرهاق النزوح والتعلّق بالأمل وغياب بدائل واقعية. هكذا تتحول «العودة» عملياً إلى نزوح عكسي، يُعيد إنتاج العنف في مكان ملغوم مدمر مسلوب الذاكرة.
في غياب خطة وطنية واضحة وشاملة تعمل بمنهجية موحّدة حتى اليوم، يبقى السؤال قائماً عن الجهة التي تتحمّل المسؤولية الأكبر في إخلاء المخيمات دون وضع معايير تضمن عودة آمنة على جميع الأصعدة الإنسانية واللوجستية والبيئية. فلا يبدو أنّ الجهات التي تحلم بسوريا خالية من المخيمات بنهاية 2026 قادرة على الاضطلاع بمهام تكاد تكون شبه مستحيلة، وتحتاج إلى وقت حقيقي لضمان تكاملها. فعملية التطهير تتطلّب دعماً تقنياً ومالياً ضخماً، فضلاً عن تطوير آليات منهجية لتوثيق البيانات، وبناء شبكات فعّالة للتواصل والاستجابة الفورية، وتدريبات متخصّصة للفرق العاملة وفق المعايير الدولية التي تكفل احترام حقوق السكن والأرض والمُلكية، والحدّ من الأثر البيئي لعمليات التطهير ذاتها. وبالتالي، فإنّ أي حديثٍ آملٍ بـ«انتهاء أزمة النزوح» قريباً هو حديث سابق لأوانه، وينطوي على مجازفة بحياة الناس وحقوقهم، بل ويتلاعب بأحلامهم الصغيرة التي أبقتهم صامدين حتى اليوم.
لا أُخفيكم قولاً، «العودة» بهذه الطريقة مُقلقة، وأكتبُ هذه الكلمات بوعيٍ ثقيل، مُدركةً ما تحمله من حساسية وما تُثيره من تساؤلات. ليست هذه محاولةً للتهرّب من الأمل، ولا انتماءً إلى معسكر المُشكِّكين، بل تسجيلاً صادقاً لشعورٍ يرافق كثيراً من المهجّرين والنازحين السوريين، ممّن باتوا يرون في «العودة» مفهوماً مُعلّقاً، مُحمّلاً بتناقضات الذاكرة والسياسة، وبانفجار العنف وانتشاره في الجغرافيا السورية، وبغياب المُساءلة عن معايير أمان العودة في الواقع المعاش. فالعودةُ في حاضرنا هذا ليست مجرّد عبورٍ عكسيّ لخطّ النزوح، بل هي مواجهةٌ حقيقية، مادية وملموسة، لما خلّفته الحرب وما سلبته؛ مواجهة تضع مرآةً تُسقِط القناع عمّا احتفظت به الذاكرة من جمال الماضي، وتكشف حقيقة الدمار الذي لحق بما أبقى حلم العودة حيّاً.
لإعادة تموضع العودة كنهايةً للمحنة، يجب أن يُعاد صياغة مفهوم «الأمان» لا بوصفه انتهاءَ النزاع المسلّح أو إسقاط النظام فحسب، بل بوصفه حقّاً في بناء أُسس حقيقية للعيش الكريم والعدالة المكانية والبيئية، وأن تتحمّل الجهات الدولية مسؤولية رفع أسباب الخطر لا إدارته، وإعادة النظر في سياسات «العودة الآمنة» المفروضة من الخارج بوصفها حلولاً شكلية تُخفي هشاشة الواقع الميداني وسياسات الطرد المستمرة، وتقاعس المجتمع الدولي عن الاستجابة لها. إن استمرار تجاهل وضع خطة وطنية للعودة المدروسة، تُراعي خطورة ملف الألغام والذخائر غير المتفجرة بحجّة أولوية النهوض بالاقتصاد وتحريك عجلة إعادة الإعمار، يعني تحويل هؤلاء العائدين إلى ضحايا مؤجَّلين ليوم آخر.
-
