هناك ثلاث مزايا تحفزها على البقاء على الحياد والمراقبة، أولاها جني المال من ارتفاع أسعار النفط، وثانيتها ازدهار تجارة أسلحتها في الشرق الأوسط، وثالثتها استنزاف الاحتياطات الأميركية من الأسلحة والذخائر.
أشعل الهجوم الأميركي الإسرائيلي على إيران حرباً كبرى في الشرق الأوسط، انخرطت فيها أكثر من 12 دولة، وأعلنت دول أوروبية عدة استعدادها للمشاركة في عمل عسكري.
ولا شك أن انخراط داعمي أوكرانيا وموردي أسلحتها في حرب كبرى داخل الشرق الأوسط سيؤثر في الوضع هناك، عدا عن أن ما ستسفر عنه هذه الحرب من صواعق وعواصف اقتصادية وتغييرات جيوستراتيجية ينطبق عليها القول الشائع “مصائب قوم عند قوم فوائد”.
قد تؤثر الحرب في إيران بصورة خطرة على الاقتصاد العالمي، وتحدث خبراء حول عواقب تصاعد الصراع وعن أن روسيا قد تكون أكبر المستفيدين اقتصادياً وحتى عسكرياً من هذه الحرب.
اختارت موسكو تكتيك “التحوط الاستراتيجي” المتمثل في الحفاظ على التواصل مع جميع الأطراف دون التدخل في هذه الحرب، وأعربت علناً عن دعمها لإيران، لكنها لم تقدم أية مساعدة حقيقية.
هناك ثلاث مزايا تحفزها على البقاء على الحياد والمراقبة، أولاها جني المال من ارتفاع أسعار النفط، وثانيتها ازدهار تجارة أسلحتها في الشرق الأوسط، وثالثتها استنزاف الاحتياطات الأميركية من الأسلحة والذخائر.
أسعار النفط
يمر عبر مضيق هرمز أكثر من 20 في المئة من صادرات النفط والغاز العالمية. ومنذ اندلاع الأعمال العدائية أمرت إيران السفن بالعودة أدراجها، وتهدد بمهاجمة كل سفينة تعبر المضيق.
ونتيجة للعمليات العسكرية والهجمات المتبادلة، توقفت حركة الشحن في المنطقة بصورة شبه كاملة، إذ انخفضت الأحجام بنسبة 75 في المئة. ويرفض مالكو ناقلات النفط ببساطة المخاطرة بالإبحار. وإذا ما أغلق المضيق كلياً أو جزئياً، فسيكون رد فعل الأسواق ارتفاعاً حاداً في الأسعار.
يتوقع محللون أنه إذا استمر إغلاق المضيق لمدة شهر، فقد ترتفع أسعار الغاز في أوروبا إلى أكثر من الضعف. وأوقفت قطر والسعودية بالفعل إنتاج بعض أنواع الوقود.
هذا أمر بالغ الأهمية بالنسبة إلى روسيا، إذ يمثل النفط والغاز 45 في المئة من الموازنة الفيدرالية، وارتفاع أسعار النفط يعني جني مزيد من الأموال التي يمكن توظيفها في الحرب ضد أوكرانيا.
تراجع تمويل ودعم أوكرانيا
يؤكد المتخصص العسكري أليكسي ليونكوف، رئيس تحرير مجلة “أرسنال أوتيتشيستفا”، أن العملية العسكرية الخاصة في أوكرانيا لا ترتبط بصورة مباشرة بما يحدث في الشرق الأوسط، موضحاً أن هناك صلة غير مباشرة.
ويقول “بينما ينشغل الأميركيون بالشرق الأوسط، من غير المرجح أن يلتفتوا إلى طلبات أوكرانيا، بل إنهم في الواقع لم يولوا لها أي اهتمام على الإطلاق. وينطبق الأمر نفسه على الدول الأوروبية فقد تنضم متأخرة إلى العملية لجني ثمارها، ولكن في خضم ذلك، سيتحول اهتمامها ومواردها إلى هذه المنطقة. لذا، لا يمكن لأوكرانيا أن تعتمد على المستوى نفسه من الدعم الذي كان يصب في مصلحتها حتى الأمس القريب”.
وبحسب المتخصص العسكري ميخايلو أونوفرينكو، فقد تطور وضع مماثل خلال الحرب الإسرائيلية الأميركية السابقة التي استمرت 12 يوماً ضد إيران الصيف الماضي، وبمجرد أن بدأت الحرب تطول بدأ الحديث، بما في ذلك داخل العواصم الأوروبية، عن أن كييف ستتلقى موارد أقل.
وأوضح أونوفرينكو “هذا أمر منطقي، لأنه على أية حال فإن التصدي للهجمات الإيرانية المضادة ضد إسرائيل والقواعد الأميركية لا يتطلب فقط عدداً كبيراً من أنظمة الدفاع الجوي، ولكن أيضاً عدداً كبيراً من الصواريخ، والتي تنتج في نهاية المطاف بكميات أقل بكثير من تلك التي تُنفق في مثل هذه الاشتباكات”.
ورأى المتخصص العسكري “نلاحظ بالفعل انخفاض عدد الصواريخ وقاذفاتها لدى قوات كييف”. وصرحت القيادة الألمانية بذلك مراراً، مؤكدة استنفاد قدراتها، وأقر الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي بذلك، مصرحاً بأنهم يعانون نقصاً كارثياً في الصواريخ.
أسلحة للبيع
أما الفائدة الثانية فهي تجارة الأسلحة. فحتى خلال المرحلة النشطة من الأعمال العدائية، وافقت إيران على شراء 500 منصة إطلاق صواريخ فيربا و2500 صاروخ أرض-جو من روسيا. وتعد موسكو المورد الرئيس للأسلحة لإيران منذ عام 1979، إذ يأتي ثلث واردات الأسلحة الإيرانية منها، وتمثل كل صفقة عائدات إضافية للكرملين.
كيف سيتأثر الاقتصاد العالمي؟
في السيناريو الأساس، سيؤدي إغلاق مضيق هرمز ولو جزئياً لمدة أسبوعين أو ثلاثة أسابيع إلى ارتفاع أسعار النفط. ويعتقد المتخصص الاقتصادي بافيل سيليزنيف أن هذا سيؤدي إلى تسريع وتيرة انخفاض أسواق الأسهم في الولايات المتحدة وغيرها من الدول المرتبطة ارتباطاً وثيقاً بالدولار.
ستقع الضربة الرئيسة على الاقتصادات التي تعتمد على واردات الطاقة، أي الاتحاد الأوروبي والصين. ويشير المتخصص الاقتصادي ألكسندر أجييف إلى أن الصراع قد يؤثر في مسارات طريق الحرير العظيم، بما في ذلك الممر الشمالي الجنوبي، ويغير موازين القوى في آسيا الوسطى وبحر قزوين.
وبحسب عالم السياسة تيموفي بوروداتشيف، فإن روسيا ستستفيد من ذلك. سيتمكن الكرملين من بيع النفط بأسعار أعلى أو زيادة حجم الإمدادات، بما في ذلك عبر الوسطاء. ونظراً إلى عجز الموازنة، فإن هذا الوضع سيصب في مصلحة روسيا.
ومما لا شك فيه أن العملية العسكرية الأميركية الإسرائيلية ضد إيران أثرت بالفعل على الاقتصاد العالمي. فقد بلغت أسعار خام “برنت” أعلى مستوى لها خلال عام، وارتفعت أسعار الغاز في أوروبا بنسبة الربع، بينما ارتفعت أسعار الذهب والفضة بأكثر من ثلاثة في المئة. بالنسبة إلى الروس، فتحت هذه الأزمة نافذة فرصة غير متوقعة، إذ يمكن لارتفاع عائدات النفط والغاز أن يوقف تراجع الروبل. كما أن تحويل اهتمام الولايات المتحدة من أوكرانيا إلى إيران قد يجلب بعض الفوائد. فماذا يتوقع المتخصصون أيضاً؟
قطع الموارد الغربية عن كييف
الصراع مع إيران يجبر واشنطن ودول حلف شمال الأطلسي (الناتو) على تغيير أولوياتهم المالية والعسكرية بصورة عاجلة، إذ سيضطر البيت الأبيض وبريطانيا وفرنسا وألمانيا وغيرها إلى إعادة تخصيص الموارد، لأن هذه الدول لا تستطيع ببساطة الانخراط في الحرب ضد إيران، والحفاظ على مشاركتها في الصراع الأوكراني بالمستوى نفسه.
وصرح سفير روسيا المتجول روديون ميروشنيك بأن “الحرب في إيران لا تبشر بخير لكييف”، فالولايات المتحدة ستحتفظ بالصواريخ التي كان بإمكانها بيعها لحلف الناتو لإمداد أوكرانيا بها، لشن ضربات في الشرق الأوسط، علاوة على ذلك فقد تحول اهتمام العالم من كييف إلى طهران.
تتيح الفرصة الجديدة المتاحة للجانب الروسي ترسيخ مواقعه المكتسبة دون الحاجة إلى تقديم تنازلات متسرعة أو أحادية الجانب، وسينعكس ذلك أيضاً على خط المواجهة، إذ ستكتسب روسيا مساحة عملياتية لتعزيز مكاسبها وتوسيع نطاقها.
في المقابل، تقول خبيرة السياسة أناستاسيا غافريلوفا إن موسكو وواشنطن تعملان حالياً وفق مبدأ “السلة المزدوجة”، فهما تحاولان فصل الأزمة الإيرانية عن الحوار في شأن أوكرانيا، حتى لا تؤدي التناقضات الجديدة إلى تدمير عملية التفاوض المعقدة بالفعل.
ارتفاع الطلب على النفط الروسي
من جهته، يعد كبير المحللين في شركة “روسغوستراخ” للتأمين ميخائيل شولجين أن إغلاق مضيق هرمز والضربات على المحطات الإيرانية قد يحرمان السوق من 4 إلى 5 ملايين برميل من النفط يومياً، وفي ظل هذه الظروف ستتجاوز أسعار المواد الخام الـ100 دولار للبرميل خلال الأيام القليلة المقبلة.
خلال الثاني من مارس (آذار) الجاري ومع بداية التداول، ارتفعت العقود الآجلة لخام “برنت” إلى 81.50 دولار للبرميل، وهو أعلى سعر منذ يناير (كانون الثاني) 2025. إن علامة “أورال” الروسية للخام والنفط وللزيوت، والتي تكاد تكون متطابقة في خصائصها مع الأنواع الإيرانية، تعد الأكثر استفادة من هذا النقص.
تم شراء النفط الإيراني في الصين من قبل مصافي تكرير مستقلة، حديثة العهد في هذا المجال. ومن غير المرجح أن تفرج الصين عن احتياطاتها لصالحها. لذا، قد تتحول هذه المصافي إلى استخدام خام الأورال، وقد يؤدي هذا الطلب إلى تقليص الخصم على خام “برنت”.
وفي السياق ذاته، يتوقع المحلل ميخائيل شولغين أن يرتفع سعر الروبل وأن ينخفض سعر الصرف الرئيس. ويقول إن تدفق عائدات النفط إلى البلاد يخلق ظروفاً طبيعية لتعزيز العملة الوطنية. فإذا لم يتسبب الصراع في انخفاض الناتج المحلي الإجمالي العالمي، فسيحصل الاقتصاد الروسي على دفعة كبيرة.
علاوة على ذلك يُتوقع انخفاض في واردات الخدمات، فبسبب العمل العسكري في المنطقة سينفق الروس أموالاً أقل على العطلات في دول الخليج العربي، مما يحافظ على رأس المال داخل البلاد، وفقاً للمحلل ألكسندر إيفانوف.
الحرب كارثة لأوكرانيا
تلقي الحرب في الشرق الأوسط بظلالها المباشرة وغير المباشرة على أوكرانيا، متمثلة ليس فقط في الارتفاع الحتمي لأسعار النفط والغاز ومشتقات البترول نتيجة لمشكلات الملاحة في مضيق هرمز، بل أيضاً لأنها تشغل الدول الغربية عنها وتجعلها توجه اهتمامها لبؤرة نار أخرى أكثر أهمية وأكبر حجماً، لأن زعيمة العالم الغربي الولايات المتحدة هي المنخرطة فيها بكل ثقلها.
وأشار المتخصص سرغي ليونكوف إلى أن “وقود الديزل يعد الوقود المستخدم في معظم المركبات المدرعة، وبصورة عامة في جميع المعدات العاملة على الجبهة الأوكرانية، وبينما تنتج روسيا بنفسها ما تحتاج إليه قواتها على الجبهة تعجز أوكرانيا عن ذلك”.
وذكر أن الحكومة الأوكرانية بسبب المشكلات المالية المتوقعة تحاول بالفعل إيصال استغاثتها عبر لندن إلى الدول النفطية، التي تعاني أضراراً جسيمة جراء هجمات الطائرات الإيرانية المسيرة. وأضاف المتخصص “يقترح الرئيس الأوكراني فلودومير زيلينسكي أن تلجأ دول الخليج العربي إلى أوكرانيا لتعليمها كيفية مواجهة الطائرات الإيرانية المسيرة، وهذا بالتأكيد ليس مجاناً. وهذا يدل على أن الوضع المالي لكييف متردٍ، ومن غير المرجح أن يتحسن”.
فوائد أخرى
بحسب المتخصص الاستراتيجي العسكري ميخايلو أونوفرينكو، تستفيد روسيا من تحويل انتباه أعدائها إلى أماكن أخرى، موضخاً أن “قدرات أية منظمة أو دولة أو فرد محدودة. من المستحيل شن حرب على جبهات متعددة لفترات طويلة. الموارد غير كافية، سواء المالية أو المادية. لذلك، فإن تحويل الانتباه إلى إيران يقلل حتماً من القدرة على مواجهة روسيا دبلوماسياً وسياسياً واقتصادياً ومالياً، وما إلى ذلك”.
ويرى مدير مركز الظرف الاستراتيجي ألكسندر فوروبيوف أن فرصة واسعة سانحة للتحرك في إطار الاستراتيجية العسكرية، قائلاً “يركز الغرب ووسائل الإعلام العالمية على الشرق الأوسط والنفط. بإمكاننا أن نفعل في أوكرانيا كل ما فعلوه بإيران، بما في ذلك القضاء على القيادة السياسية والعسكرية الأوكرانية، التي نعتبرها عن حق إرهابية”، موضحاً أنه إذا حددت وزارة الدفاع هذا الهدف “فلن ينقذ زيلينسكي أي ملجأ”.
في الوقت نفسه تتزايد الأخطار جراء الحرب في الشرق الأوسط. وأشار فوروبيوف إلى أن “أوكرانيا، شأنها شأن شركائها الغربيين، ستبدأ بالتصرف بقسوة وعدوانية أكبر. في الواقع، لقد بدأت بالفعل في ذلك، بالنظر إلى الهجمات الدموية التي شنتها على إقليم كراسنودار مطلع مارس الجاري”.
وبحسب أونوفرينكو تتضاعف المخاطر، فمثل هذه الضربات ضد الدول دون إعلان حرب ممكنة تحت أية ذريعة. ويقول المتخصص “تبرر الولايات المتحدة وترمب حالياً الضربة ضد إيران بالإشارة إلى تهديد نووي تشكله تلك الدولة. خلال الوقت نفسه، يتضمن موقع البيت الأبيض الإلكتروني بياناً مؤرخاً أثناء الـ25 من يونيو (حزيران) 2025 يفيد بأن القدرات النووية الإيرانية دُمرت بالكامل”.
بحسب قوله، هذا كذب صريح. “السبب واهٍ للغاية. هذا خطر ليس على روسيا فحسب، بل على العالم أجمع. إحدى أقوى دول العالم – الولايات المتحدة المسلحة نووياً – تقدم على عمل عسكري في أي مكان في العالم بذريعة ملفقة”.
تقارير الإعلام الأميركي
أسهبت كبريات وسائل الإعلام الأميركي في مناقشة مدى تأثير الحرب في الشرق الأوسط التي تصب في مصلحة بوتين، قائلة إنه بينما تشن الولايات المتحدة هجوماً على إيران، تكتسب روسيا مكاسب خفية، لكنها تدفع في المقابل من رصيدها.
للوهلة الأولى، قد يبدو أن الولايات المتحدة وإسرائيل ستكونان المستفيدتين الرئيستين من الحرب في إيران، بينما ستهمش روسيا أكثر. إلا أن الواقع يخالف ذلك، كما ذكرت مجلة “فوربس”.
يشير تقرير المجلة إلى أن روسيا فقدت بالفعل نفوذاً كبيراً في المنطقة عقب سقوط نظام الأسد في سوريا. وقد يؤدي سقوط إيران إلى فقدان موسكو نفوذها بالكامل في المنطقة. وقد يؤدي ذلك إلى خسارة استثمارات الكرملين، بما في ذلك خط سكة حديد بمليارات الدولارات يربط روسيا بإيران، فضلاً عن اتفاق بقيمة 25 مليار دولار لبناء أربعة مفاعلات نووية جنوب إيران.
ويتابع أن روسيا لم تعد تعتمد على إيران. فقد أثبتت طهران، على وجه الخصوص، أهميتها البالغة لموسكو في بداية حربها الشاملة ضد أوكرانيا، عندما سلمت إيران طائرات “شاهد” من دون طيار إلى روسيا.
لكن منذ عام 2023، بدأت روسيا بإنتاج هذه الطائرات بصورة مستقلة. وقدمت إيران المشورة لموسكو حول كيفية الالتفاف على العقوبات المفروضة على البنية التحتية النفطية، لكن روسيا تمتلك الآن شبكات توزيع بديلة خاصة بها.
ثمة ثلاثة أسباب تجعل الحرب بين الولايات المتحدة وإيران مفيدة لبوتين، أولها ارتفاع أسعار النفط، مما يسمح للكرملين بتمويل الحرب ضد أوكرانيا، وثانيها أن إيران ستحتاج إلى الأسلحة الروسية أكثر من أي وقت مضى خلال الحرب، فمنذ عام 1979 استوردت موسكو ثلث مشتريات إيران من الأسلحة، وهو ما قد يوفر لها إيرادات إضافية.
وثمة فائدة ثالثة للعمل العسكري بالنسبة إلى موسكو، وهي أن الولايات المتحدة ستنفق احتياطها من الأسلحة والذخائر والصواريخ على حربها مع إيران، هذا الاستنزاف سيقوض قدرة الولايات المتحدة على تقديم الدعم العسكري لأوكرانيا، وهو ما يصب في مصلحة روسيا أيضاً.
وبحسب ما كتبه الصحافي مارك تشامبيون ضمن مقالة له في “بلومبيرغ”، يفيد الصراع الدائر بين الولايات المتحدة وإيران روسيا، إذ يقلل من احتمالية حصول أوكرانيا على صواريخ توماهوك، وقد يعيد إحياء الاهتمام بإمدادات الطاقة الروسية، ويمكن أن يعيد توجيه موارد أوكرانيا الدفاعية إلى مهام أخرى.
وأشار إلى أن السفن البحرية الأميركية تطلق صواريخ توماهوك على إيران لتدمير منصات الإطلاق والمصانع التي تعتمد عليها طهران لشن هجمات انتقامية. والسبب بسيط، تدمير الرؤوس الحربية على الأرض أكثر أماناً وأقل كلفة وأكثر فاعلية من تدميرها في الجو.
ووفقاً له، فإن وتيرة القصف الأميركي لإيران تقلل بصورة متزايدة من احتمالية تزويد أوكرانيا بصواريخ توماهوك، بالتالي تستفيد روسيا من الصراع.
تستفيد روسيا بالفعل من قرار دونالد ترمب شن الحرب على إيران، ولن تزداد هذه الفائدة إلا مع استمرار الصراع. ومع ذلك أكد أنه إذا “خسرت” موسكو حليفاً في صورة طهران، فسيكون ذلك “خسارة استراتيجية طويلة الأمد” بالنسبة إليها.
الحرب وموقع روسيا
الوضع المتفجر في الشرق الأوسط يؤثر في جوانب عديدة من حياة المواطنين الروس، وأثر بالفعل على سوق السياحة.
ويعتقد رستم دوساييف، وهو نائب في الجمعية التشريعية لمنطقة نيجني نوفغورود، أن الصراع سيؤثر في الجميع بلا استثناء. ويقول “نشهد الآن وضعاً حرجاً في الدول المجاورة لإسرائيل وإيران، اللتين تخوضان حرباً. تلغى الرحلات الجوية، وتسجل حالات وصول إلى الدول المجاورة. لذا، لن يزول هذا الصراع دون أثر، بل سيؤثر في الجميع بصورة متفاوتة. إيران، مثل بلدنا، من كبار موردي الطاقة في العالم. ترتفع أسعار النفط، وهذا في صالحنا، فكلما ارتفع سعر مورد الطاقة زادت إيرادات الموازنة الروسية، وبالنسبة إلى بلدنا يمثل هذا ضخاً إضافياً في الاقتصاد”.
ويوضح المتخصص العسكري سيرغي كوتشيروف “تستفيد روسيا من هذا الوضع لأن دفاعات كييف الجوية أصبحت أكثر عرضة للخطر، بالتالي فهي غير قادرة على حماية المنطقة من الضربات القادمة”.
ومن الإيجابيات الأخرى، إذا انغمس الرئيس ترمب في حرب داخل الشرق الأوسط، فمن الواضح أنه لن يكون لديه وقت لأوكرانيا. ويضيف كوتشيروف “يبدو أنه يجب تحرير دونباس دون انتظار إخراج القوات الأوكرانية منها، وهذا يمنحنا تفويضاً مطلقاً بسبب الحرب في إيران”.
أما في ما يتعلق بالوضع الاجتماعي والاقتصادي داخل روسيا نفسها، فيرى أن التوقعات ليست وردية. ويعود ذلك بالدرجة الأولى إلى استمرار العقوبات المفروضة على إمدادات النفط الروسي. لذا، سيتوقف كثير على كيفية استغلال القيادة الروسية للوضع المؤاتي المصاحب لارتفاع أسعار الطاقة.
التداعيات الإيجابية لروسيا
تخضع إيران للعقوبات منذ عقود، ومع ذلك فقد زادت إنتاجها النفطي بنحو 60 في المئة خلال الأعوام الخمسة الماضية. ومنذ عام 2002 يبلغ متوسط إنتاج البلاد 3.5 مليون برميل يومياً. كلف الإنتاج منخفضة، وتعمل إيران على تطوير أساليب استكشاف جديدة، بما في ذلك علم النباتات الجيولوجية. ومنذ أعوام عدة، تتعاون إيران بنشاط مع روسيا في تطوير حقول النفط والغاز.
لماذا قد تكون الأزمة الإيرانية مفيدة للاقتصاد الروسي؟ ببساطة لأنه قد يحصل على إيرادات إضافية كبيرة نتيجة زيادة الطلب على نفطه من كبار المستوردين، الهند والصين. مع ذلك، فإن هذا الصراع لا يفيد اقتصاد روسيا إلا على المدى القصير إذ يبقى السؤال، إلى متى سيستمر؟ وتجري مصافي النفط الهندية بالفعل مناقشات جادة لاستئناف عمليات شراء النفط من روسيا، لكنها قد تسعى أيضاً للحصول على خصم إضافي.
لا تقتصر فوائد اندلاع الحرب في إيران على استفادة روسيا من ذلك فحسب، إذ إن إيران خزنت ما بين 15 و17 مليون برميل من النفط في الشرق الأوسط وتحتاج إلى تجديد مخزونها، بل إن هزيمة طهران ستعود بالنفع على روسيا أيضاً.
فقد صرح المتخصص في مركز كارنيغي برلين سيرغي فاكولينكو “إذا انتهى الأمر بالانتصار على إيران، وتوقفت إيران عن كونها لاعباً في سوق النفط الموازية وانسحبت من السوق تماماً، فإن ما باعته إيران بصورة رئيسة للصين، هذه الحصة، ستذهب إلى روسيا”.
ويتوقع انخفاضاً حاداً في الخصومات على النفط الروسي خلال الأيام المقبلة.
كلفة سياسية
الصراع المتصاعد بين الولايات المتحدة وإسرائيل وإيران في الشرق الأوسط الذي قد يجلب لروسيا فوائد اقتصادية بقدر ما، يجلب لها في المقابل كلفاً سياسية باهظة. هذا ما أشار إليه المستشرق ومدير البرامج في المجلس الروسي للشؤون الدولية إيفان بوتشاروف، الذي اعتبر أن تصاعد التوترات في الخليج العربي لا يخدم مصالح موسكو موضوعياً.
قد يؤدي فقدان الثقة في طهران وتراجع الشراكة إلى عواقب سلبية طويلة الأمد على مكانة روسيا في الشرق الأوسط، فإيران لا تزال لاعباً رئيساً في المنطقة، وقد يؤدي إضعاف العلاقات معها إلى تقويض فعالية السياسة الخارجية الروسية الشاملة.
ويقول عالم الاجتماع ألكسندر برودنيك “تشكل منطقة الشرق الأوسط شبكة معقدة من المصالح بين القوى العالمية. إن سيطرة أي طرف على هذا المركز من شأنها أن تعيد تشكيل بنية القوى العالمية بصورة جذرية، بغض النظر عن نتيجة المواجهة العسكرية نفسها.
