ملخص
الحقيقة أن أدورنو كان هو من أضفى على أفكار “مدرسة فرانكفورت” تلك اللمسة الفنية المعمقة. ولا غرو في ذلك ما دامت سيرته كإنسان تفيدنا بأنه منذ صغره كان مولعاً بالموسيقى، إلى درجة أنه لاحقاً، بعد نيله الدكتوراه في الفلسفة، قصد فيينا ليدرس التأليف الموسيقي على يد المؤلف آلبن برغ صاحب أوبرا “لولو” بين أعمال كبيرة أخرى.
منذ ما لا يقل عن نصف قرن من الزمن، في الأقل، يعرف المهتمون بالفلسفة العملية أن ذلك التيار الفكري المسمى بـ”مدرسة فرانكفورت” كان من أكثر التيارات الماركسية صواباً، ولو فقط ضمن إطار نزعته النقدية التي نبّهت باكراً، ولأعوام عدة قبل ظهور النازية في ألمانيا، وتصاعد رديفتها الستالينية في الاتحاد السوفياتي، إلى الأخطار التي تواجه تطبيق نظريات كارل ماركس، إذ تحوّلت من دراسة تحليلية ونقد عميق للمجتمعات الرأسمالية، إلى دوغما تزعم لنفسها بناء ما راحت تسميه وكل منها على طريقتها، المجتمعات الاشتراكية.
و”مدرسة فرانكفورت” التي لن يبدأ نفوذها بالبروز عملياً وخارج نطاق الحلقات الأكاديمية في عالم الفلسفات القنية، إلا إبان استشراء الحركات الطلابية في ستينيات القرن الماضي، وبخاصة من خلال اسم الفيلسوف الألماني هربرت ماركوزه، أحد كبار مفكّري تلك المدرسة الذي، وكما فعل رفاقه في التيار نفسه بدءاً من ماكس هوركهايمر إلى ثيودور أدورنو مروراً بإريك فروم وفيلهلم رايش وغيرهم، لجأ إلى الولايات المتحدة في ثلاثينيات القرن الـ20 هرباً من النازية وعاش فيها وصار واحداً من أبرز مفكريها، كما كان من خلال كتابه الأشهر “الماركسية السوفياتية” واحداً من واضعي أسس النقد الفكري الماركسي – الفرويدي للجمود السوفياتي.
وإذ حقق ماركوزه شهرته أواخر الستينيات، بدأ عالم الفكر يهتم بزملائه من “الفرانكفورتيين” الآخرين، من ماكس هوركهايمر ووالتر بنجامين، إلى يورغن هابرماس، معاصرنا ووريثهم جميعاً، مروراً، بخاصة، بأكثرهم تنوعاً وأعمقهم وأصعبهم على الإطلاق ثيودور أدورنو، الذي كان من سوء طالعه أن يموت عام 1969، أي في العام نفسه الذي أصبح فيه كتاب زميله ماركوزه “الإنسان ذو البعد الواحد” مَعلماً من معالم الفلسفة الناقدة للنزعة الاستهلاكية التشييئية في القرن الـ20.
الفلسفة في الشارع
إذاً، عند موت أدورنو كانت الفلسفة النقدية الجامعة تراث كانط وهيغل وماركس، وربما فرويد أيضاً في بوتقة واحدة، كانت قد نزلت إلى الشارع، من خلال انهماك ذلك النوع من الفلاسفة في التساؤل والقلق حول مختلف سمات الحياة اليومية، غير فاصلين، وكان هذا جديداً على الماركسية، بين البنى الفوقية والبنى التحتية. ولم يكن غريباً، على أية حال أن يبرز أدورنو، إذ انتشرت كتبه وترجمت، بصفته واحداً من الذين اهتموا أكثر من زملائه بالتأمل الفلسفي للحياة اليومية ودور الفنون فيها، مطوّراً أداء “مدرسة فرانكفورت” في تأمل النتاجات الفنية، فأدورنو اهتم باكراً بـ”دور الفن في المجتمع” وهي فكرة سيتبناها هربرت ماركوزه لاحقاً ليجعل في كتابه “نحو التحرر” من الفن سبيلاً إلى الخلاص يكاد يكون متفرداً، ما دامت الثورات لم تعد قادرة على أن تجيء من طريق الطبقات العاملة، “صاحبة المصلحة” فيها.
والحقيقة أن أدورنو كان هو من أضفى على أفكار “مدرسة فرانكفورت” تلك اللمسة الفنية المعمقة. ولا غرو في ذلك ما دامت سيرته كإنسان تفيدنا بأنه منذ صغره كان مولعاً بالموسيقى، إلى درجة أنه لاحقاً، بعد نيله الدكتوراه في الفلسفة، قصد فيينا ليدرس التأليف الموسيقي على يد المؤلف آلبن برغ صاحب أوبرا “لولو” بين أعمال كبيرة أخرى.
ولسوف نجد آثار علاقته بآلبن برغ في واحد من أفضل الكتب التي وضعها أدورنو في حياته “فلسفة الموسيقى الجديدة”، كما في دراسته المعمقة حول فاغنر.
من شونبرغ إلى الموسيقى عموماً
يعتبر كتاب أدورنو “فلسفة الموسيقى الجديدة” عملاً فريداً من نوعه في زمنه، بل إن القرن الـ20 كله، على رغم ألوف الكتب التي وضعت عن الموسيقى والموسيقيين خلاله، لم ينتج ما هو مماثل له.
ومع هذا، لم يوضع الكتاب أصلاً ككتاب، بل كان في الأصل دراسة عن شونبرغ، أضاف إليها أدورنو لاحقاً بعد سبعة أعوام دراسة أخرى عن إيغور سترافينسكي، ونشرهما في الكتاب المذكور مع مقدمة أسهب فيها، في دراسة هذه الموسيقى الجديدة وعلاقتها بمجتمع الاستهلاك.
في “فلسفة الموسيقى الجديدة” يحاول أدورنو أن يطبق على “هذا الفن الذي هو من بين أكثر الفنون سموّاً”، نظرياته حول المسألة الجمالية التي سيكرس لها كتابه الأخير الذي لم ينشر، على أية حال، إلا بعد موته، مركزاً على عملية الاستهلاك الجماهيري للثقافة، و”قدرة المجتمع الصناعي على تحويل الثقافة الحقيقية إلى ثقافة جماهيرية استهلاكية”، ما أوصله، على رغم ماركسيته المعلنة دائماً، إلى أن يرفض لاحقاً “الوهم الماركسي حول حتمية التقدم” وكذلك “أفكار التنوير التفاؤلية”، خصوصاً أن “القمع” في المجتمعات المعاصرة لم يعد من الضروري له أن يتم من طريق الجيوش والأسلحة ورجال الأمن، بل صار “أميراً حديثاً” يمارس ذاته من طريق السيطرة على أجهزة الإعلام، وتسخير الفنون والأفكار والمفكرين لمصلحته. وهذا ما يوصل أدورنو إلى القول إن “التلاعب الأكثر فاعلية الذي يمارسه هذا الأمير الحديث، إنما يظهر في المجال الفني أكثر مما في أي مجال آخر، بمقدار ما يتمكن الفن من استيعاب الاحتجاجات الحقيقية وتزييفها والالتفاف عليها”. واللافت هنا أن أدورنو رأى باكراً كيف ينطبق كلامه هذا، حتى على الموسيقى التي كان يفترض بها أن تظل دائماً قادرة على إعطاء صدقية لما قاله أستاذه الكبير هيغل، عن الفن عموماً، إذ يقول في الجزء الثالث من موسوعته “علم الجمال” “لأننا في الفن لا نجدنا إزاء لعبة لذيذة ونافعة، بل أمام الحقيقة وقد برزت أمام أعيننا”. وأدورنو، من خلال دراسة تتوقف بإسهاب عند الموسيقيين غوستاف مالر وفاغنر، مثلما تتوقف عند آلبن برغ وشونبرغ وسترافينسكي، سيقول لنا لماذا؟
التعبير الأخير عن براءة الفن
بالنسبة إلى ثيودور أدورنو، الذي عاش ردحاً من حياته في فيينا وغاص فيها في صلب قضية الموسيقى الجديدة ستكون تلك الموسيقى آخر التعبيرات البريئة عن “الحقيقة في الفن”. ومن الأمور ذات الدلالة أن يكون أدورنو قد وضع دراسته الأولى التي ترد في الكتاب، عام 1938، وتناول فيها بالتحديد “الطابع الضمني للموسيقى وتراجع الاستماع”، مركزاً على تجديدية شونبرغ وطليعيته التي تُمَوضع أصلاً الموسيقى الجديدة خارج البعد الجماهيري الاستهلاكي.
ويتضح بقوة في عمل أدورنو، أن هذا المفكر إنما كان قد حدّد لنفسه في تلك الدراسة الأساسية، هدفاً مثلثاً، نجده ماثلاً ومتشعباً في صفحات الكتاب ككل، ثم واضحاً في المقدمة العامة للكتاب:
أولاً، الإشارة إلى التبدلات التي طرأت على وظيفة الموسيقى المعاصرة. ثانياً، التشديد على التغيرات الجوّانية التي تطاول الظواهر الموسيقية على ضوء إطار الإنتاج التجاري الجماهيري للفنون الموسيقية.
وثالثاً، القول بالكيفية التي تمتد بها بعض التغيرات الأنثروبولوجية التي تطاول هذه المجتمعات المقولبة تبعاً لمقاييس محددة، لتصل حتى داخل بنية الاستماع إلى الموسيقى. ولقد بنى أدورنو عمله كله هنا انطلاقاً من هذه الفكرة الأخيرة: كيف أن الموسيقى نفسها بدأت تخضع لتلك التغيرات.
وإذا كانت هذه الفكرة قد بدت جديدة وغير قابلة للتحديث في ذلك الحين، حين كان المذياع بالكاد انتشر وبالكاد كان إنتاج الأسطوانات يتزايد، فإن العقود التالية أعطت أدورنو الحق في تحليلاته وقرّبت منطقه من منطق التوقع الصائب في هذا المجال. وأدورنو بنى هذه النظريات انطلاقاً من بحث معمق في الموسيقى الجديدة، يرى روعتها ولكن أيضاً وقوفها عند حافة الهاوية: هاوية الغرق في الصيرورات التقنية، إذ إن موسيقى شونبرغ وسترافينسكي وبرغ، بالتناقض مع رومانسية مالر وفاغنر، جعلت من البعد التقني أراً أساساً، مما سيعطي التقنية، ومن ثم الصناعة فالتجارة الاستهلاكية، مكانة أساسية، ليس فقط في إعادة إنتاج الأعمال الموسيقية، بل أصلاً في كتابتها وسط مناخ يفتح الباب واسعاً أمام التقنيات، التي تبدو له، عدوة للأبداع، حليفة للحرفية والإنتاج المكثف.
دكتوراه في سن الـ20
كان أدورنو في الـ20 من عمره تقريباً حين نال عام 1923 شهادة الدكتوراه حول فلسفة إدموند هوسرل الظواهرية، وبدأ ينشر دراساته الفلسفية، لكنه عام 1938 قطع ذلك كله وهاجر إلى الولايات المتحدة حيث التحق بمعهد للعلوم الاجتماعية أسسه هوركهايمر في جامعة “كولومبيا”، كبديل واستطراداً لـ”مدرسة فرانكفورت”. وهناك تحت رعاية هذا المعهد ألف أدورنو ونشر معظم كتبه الأساسية، وهو عاد عام 1949، إلى فرانكفورت حيث أعاد تأسيس مدرستها.
