في كتابه “الكيانات الوظيفية… حدود الممارسة السياسية في المنطقة العربية ما بعد الاستعمار”، الصادر عن المؤسسة العربية للدراسات والنشر في عام 2021، يحاول هشام البستاني إلقاء القبض على الفروقات الجوهرية والفرعية ما بين الدولة الوطنية، أو الموطنية، أو القومية، وبين الكيان الوظيفي، رائيًا بوضوحٍ لا لبس فيه أن دولَنا العربية هي كيانات وظيفية نشأت في مرحلة ما بعد الاستعمار، معللًا رأيه هذا أن: “العامل الأساسي لِوجودها واستمراريّتها وبقائِها يتعلّق بشروطٍ تقع خارجها؛ القوى الإقليمية والدولية، الاقتصاد الرأسمالي العالمي واشتراطاته”، مع ما يحوزه هذان العاملان من إمكانيةِ “إحداث تغييرات اقتصادية واجتماعية كبرى، من خلال تدخلهما المباشر، أو غير المباشر، داخل هذه الكيانات، وبما قد يصل إلى تفكيكها وإدخالها في صراعات كبرى وإعادة ترتيبها وإخضاعها وإلغاء استقلاليّتها النسبيّة، وإدماجها، عُنْوَةً، في الاقتصاد العالمي” (الكتاب صفحة 23).
يقول البستاني في سياق تلمّسه الفروقات بين الدولة والكيان الوظيفي: “في حين تنطلق الدول من دوافع أساسية تتعلّق بزيادة النفوذ، وزيادة مساحات التأثير والإلحاق، تنطلق الكيانات الوظيفية من دوافع مجموعاتها الحاكمة بالبقاء” (ص 23). والحق يقال إن استخدام القاص الصديق لمفردة “دوافع” يحتوي على قدرٍ مبالغ فيه من الحصافة واللباقةِ واللياقةِ والوَقار، لأنه لو تُرِك الأمر لي لاستخدمتُ مفردةَ “اسْتماتة” أنظمتنا على البقاء مهما كانت أكلاف هذه الاستماتة المريضة المهْووسة المُنْبَتَّة عن آلام شعوبنا العربية وآمالِها وتطلعاتِها واصطفافاتِها وخياراتِها وقيمِها وعقائدِها وأحلامِها ومواجعِها، ومهما انحدر هذا (البقاء) بوصفه بقاءً معيبًا مهزومًا مذلًّا لا يُسمن ولا يُغني من جوع. في الفرق بين الدولة والكيان الوظيفي يتوقّف البستاني في محطّات لا يمكن مواصلة السير من دون التوقّف عندها؛ إنها محطّات: الجذور، الهويّة والتبعيّة. في سياق الجذور يطالع الكاتب دور اتفاقية سايكس بيكو في رسم الحدود الجغرافية و”السياسية” للكيانات التي خَلَفَت الدولة العثمانية في الوطن العربي، وكذلك دورها في “إعادة تشكيلِ النسيج الاجتماعيّ والإثنيّ والعشائريّ، واستحداث مشروعٍ استعماريٍّ استيطانيٍّ للحركة الصهيونية في الجنوب الغربي لسوريةِ الطبيعيةِ (فلسطين)، وخلق كيانات معوّقة تنمويًّا واقتصاديًا، وإعادة إنتاج علاقات الهيمنة المباشرة من مداخل جديدة أكثر تعميةً بعد “استقلالٍ” وهميٍّ، إذ لم تتعدّ حدود هذا الاستقلال الشّعار اللفظيّ بأيّ وقت من الأوقات، وبقيت المجموعات الحاكمة في المنطقة العربية، والنطّاقات الجغرافية التي تبسط سيطرتها عليها، تابعة (بدرجات متفاوتة من التبعيّة) للقوى الدولية وتوازناتها” (ص 51).
إن إنشاء كيانات مصممةٍ لتكون مفرغة من إمْكانات التحرر الذاتي الكامل، ومن إمْكانات التحوّل إلى الصناعة والتّنمية الرأسمالية المحلية، ومُعاد تشكيلها اجتماعيًا عبر تضخيم الهويّات الإثنية والدينية والطائفية والعشائرية، وتصميم بعضها لتشكّل بؤرًا للتوتر الدائم، أو الحجز والامتصاص، أسهم جميعه، وغيره، بضبط ساعات ولاءات هذه الكيانات على توقيت أسيادها الاستعماريين (هل تذكرون الجملة القديمة السمِجة عبر أثير إذاعاتِنا، وفي مستهل نشراتنا على كل قنواتنا: بتوقيت غرينتش؟). هذا الولاء (مهيض الجناح مكسور الإرادة) يظهر واضحًا في كل مرّة يتبنى فيها بعض أبناء هذه الكيانات، الذين كبروا وهم يتوهّمون أنهم رعايا دول وطنية موطنية، وأبناء “أمّة واحدة ذات رسالة خالدة”، مواجهةً مع الاستعمار الذي أنشأ هذه الكيانات (وعلى رأسه اليوم الاستعمار الأميركي)، أو مع وكيله الحصري: العدو الصهيوني! حيث تقمع هذه الكيانات الوظيفية، مباشرة ومن دون أي مراجعة نقدية أخلاقية عقلانية ممكنة، وتخوّن وتجرّم الشجعان من أبنائها ممن تبنّوا هذه المواجهة!
| سايكس وبيكو رسما الحدود بين الدول العربية في المشرق وخلقا كيانات وظيفية تخدم المصالح التي لا تنتهي للغرب |
ومقابل تمتّع المجموعات الحاكمة في هذه الكيانات بـ”إمكانيات حكْمٍ داخلية شبه مطلقة؛ إصدار القوانين (بما فيها المؤقتة) وتغييرها (وحتى تغيير الدساتير، كما حدث في سورية عام 2000، لتوريث بشار الأسد)، تطبيق القوانين وعدم تطبيقها، إنشاء البرلمانات وحلّها، الدعوة، أو عدم الدعوة لانعقادها، تزوير الانتخابات، الابتزاز والقمع والتعذيب والقتل ومصادرة الحقوق الأساسية للناس، الإيغال في الفساد والإفساد، تضخيم الانقسامات، ضرب بنى المجتمع المسيّس وتشويه تلك البنى وإلحاقها، التوريث، أو الوراثة الطبيعية، الحصانة المطلقة بحكم الدستور، أو الأمر الواقع” (ص 54)، فإنها، وفي المقابل، لا تملك (خارجيًا) إلا الانصياع لصنّاعها ومهندسي وجودها المتحكّمين بعدد رصاصات جيوشها، وتحديد وجهات هذه الرصاصات إن كان لا بد، في مناسبات داخلية، أو خارجية محسوبة بمسْطرة المستعمِرين (حروب ومواجهات وصراعات عربية ــ عربية، أو عربية ــ أعجميّة)، من السماح لها بالانطلاق من باغاتِها (مخازنها).
أما الهويّات داخل هذه الكيانات فهي في العموم الغالب ملتبَسة، انعزالية، خاضعة لتأثيرات كولونياليّة، مُتناقضة، وأحيانًا ملْجومة، أو ملاحقة مخابراتيًا، أو مضطهدة. وأمّا التبعيّة فحدّث ولا حرج! في هذا السياق يتبيّن لنا أن أميركا ترامب هي، أيضًا، كيانٌ وظيفيٌّ يسخّر الجمهور الحاضر الغائب فيه لخدمة الدولة العميقة المستأجرة صهيونيًا في معظم مكوّناتها، وهو ما يقوم به، في السياق نفسه، ترامب مؤمّلًا أن تردّ له هذه القوى الخفيّة الموصوفة أنها (السيد خمسة بالمائة (مستر فايف بيرسنت) Mr. Five Percent)، الخدمات بِمثلها، ومنها منحهُ فترةً رئاسيةً ثالثة (ثانية على التوالي وثالثة على التقطّع، مع ما ذلك من احتمالية تغيير الدستور الكاوبويّي، كما هي حال أي كيان وظيفيّ)، غضّ الطرف عن جنحِهِ وجرائمهِ وفضائحِه (ومنها فضائح الجزيرة إيّاها)، وخدمات اقتصادية شخصية له ولرَبْعِهِ، وما إلى ذلك. كما أن تجمّع العصابات الصهيونية في فلسطينِنا هو أيضًا كيانٌ وظيفيٌّ جرى تسخير عناصر هذا التجمّع جميعهم على اختلاف هويّاتهم ومللهِم ونحلهِم وتشرذماتِهم لخدمة شخص واحد موبوء يعبث بخُرافات هذه العناصر، ويداعب أطماعها، ويغسل أدمغتها، ويراهن على تشتّت خياراتها، ويدغدغ مكامن انحرافها عن المشروعية الإنسانية القويمة السليمة الحميدة، ناهيكم عن كونه كيانًا وظيفيًّا لخدمة أجنداتٍ استعماريةٍ خارجية. نحن، إذًا، أمام كيانين وظيفيين يجنّدان الكيانات الوظيفية في بلادنا لصالح أجندات كيانيّتهم، فإذا بشعوبِنا المغلوب على أمرها بين مَناشير (جمع منشار) هذه الكيانات جميعها بلا حول لها ولا قوّة، مهدّدة في حال تشخيصِها الواعي المنتبِه للواقع المريض المُبتلاة به، بِعواقب عبْثها بالأمن والأمان، وخروجِها عن القطيع، وتمرّدها على ثنائيةِ الوَلاء والبَراء، وتبنّيها أجندات خارجية! وقد تصل التّهم الجاهزة لدمغهِم بدمغةِ الإرهاب القابلة للتكييفِ بحسبِ أمْزجة المجموعات الحاكمة في ودْيان الكيانات الوظيفية ومختلف مناحي جغرافيّاتها الهشّة، وداخل حدودها منزوعة السيادة المرسومة بقلم الاستعمار وبِيكار الأشرار.
مثقّفو الكيانات…
وسط كل هذا وذاك، يطلع السؤال كأنه الوجع: ما دور مثقّفي الأمّة المقيمين في واحدة من هذه الكيانات؟ وهل يحملون، بوصفهم سدنةَ المعرفةِ المحصّنةَ بالوعي، المسْتلزمةَ اتّخاذ موقفٍ نافذٍ مثل الرمح، مؤهّلات وضع يدهم على الجرح أولًا، ثم إيقافَهم نزفه وفرضَهم بلْسمه ثانيًا؟ يعاني معظم المثقفين العرب العضويين من قلقٍ وجوديٍّ كالذي يعاني منه المنفيّ؛ إنه القلق الكفيل بأن يجعل المثقّف العربيَّ في حالة عدم استقرارٍ تمنعه من ممارسة دوره الفاعِل والحاسِم بوصفه “حاملَ رسالة، ومنارةَ رأي، وصاحبَ موقف، منحازًا لصفِّ الفقراء، والمستضْعفين، والمرغمين على الانْجرار والانْجراف لصالح أجندات المجموعات الحاكمة في الكيانات الوظيفية ومصالحها وألوياتها، ومتحررًا من أي تبعية لحكوماتٍ، أو شركاتٍ تسعى لاستقطابِه، وحريصًا، أخيرًا وليس آخِرًا، على تمثيل الأشخاص والقضايا التي عادة ما يكون مصيرها النسيان، أو التجاهل، أو الإخفاء”.
فهل يدرك المثقف العربي، وفْق ما تقدّم، مفصليةَ دورِه، وحساسيةَ مكانتِه، وخطورةَ خيانتِهِ لكلّ ذلك؟ وهل في مقدوره، رغم ما قد يدفعه من تضحيات، أن يقود العلاقة الجدلية مع سُلطات الكيانات، وبما قد يستدعيه هذا الجدل التضاديّ التصادميّ النقديّ المسْتند إلى أركان المعرفة وعضوية الثقافة ومباهج الوعي، من تحدٍ ونضالٍ مستميتٍ وصمودٍ، وصولًا إلى انتزاعِ حريةٍ قادرةٍ على تفكيك سرديّة المجموعات الحاكمة في الكيانات الوظيفية، وإحقاق حقوق الإنسان، وإبطال الباطل، وتقويض دعائم الفساد السياسيّ والإداريّ، مهما تعرّض له من ضغوطات معنوية، أو مادية، من نفيٍ واعتقالٍ وتعذيبٍ، ومهما واجههُ من خطابِ لامبالاةٍ وإقصاءٍ وتهميشٍ وطردٍ من الوظيفة ودفعٍ للجوءِ، أو تسييجِهِ بالإقامةِ الجبْرية؟
في سياق الاختيار بين الانضمام إلى استقرار المنتصرين والحكّام ووظائفهِم الكيانيّة، أو السير في الطريق الشاق بالوقوفِ مع المستضعفين، والانتصار لِمن يعانون، والاستماع لأنّات شعوبهِم ومكابداتهِم، اختار كثير من المثقفين العرب الجانب الخاطئ، ظانّين، بإثمٍ، أنّه الخيار الأسْلم والأضْمن والأجْزى لجيوبِهم المتطلّبة؛ إنفاقًا على السهرات والملذّات، وخضوعًا للنّزعة الاستهلاكية، فإذا بهم يديرون الظهر، إمّا بسبب جُبْنهِم وسلبيّتهم، أو لعيونِ أطماعهِم وأنانيّتهم وانتهازيّتهم، لِدورهم التاريخيّ الأخلاقيّ المبين، ويسْتعلوْن على البسطاء، ويتدحْرجون، عن سبقِ إصرارٍ وترصّد، نحو جبهة الطغاة، أو جبهات الأعداء، علمًا أن هذه من تلك، وأن الماء مهما خُضّ، أو رُوّب، أو استُحلب، يبقى، في نهاية المطاف، ماء.
لا أدري؛ هل العدوان على غزّة الموصوف أنه إبادة جماعية، أم ما يجري حاليًا من عدوان على إيران، أم ما يخبّئه لنا الاستعمار وتنفذه العصابات الصهيونية من مؤامرات وخرائط وترسيمات جديدة، أم كل هذا وذاك، هو ما دفعني للكتابة عن الكيانات الوظيفية، أم أنني أهْذي وأهذرفُ وأجدّفُ في منطقةٍ حَرام؟