ملخص
تغيب تماماً عن كل الشاشات سردية خبرية واحدة، لا يوجد واقع واحد، بل عشرات، ولا توجد حقيقة مؤكدة، بل حقائق عدة مرجحة، كل من وسائل الإعلام يحاول أن يلبي حاجات من يمثلهم ويخاطبهم حول أولوياتهم السياسية والأمنية والاقتصادية، مع وضع مصالحهم الوطنية في عين التغطية والتحليل
إنها الحرب نفسها، والدول الضالعة ذاتها، والصواريخ والمسيرات الموجهة، والخسائر المحققة نفسها، حتى البث الحي، ومقاطع الفيديو بعضها متطابق، وعلى رغم ذلك فإن الشاشات تقدم ما سبق من حقائق بنكهات مختلفة، يصعب التحقق من مكوناتها، لكن المتلقي يحصل على تجربة متابعة مختلفة للحدث الواحد، ربما من دون أن يدري.
الحرب الأكثر اتساعاً منذ الحرب العالمية الثانية، والأكثر احتواء على عناصر الإثارة والمفاجأة والصدمة، والأعلى تأثيراً في دول العالم، إن لم يكن لما تطرحه من تهديدات وتأثيرات في حركة التجارة وتصدير النفط وسلاسل التوريد، فبفعل ملايين العالقين، تطرح سرديات ورؤى وتوقعات عبر شاشات “رصينة” ومعظمها يقف على طرف نقيض من بعضها بعضاً.
حلقات الصراع المتجدد بين وقت وآخر في منطقة الشرق الأوسط، أكثر مناطق الكوكب التهاباً واحتواء على حروب، أمدت الجمهور بخبرات واسعة في تعدد السرديات الخبرية والتحليلية للحدث الواحد، بصورة مبسطة، ما اعتبرته دول ذات سيادة عدواناً على هيبتها وأمنها ووحدة أراضيها، كان مقاومة وتحرراً وتخلصاً من القمع والظلم والهوان في نظر جماعات وتنظيمات مسلحة وجدت لنفسها شاشات تمثلها وتصطف وراءها، وأحياناً أمامها، وما بررته دولة باعتباره دفاعاً عن شعبها وردعاً للإرهاب والإرهابيين عبر شاشاتها، روج له “الإرهاب والإرهابيون” باعتباره استعادة للحقوق ودحراً للاحتلال، أعوام طويلة والسرديات الإخبارية والتحليلية للأحداث والحوادث والصراعات المتواترة في منطقة الشرق الأوسط تتلون بحسب انتماء الشاشات وتوجهاتها ومصالح الدول التي تتبعها أو الأفراد التي تملكها.
وعلى رغم الخبرة المكتسبة، لا سيما في أعقاب ما يسمى “الربيع العربي” وتضارب المواقف في شأنه، وانقلاب سحر العيش والحرية والعدالة الاجتماعية وبالاً على الساحر، وقبلها تفجر المواجهة بين إسرائيل والفلسطينيين بين الحين والآخر، فإن الاختلاف في تناول الأحداث ظل محصوراً في رؤية غربية ومعها إسرائيل، في مقابل رؤية عربية انقسمت في أعقاب الربيع العربي بحسب الموقف من جماعة الإخوان المسلمين، في الحرب الدائرة حالياً، انشطرت الرؤى، وتفتت المواقف كما لم تفعل من قبل.
الشاشات الأوروبية: العصا من المنتصف
التناول الإعلامي الغربي خرج عن كلاسيكيته المعتادة في ما يتعلق بشؤون الشرق الأوسط، لم تعد السردية على شاشاته مرتبطة ارتباطاً وثيقاً باعتناق المواقف الأميركية، والتماهي بصورة أو بأخرى مع المنطق الإسرائيلي، بل ظهرت آثار الاختلاف واضحة في التغطية والتحليل.
الشاشات والمواقع الأوروبية ليست وحدة واحدة، زوايا التغطية والتحليل تعكس الواقع الأوروبي، المواقف الأوروبية من حرب أميركا وإسرائيل على إيران ليست متطابقة، الغالبية تبذل جهداً للإمساك بالعصا من المنتصف، التغطيات الإخبارية هي الأسهل، حيث لا متسع لإظهار الفروق الشاسعة في المواقف، أما التحليل فيدور في دوائر خفض التصعيد، والميل جهة التهدئة، والتأكيد بين الحين والآخر على القانون الدولي وضرورة الاحتكام إليه، والتعبير عن القلق من اتساع قاعدة الصراع والمواجهة.
شاشات التلفزيون الأوروبية صاحبة التأثير الأكبر، ومعها تلك الناطقة باللغة العربية، تتأرجح بين لغة دبلوماسية حريصة على عدم الإفراط في التنديد بالعدوان، وفي الوقت نفسه عدم تبرئة ساحة إيران، تبدو نبرات فقدان التوازن، مع قدر لا يستهان به من القلق من مغبة “غضب ترمب” جراء عدم الاصطفاف خلف أميركا في “حربها ضد الإرهاب” واضحاً، إضافة إلى حزمة من المصالح الأوروبية، وكذلك الخاصة بكل دولة على حدة.
والنتيجة، إعلام غربي يكشف قارة منقسمة بشدة، ومهمشة استراتيجياً إلى حد كبير، وغارقة في البحث عن التداعيات الأمنية والاقتصادية على دولها، والخوف من فوضى عارمة في الجوار الجنوبي، مما يفرض عليها مزيداً من محاولات إمساك العصا من المنتصف.
وما زالت نبرة الصدمة والشك وعدم اليقين تفرض نفسها على تحليلات الإعلام الغربي للحرب، يبدو واضحاً من التغطية أن أوروبا تركت على هامش الحملة العسكرية الأميركية – الإسرائيلية، بدءاً باتخاذ القرار، ومروراً بالمضي قدماً في الهجمات، ويهيمن على المحتوى البحث والتدقيق في نصوص القانون الدولي، وإذا ما كانت التهديدات التي كانت تطرحها إيران تستحق هذا المستوى من الهجوم، وهذا الاتساع في قاعدته أم لا.
الإجماع السائد في وسائل الإعلام الأوروبية، على اختلاف مصالح وتوجهات كل منها، يبدو واضحاً في إدانة النظام الإيراني، مع إلحاق الإدانة بـ”إلا أن”، بين “إلا أن هذا لا يعني دعم الحرب”، “ولا يستوجب تبرير اتساع رقعتها”، مع الإبقاء على احتمالات المشاركة في المشهد مفتوحة بحسب تطور الأمور على الأرض، وخلف أبواب السياسة والدبلوماسية المغلقة.
خلاصة القول، الشاشات الأوروبية ترفع راية “مهتمون لكن من على بعد كلما أمكنا ذلك”، وهو ما يؤكد دور أوروبا الحالي كمراقب لخطوات رسم ملامح النظام الإقليمي، ومن ثم الدولي الجديد.
حال عدم اليقين، والشعور بأن التغطية الإعلامية الأوروبية تدور في دوائر الشجب والإدانة للمعتدي تارة، والمطالبة بضبط النفس والتهدئة تارة أخرى، مع التلويح بين وقت وآخر بالقدرة على التدخل، إن أرادت، تجاهر بها وتلخصها المحررة المتخصصة بالشأن الأوروبي في “بي بي سي” الإنجليزية كاتيا أدلر في مقال عنوانه “ماذا واجه قادة أوروبا من صعوبة في التحدث بصوت واحد في شأن إيران؟”.
تقول كاتيا أدلر “سياسياً، يتضح تماماً أن أوروبا تعاني كثيراً من أجل التوصل إلى موقف واضح وموحد حيال التطورات المتسارعة والمذهلة في الشرق الأوسط، الدول الثلاث الكبرى: فرنسا وألمانيا وبريطانيا أصدرت بياناً مشتركاً حذرت فيه إيران من اتخاذ إجراءات دفاعية لتدمير قدرتها على إطلاق الصواريخ والطائرات المسيرة، أكثير ما يشغل بال هؤلاء القادة الأوروبيين هو عدم الرغبة في إغضاب دونالد ترمب، في غضون ذلك، بدا الاتحاد الأوروبي غير منسق تماماً، امتنع بيان وزراء خارجية الدول الأعضاء عن الدعوة صراحة إلى تغيير النظام في إيران، بينما فعل رئيس المفوضية الأوروبية ذلك تحديداً”، وأضافت “مع وضوح الأحداث الجارية في الشرق الأوسط يتضح أيضاً أن لكل دولة في هذه القارة (أوروبا) أولوياتها ونقاط قوتها وضعفها الخاصة، التي تشكلت بفعل تاريخها ومخاوف الناخبين”.
الكاتبة رصدت مواقف ثلاث دول أوروبية، مما يساعد في فهم المواقف التي تبدو غامضة، تاريخ ألمانيا ما زال يفرض عليها حرجاً أو تجنباً للانتظام المباشر في الصراعات، وإسبانيا أعلنت موقفاً واضحاً عبر عنه رئيس وزرائها بيدرو سانشيز عبر “السوشيال ميديا” بقوله، “يمكن للمرء أن يعارض نظاماً بغيضاً، كما هي الحال مع النظام الإيراني، وفي الوقت نفسه يعارض تدخلاً عسكرياً غير مبرر وخطراً خارج نطاق القانون الدولي”، أما رئيسة وزراء إيطاليا جورجيا ميلوني فتجد نفسها مضطرة إلى أداء رقصة بالغة الصعوبة، على حد قولها، “فبين رأي الناخبين الإيطاليين، وما تعتقد أنه يصب في مصلحة بلدها ومصلحتها الشخصية على الساحة الدولية، التزمت ميلوني الصمت حيال الهجمات الأميركية الإسرائيلية على إيران، وهي من بين القادة القلائل في أوروبا الذين تربطهم علاقة ودية حقيقية بدونالد ترمب”.
كل ما سبق ينعكس في ما تبثه وتنشره الشاشات الأوروبية، وعلى رغم التعددية الإعلامية في هذه الدول، وتناقض توجهاتها، فإن منهج الإمساك بعصا التغطية والتحليل من المنتصف يغلب على الجميع، إنها المخاوف الاستراتيجية التي لا مجال للاختلاف عليها، إضافة إلى غياب التأثير الأوروبي المباشر في الصراع.
ما تنضح به الشاشات الأوروبية من مصالح هو موضع قلق، وكذلك مخاوف محسوبة من الانتظام في صراع لا تود الدخول فيه، وفي الوقت نفسه تجنب مزيد من إغضاب الرئيس الأميركي ترمب، قابل للتغيير، وهو ما جرى مثلاً في فرنسا، الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون لخص في خطابه الموجه للفرنسيين قبل أيام الموقف الملتبس، قال إن العمليات العسكرية الأميركية – الإسرائيلية على إيران نفذت خارج القانون الدولي، لكن حرص على تحميل طهران “المسؤولية الأولى”، وحين تعلق الأمر بلبنان، وبدء تنفيذ عملية إسرائيلية برية، لم يتردد عن حض رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو على عدم المضي قدماً في ذلك، لكن حدث العكس.
يغلب على الإعلام الفرنسي طرح الأسئلة في شأن الحرب، مع وصف ما يجري بـ”مغامرة ترمب في إيران”، “كيف تأمل أميركا وإسرائيل في إسقاط النظام الإيراني؟”، “هل فرنسا معرضة لخطر الانجرار إلى الصراع؟”، “ترمب وإيران: تهديدات وتساؤلات”، “هل يشعل النظام الإيراني النار في الشرق الأوسط؟” وتستمر الأسئلة من دون ضلوع فرنسي مباشر في الإجابات والسيناريوهات.
الإعلام الأميركي منقسم
وعلى النقيض تماماً، وحيث تلعب أميركا دور البطولة شبه المنفردة في المشهد الحالي، فإن الشاشات والمواقع الأميركية هي الأكثر تعددية وثراء من ناحية محتوى التغطية، وكما هو متوقع تماماً، فإن الإعلام الأميركي منقسم بين توجهين رئيسين في تناول الحرب، الإعلام المعارض لإدارة الرئيس ترمب، والإعلام المؤيد له، وما بينهما من درجات مختلفة، يظل الموقف المناهض للنظام الإيراني سيد التغطية، لكن الاختلافات تكمن في تحليل أو تعليل أو تبرير أو التنديد بالضلوع الأميركي فيها، بين شاشات ومواقع تشكو ما تسميه “الصندوق الأسود” في ما يتعلق بمعلومات الحرب، حيث نقص المعلومات الرسمية، واقتصارها في الغالب على بضع تدوينات أو تغريدات مقتضبة على “السوشيال ميديا”.
يشار إلى أن إدارة الرئيس ترمب كانت قد فرضت قيوداً على دخول الصحافيين إلى جزء من المكتب الإعلامي في البيت الأبيض، مستندة إلى “ضرورة الحفاظ على مواد حساسة” في نوفمبر (تشرين الثاني) 2025، وذلك ضمن قيود أوسع فرضتها على دخول المراسلين والصحافيين، بما في ذلك لائحة قواعد جديدة في وزارة الحرب الأميركية (البنتاغون).
وكان الصحافيون والمراسلون في ما مضى يتمتعون بإمكان الوجود في “منطقة الصحافة السفلى” المجاورة لغرفة الإحاطات الإعلامية الشهيرة في البيت الأبيض.
كبير محللي الإعلام في شبكة “سي أن أن” الأميركية بريان ستلتر كتب قبل أيام تحت عنوان “الصحافة تواجه صندوقاً أسود” من البنتاغون في شأن الحرب الإيرانية “إن المراسلين المتخصصين بشؤون البنتاغون يقولون إنهم لا يحصلون على إجابات لأسئلة رئيسة حول العمليات العسكرية الجارية، ونتيجة لذلك أصبحت الحرب أشبه بـ’صندوق أسود‘”.
وذكر ستلتر أن “الجيوش دائماً تحافظ على السرية وسط النزاعات المسلحة، وأن الصحافيين دأبوا على جمع المعلومات من مصادر متنوعة، وهو ما يعني عام 2026 فحص صور الأقمار الاصطناعية التجارية، وتحليل مقاطع الفيديو التي يلتقطها شهود العيان لفهم ساحة المعركة بشكل أفضل”.
وأشار إلى أن كل ما يحصل عليه الصحافيون حالياً هو بعض تغريدات أو مقاطع فيديو يجري نشرها عشوائياً من دون تفاصيل، مرجحاً أنه “ربما يكون البيت الأبيض هو نقطة الاختناق، يتواصل مراسلو البنتاغون باستمرار مع الممثلين العسكريين عبر الهاتف والبريد الإلكتروني”، لكن “كل شيء تقريباً يحال إلى البيت الأبيض”، بما في ذلك الأسئلة العملياتية، بحسب ما قال أحد المراسلين، ونتيجة لذلك، معظم ما يجري جمعه يأتي من خلال التسريبات ورسائل سيجنال، خارج نطاق الوثائق الرسمية.
وبعيداً من التوجهات المختلفة للإعلام الأميركي، بحسب الموقف من إدارة ترمب، فإن مكون “نقص المعلومات الرسمية” يعتبر عاملاً جديداً لم يكن يتصور أحد أن يشكو منه صحافي أو مراسل في أميركا، ولم يحتسبه أحد ولو في الخيال.
يشار إلى أن وزير الحرب الأميركي بيت هيغسيث قال إن الصحافة تغطي بصورة بارزة خسائر أفراد الخدمة العسكرية، وذلك “لجعل الرئيس يبدو سيئاً”، وبين “تبدو عملية ملحمة الغضب بمثابة نقطة تحول في حرب أميركا ضد الإرهاب، فقد اتخذ الرئيس دونالد ترمب خطوات حاسمة لشل دولة معروفة برعايتها للإرهاب، واستهدفت المدنيين الأبرياء – بمن فيهم أميركيون – لما يقارب 50 عاماً”، و”تبني الرئيس ترمب العمل العسكري في إيران كان مدفوعاً بزعيم إسرائيلي مصمم على إنهاء المفاوضات الدبلوماسية”، و”بدخول أميركا مواجهة مباشرة مع إيران، يكون الرئيس ترمب قد أقدم على أكبر مقامرة في رئاسته، معرضاً حياة الجنود الأميركيين للخطر، ومتسبباً في مزيد من القتلى وعدم الاستقرار في أكثر مناطق العالم اضطراباً”، و”حين تصلك معلومات استخباراتية يومية تفيد بأنه يتم تطوير نظام أسلحة جديد، وتزيد قناعة فصيل متطرف بأنه يستطيع أن يحقق مآربه بتفجير طائرة أو سفارة أميركية أو سيارة مخففة في ’تايمز سكوير‘، إلى متى يمكنك البقاء ضمن الحمائم، لو رأيت ما يرد من معلومات إلى الرئيس ترمب يومياً، ستصبح من الصقور مثله”، يموج الإعلام الأميركي بتوجهات متناقضة تجاه الرئيس ترمب وإدارته، وإن توحدت في رسالتها الخاصة بإيران، باعتبارها “دولة إرهاب” أو في الأقل “عدوة” أو “منبوذة” أو “مصدر خطر”.
الشاشات العربية معقدة أيضاً
الشاشات العربية لا تقل تعقيداً وتشابكاً عن الغربية والأميركية، فالشاشات العربية لم تعرف يوماً تغطية إخبارية محايدة منزوعة التوجهات الأيديولوجية أو منزهة عن الدوافع، وفي الحرب الدائرة حالياً، يبدو الحديث عن الحياد والارتقاء بالمحتوى بعيداً من المصالح والتوجهات أقرب إلى المستحيل وغير المنطقي.
عقود طويلة، وتغطيات إعلامية عربية مستمرة كثيراً ما اتهمت بالانحياز والوقوع في قبضة الاستقطاب، عقود طويلة والخطاب الإعلامي الغربي يهيمن على قاعدة عريضة من المتلقين العرب.
في ورقة منشورة في دورية “الإعلام العربي والمجتمع” الصادرة عن الجامعة الأميركية في القاهرة (يوليو 2025) تحت عنوان “تغطية الحرب في الشرق الأوسط”، جاء أنه على رغم مساهمة وسائل الإعلام الفضائية والرقمية في تنويع روايات الحروب في المنطقة، فإن هناك كثيراً من أوجه عدم المساواة في البنى التحتية الإعلامية العربية، وكذلك هيمنة الخطاب الغربي، وأشارت كذللك إلى واقع متناقض للإعلام العربي على مدى العقود الثلاثة الماضية، حيث تقدم تقني كبير، وثورة رقمية وأدواتها المتعددة، إلا أن المؤسسات الإعلامية العربية ما زالت في معظمها كيانات إقليمية ذات قدرة محدودة على صياغة الروايات الدولية حول أزمات المنطقة، تاركة المجال لما يعرف بـ”هيمنة خطاب سي أن أن” على كعكة المتابعة لما يجري في المنطقة.
هذه المرة، الوضع مختلف والواقع مغاير، والشاشات باختلاف انتماءاتها وجنسياتها وما تمثله من مصالح دولها أو مالكيها تقدم سرديات تختلف باختلاف الموقف من إيران، ليس هذا فحسب، بل إن شاشات تنتمي لدول كانت إما تدعم إيران، أو تلتزم الحياد تجاهها، أو تحرص على عدم إلحاق الأذى بها عبر أراضيها وأجوائها، وجدت نفسها ودولها معرضة للاعتداءات الإيرانية عليها عبر الرشقات الصاروخية وهجوم المسيرات.
الشاشات والسرديات الإعلامية العربية الخليجية على سبيل المثال نقلت إدانات دولها لـ”العدوان الأميركي والإسرائيلي على إيران”، وحين فوجئت بالهجمات الإيرانية عليها، اضطرت إلى إدانتها، وإن ظلت متحفظة في لهجة الإدانة.
شاشات عربية أخرى محسوبة على تيارات وجماعات تدين لإيران وأذرعها المختلفة في المنطقة بالولاء والانتماء لا ترى في تغطياتها سوى العدوان الأميركي والإسرائيلي، مع شبه تجاهل لما تتعرض له الدول المجاورة لإيران من هجمات بالصواريخ والمسيرات.
وبين هذه وتلك، وسائل إعلام عربية أخرى تدق على وتر ضرورة تخفيض حدة الحرب والتصعيد، والدعوة إلى العودة إلى قنوات دبلوماسية في محاولة لتطويق حدة الصراع الآخذ في الاتساع.
في الوقت الراهن، لا تقف التغطيات الإخبارية والتحليلية من الحرب الدائرة على خط واحد، أو حتى خطوط متشابهة أو متقاربة، بل متشابكة، وأحياناً متناقضة، المفاجآت الجارية على أرض الواقع تفرض نفسها على الشاشات، التي تعاني بدورها دوار الصدمات، وخلل التحولات في المواقف، وسرعة اتساع رقعة الصراع، وغياباً شبه تام لرؤية عقلانية أو منطقية لسيناريوهات اليوم التالي.
تغيب تماماً عن كل الشاشات سردية خبرية واحدة، لا يوجد واقع واحد، بل عشرات، ولا توجد حقيقة مؤكدة، بل حقائق عدة مرجحة، كل من وسائل الإعلام يحاول أن يلبي حاجات من يمثلهم ويخاطبهم حول أولوياتهم السياسية والأمنية والاقتصادية، مع وضع مصالحهم الوطنية في عين التغطية والتحليل.
بقيت الإشارة إلى أنه منذ بداية الحرب الحالية، قطعت إيران غالب خدمات الهاتف والإنترنت، ويتوقع أن يستمر الوضع هكذا لحين إشعار آخر، أدى هذا إلى محدودية شديدة للمعلومات والصور والفيديوهات الواردة من داخل إيران، مع طوفان من أخبار وصور ومقاطع فيديو يصعب التحقق من صدقيتها.
اندبندنت عربية
