خلاف كل الرؤساء الأميركيين الذين سبقوه ووعدوا بحل البرنامج النووي الإيراني، الرئيس ترمب وحده نقل المواجهة من طاولة التفاوض إلى ساحة الحرب؛ في ولايته الأولى انسحب من الاتفاق النووي، وفي ولايته الثانية ضرب المنشآت النووية الإيرانية خلال حرب الـ 12 يوماً (بين إيران وإسرائيل)، ثم دعا قادة إيران لعقد صفقة لوقف التخصيب، والحد من مدى الصواريخ الباليستية، ووقف الدعم للميليشيات مقابل أن تعود إيران دولة طبيعية، وتصبح عظيمة ثانية. ولما لم تعتد إيران على التعامل مع رئيس مثله، وظنت أنها قادرة على إغراقه كأسلافه في مفاوضات طويلة، شنَّ حرباً جديدة إنما بطلب صارخ: الاستسلام دون شروط. ويبدو أن القيادة الإيرانية فاتها أن ترمب بطينته لا يختلف عنها بجرأة المواجهة، واللعب على حافة الهاوية، وفارق القوة بينهما؛ وفاتها أيضاً أنه يرى نفسه قائداً تاريخياً يريد تغيير عالم ما بعد الحرب العالمية الثانية لأنَّ هذا النظام انتهت صلاحيته؛ في هذا العالم الجديد يريد من حلفائه الأوروبيين أن ينصتوا له، ويتبعوه، وإذا تمنعوا أرهقهم بضرائب وهدّدهم بالانسحاب من حلف «الناتو»، وتركهم فريسة لروسيا. ترمب لا يقبل الوقوف في المنتصف. ويرى أن بوصلته الأخلاقية هي المرشد، ولذلك خطف رئيس فنزويلا، وجلبه للمحاكمة في أميركا ثم عقد صفقة مع نائبته رودريغز مقابل بقائها في السلطة، ورفع الحصار الاقتصادي عن بلادها. هذه المتغيرات المهمة غابت تماماً عن أنظار قادة إيران الرافعين لشعار: الموت لأميركا!
ويدرك الرئيس ترمب أن النظام الإيراني فقد عناصر قوته، وبالذات محور المقاومة الذي صُمم ليكون زنار نار يحميه، وخبا وهجُه الثوري خارجياً، وزادت النقمة داخلياً عليه، وكان رده قمعياً لمعارضيه في الشوارع. ولاحظ كذلك أن قادة إيران ليسوا على موجة واحدة، فمن يتفاوض معه، رجال الدولة الرسمية، ليسوا سوى سُعاة بريد، وأن القرار بيد المرشد، ودائرته المقربة؛ وبالتالي لمس أنَّ المماطلة تهدف لإغراقه بالتسويف، فكان قراره تغيير السلطة بالقوة، وطالب بأن يكون له رأي بمن يقود إيران لكيلا يتكرر المشهد نفسه بعد عشر سنوات أو أكثر؛ بعبارة أخرى يريد نظاماً مؤاتياً لتوجهاته، وينخرط في بوتقة الحلفاء مثل بعض دول أميركا اللاتينية وأوروبا وغيرها. هذا التوجه للرئيس ترمب وراءه قناعة أن الشرق الأوسط يجب أن يكون درعاً وليس شوكة في خاصرته؛ شرق أوسط جديد خالٍ من الصراع، يسمح لأميركا بأن تتفرغ لمشاكل أخرى أكثر إلحاحاً في شرق آسيا.
هذه المواجهة تحتاج فيها إيران إلى الصمود لكي تنتصر، بينما أميركا للنجاح للفوز بأن تسقط النظام، وذلك يتطلب ثورة شعبية ليست متوفرة الآن أو تدخلاً أميركياً بريّاً، وهذا ليس متيسراً. ويبدو أن الطرفين يراهنان على الوقت لحمل الآخر على الرضوخ، مع فارق أن الوقت ليس في صالح إيران ما دامت تُقصف مُدنُها وتُدمر منشآتُها وخيارُها الشمشوني ضرب دول الجوار، وجرّ دول أوروبا للدخول في حرب ضدها. ويبدو أنَّ ترمب مرتاح لهذا النسق من القتال، بدليل أنه لا يرغب في دخول دول كبرى مثل بريطانيا في الحرب لأنه بزعمه ينتصر، وقناعته أن أوروبا ستقف خلفه؛ لأن خسارته للحرب ستكون تبعاتها سيئة عليهم. كما يعرف أن روسيا وإن تدخلت لدعم إيران فلن يكون تدخلها حاسماً لإدراكه أن الرئيس بوتين بحاجة له في أوكرانيا التي انحاز فيها أكثر لروسيا، وأجبر أوكرانيا وأوروبا على التفاوض بل التنازل لبوتين؛ كذلك الصين ستتضرر أكثر من ارتفاع الطاقة في وقت يعاني اقتصادها من بعض الضمور، علاوة على أن لها تحالفاتها القوية مع دول المنطقة وبالذات الخليجية، ولن تضحي بهذه العلاقات مقابل إرضاء عيون النظام الإيراني المعتدي على تلك الدول.
ثمة خياران لإيران: أولاً، عقد صفقة بوساطة روسية – عربية – صينية تنصاع فيها طهران لجل مطالب ترمب، مقابل احتفاظ النظام بسلطته، ورفع العقوبات، وضمانات بأن لا تعود لتكرار الماضي، وتصدير الثورة. هذا الخيار يعطل محاسبة شعب إيران للنظام؛ ويفقد الشرعية الداخلية والخارجية، والموارد المالية لاسترضاء المتضررين من سياساته. ثانياً، الإصرار على مواصلة الحرب والمراهنة على إرهاق الاقتصاد العالمي، وتذمر قاعدة ترمب الانتخابية، والتأثير على الانتخابات القادمة. هذا التفكير يسقط من الحسابات أجندة إسرائيل التي تعتبر خطر إيران وجودياً، وينحي جانباً سمعة أميركا، والأهم نزعة الرئيس ترمب الإمبراطورية، وقدراته العسكرية العظيمة.
اثنان هما من يقرر مصير إيران: المرشد الجديد وترمب.
